المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية
اهلا بكم في المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية

المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية

علم الاجتماع- العلوم الاجتماعية- دراسات علم الاجتماع
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Like/Tweet/+1
المواضيع الأخيرة
» لأول مرة : جميع مؤلفات الدكتور محمد الجوهري - مقسمة علي ثلاث روابط مباشرة وسريعة
أمس في 2:30 pm من طرف زائر

» فلسفه الاخلاق و السياسه المدينه الفاضله عند كونفوشيوس
الإثنين نوفمبر 13, 2017 9:21 am من طرف ahmed33

» فهد إبراهيم الحبيب:تربية المواطنة - الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة
الأحد نوفمبر 12, 2017 2:36 pm من طرف زائر

» طرق البحث الاجتماعى-الدكتور محمد الجوهرى-الدكتور عبدالله الخريجى
الأحد نوفمبر 12, 2017 5:30 am من طرف إرفينا

» طرائق البحث في العلوم الإجتماعية - تأليف: شافا فرانكفورت- ناشيماز، دافيد ناشيماز .
الأحد نوفمبر 12, 2017 5:27 am من طرف إرفينا

» مجموعة كتب مصورة في مناهج البحث- اسس و مبادئ البحث العلمي- التاريخ و منهج البحث التاريخي- تطور منهج البحث في الدراسات التاريخيه-البحث العلمي:اسسه و طريقه كتابته
الأحد نوفمبر 12, 2017 5:19 am من طرف إرفينا

»  نصر حامد ابوزيد..دوائر الخوف..قراءة فى خطاب المراة
الجمعة نوفمبر 10, 2017 10:02 pm من طرف احمد البوصيرى

» الموت اوايديولوجيا الارهاب الفدائي ط 1.
الجمعة نوفمبر 10, 2017 9:59 pm من طرف احمد البوصيرى

» عادل عبد الصادق، الفضاء الألكتروني والرأي العام...تغير المجتمع والأدوات والتأثير-مركزالأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
الجمعة نوفمبر 10, 2017 9:57 pm من طرف احمد البوصيرى

» مستقبل الأسرة العربية وتحديات العولمة د. عبد الباسط عبد المعطي
الجمعة نوفمبر 10, 2017 8:55 pm من طرف احمد البوصيرى

سحابة الكلمات الدلالية
التنميه العولمة المهنية مفهوم التخلف مدخل سوسيولوجيا القيم محمد السياسى السياسيه المجتمع كتاب المعاصرة تاريخ احمد دكتور وهبان فرزات في السياسات ألى مبحث الممارسة الاجتماعية وغايات
لأول مرة : جميع مؤلفات الدكتور محمد الجوهري - مقسمة علي ثلاث روابط مباشرة وسريعة
السبت أبريل 23, 2011 10:27 pm من طرف باحث اجتماعي
مدخل لعلم الأنسان المفاهيم الاساسية في …


تعاليق: 214
فلسفه الاخلاق و السياسه المدينه الفاضله عند كونفوشيوس
السبت مارس 06, 2010 10:16 pm من طرف فريق الادارة

ضع ردا ليظهر لك …


تعاليق: 8
نصر حامد ابوزيد..دوائر الخوف..قراءة فى خطاب المراة
الخميس فبراير 17, 2011 4:51 am من طرف فريق الادارة

نصر حامد ابوزيد..دوائر الخوف..قراءة فى خطاب …


تعاليق: 5
الموت اوايديولوجيا الارهاب الفدائي ط 1.
الجمعة مارس 12, 2010 10:41 pm من طرف فريق الادارة


الموت اوايديولوجيا …


تعاليق: 10
عادل عبد الصادق، الفضاء الألكتروني والرأي العام...تغير المجتمع والأدوات والتأثير-مركزالأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
الأحد مايو 30, 2010 12:26 am من طرف فريق الادارة


عادل عبد الصادق،
الفضاء الألكتروني والرأي …


تعاليق: 26
مستقبل الأسرة العربية وتحديات العولمة د. عبد الباسط عبد المعطي
الثلاثاء أغسطس 03, 2010 1:19 pm من طرف فريق الادارة
مستقبل الأسرة العربية وتحديات العولمة د. عبد الباسط …


تعاليق: 77
مججموعة كتب كبيرة ورائعة عن العولمة
الجمعة أبريل 23, 2010 11:57 pm من طرف فريق الادارة

كتب في علم الاجتماع

مجموعة كتب قيمة عن العولمة




تعاليق: 103
المواطنة والدولة
الجمعة يناير 13, 2012 4:39 am من طرف فريق الادارة
)L


المواطنة والدولة


\


[hide]…


تعاليق: 13
التدين الشعبي لفقراء الحضر في مصر
الأربعاء مايو 26, 2010 4:14 am من طرف فريق الادارة

التدين الشعبي لفقراء الحضر في مصر

[img]…


تعاليق: 19
" التنشئة الاجتماعية للطفل العربي في عصر العولمة" تأليف الدكتور السيد عبدالقادر الشريف، الصادر عن دار الفكر العربي بالقاهرة،
الثلاثاء أكتوبر 01, 2013 4:25 am من طرف باحث اجتماعي
)L 




" التنشئة الاجتماعية للطفل العربي في عصر …

تعاليق: 42

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش 

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
باحث اجتماعي
عضو زهبي
عضو زهبي


التخصص : علم اجتماع
عدد المساهمات : 1465
نقاط : 2991
تاريخ التسجيل : 01/01/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش    السبت مايو 25, 2013 4:11 am

تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى
توجهات التفاعل
من المركز إلى الهامش
د. على ليلة

مقدمة
فى إطار عالم تقاربت فيه الحضارات والثقافات وتفاعلت من خلال آليات الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، برزت ظواهر إيجابية وسلبية عديدة. أولها التدفق الهائل للقيم والأفكار فى كل إتجاه، لا تقف فى مواجهته عوائق أو قيود. وإذا كانت هذه المعانى المتدفقة قد يسرت قيام وعى عالمى بأحداث تقع على ساحة هذا العالم، وعى شكل قوة جماهيرية ضاغطة أصبح لها كل حساب واعتبار. فقد ساعد نقل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات لمعانى ومعطيات حول قضايا أو أحداث محددة إلى تشكيل وعى عالمى موضوعى بغض النظر عن إختلاف الأنظمة السياسية والقوى العالمية الضابطة لايقاع تفاعل العالم. بيد أن ذلك كان له تأثير سلبى مقابل، تمثل فى الإختراق الحضارى والثقافى، الذى إنطلقت قيمة وأفكاره ومعانية، لتقهر حضارات وقيود ثقافات أخرى، وتميع تكوينات الهوية والإنتماء.
فى هذا السياق أصبح الإعلام العالمى وتكنولوجيا المعلومات هو الفاعل القوى صاحب التأثير فى الهويات والإنتماءات القومية، يسعى إلى إعادة تشكيلها بما يتوافق مع مصالح وإحتياجات قوى العولمة. ولتحقيق ذلك بدأ إنتزاع عملية التنشئة الإجتماعية من مؤسساتها التاريخية كالأسرة والمدرسة ليصبح فى يد الإعلام. وبعد أن كانت الأسرة هى الوحدة المركزية التى تقوم بعملية التنشئة الإجتماعية، حيث كان الإعلام فى منطقة الهامش، مروراً بالمؤسسات التعليمية التى تؤدى دورها من منطقة الوسط. غير أنه بسيطرة تفاعلات العولمة ممتطية آليات الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، فإننا نجدها قد إنتزعت عملية التنشئة الإجتماعية من مركز الأسرة ليتلقفها الإعلام الذى أصبح الفاعل المحورى فى تشكيلها. وقد تصادف أن تضافرت عوامل كثيرة فأضعفت الأسرة، وفرضت التسليم ورفع الراية البيضاء. وإذا كانت عملية التنشئة الإجتماعية هى ساحة التقاء عناصر متشابكة تضم الإطار الأسرى، والدين والثقافة فى نسيج واحد، بإعتبارها مضامين معنوية تنشأ الأجيال القديمة والأجيال الحديثة وفقا لها. فإن الإعلام وتكنولوجيا المعلومات قد سلب الأسرة هذه المهمة المحورية، وإبتعدت التنشئة التى كانت تشغل مركز إهتمام الأسرة إلى الإعلام – الذى كان هامشا فما مضى – حيث أصبحت الأجيال الجديدة، أجيال عصر الإعلام تتشكل أو تنشأ على ساحة هذا المركز الجديد. وقد تضافر مع عملية الإنتقال هذه تهتك النسيج الذى جمع الأسرة والدين والأخلاق على ساحة التنشئة الإجتماعية للجيل الجديد. ارتباطا بذلك تسعى هذه الدراسة إلى تشخيص هذه الحالة، أو هذا التحول بين المراكز، كما تسعى إلى التعرف على أسباب وملامح تهتك النسيج الأسرى أمام عدوان الإعلام وطغيانه.
استنادا إلى ذلك فقد ضمت هذه الدراسة ثلاثة أبعاد أساسية البعد الأول تناولت الأسرة كمركز لعملية التنشئة الإجتماعية التى تضافرت لإنجازها ثلاثة عناصر هى الأسرة والدين والأخلاق، التى تداخلت فى نسيج واحد. حيث حاولت إلقاء الضوء على عناصر هذا النسيج وكيف أن هذه العناصر قد تفاعلت وأنجزت عملية التنشئة الإجتماعية، بما يحقق إستقرار المجتمع وكفاءته فى تحقيق مهام التنمية والتحديث. وعلى المحور الثانى حاولت الدراسة إستكشاف دور الإعلام – الذى كان دوره ثانويا فى الماضى – من حيث إسهامة فى إنجاز التنشئة الاجتماعية. والأسلوب الذى لعب الإعلام وتكنولوجيا المعلومات قد لعبت دوراً أساسياً فى تبديد النسيج الأسرى. بحيث أصبحت الأسرة بسبب ذلك، وبسبب عوامل أخرى، عاجزه عن القيام بعملية التنشئة الإجتماعية بمستوى كفاءة عالية، بحيث إنتقلت عملية التنشئة الإجتماعية ليتم إنجازها وإنتاجها بواسطة الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما يعنى تشكل مركز جديد على ساحة الإعلام الذى حل محل الأسرة فى إنجاز هذه المهمة.
ولأن الإعلام أصبح عالمى التوجه والتأثير، حيث لم يعد الإعلام القومى قادر على الدفاع عن فضائه الثقافى القومى، فإن ذلك يهدد بأن تكون التنشئة الإجتماعية للأجيال الجديدة على غير التزام أو تطابق مع الثقافة القومية، الأمر الذى يهدد بإضعاف الهوية وإقتلاع الإنتماء من جذوره. لذلك يطرح المحور الثالث لهذه الدراسة تصور مبدئى لآداء أعلامى قومى يحافظ على الهوية كما يعمل على ترسيخ الانتماء. إضافة إلى أهمية التأكيد على إستعادة الأسرة لفاعليتها بإحياء عناصر نسيجها لكى تساهم بفاعلية – إلى جانب الإعلام – بتنشئة أجيالنا الجديدة، لتكون هى المركز والمرجعية من جديد.
أولاً: افتراضات حول الإعلام والأسرة
تدور القضية الأساسية لهذا البحث حول دور الإعلام وتكنولوجيا المعلومات فى تمزيق النسيج الأسرى، حيث أصبحت الأسرة هشه فى بنيتها. فقد أخترق الإعلام وتكنولوجيا المعلومات منظوماتها القيمية التى تنظم تفاعلاتها الداخلية سواء تلك المتعلقة بتنظيم آداء شبكة علاقاتها الإجتماعية، وتوجيه عملياتها الأساسية، بخاصة عملية التنشئة الإجتماعية بواسطة مضامين ثقافية غريبة وغربية أشاعت الفوضى على ساحتها، بحيث أصبحت تتحقق بالحد الأدنى من منظومات القيم الأسرية التى ما زالت باقية وتنتمى إلى مرجعيتها، وبالحد الأعلى من منظومة القيم الغريبة الموجة للآداء الإعلامى، وهى منظومة قيمية تختلف فى حدها الأدنى عن المرجعية الثقافية والأخلاقية للمجتمع. وفى حدها الأعلى نجدها منظومة قيمية منحرفة غريبة على مرجعيتنا فرضت نفسها على واقعنا بواسطة الإعلام وتكنولوجيا المعلومات التى يسرت إختراق الثقافة ومنظومات القيم الغربية لفضائنا الثقافى. الأمر الذى أدى إلى تشويه عملية التنشئة الإجتماعية، لكونها تتحقق وفق مرجعية تختلف عن مرجعيتنا الثقافية والأخلاقية. ويمكن إرجاع ذلك لفاعلية مجموعتين من المتغيرات، تولت المجموعة الأولى إضعاف الأسرة بحيث أصبحت هشه وعاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية، وبالأخص وظيفتها فى التنشئة الإجتماعية. بينما عملت المجموعة الثانية من المتغيرات فى إتجاه دعم آداء الإعلام وتكنولوجيا المعلومات. بحيث إتسعت مساحة أدواره فى المجتمع، وأبرزها أن الإعلام أصبح يقوم الآن بالدور الأساسى فى عملية التنشئة الاجتماعية. بحيث أصبحت هذه العملية تتم وفق مضامين أخلاقية تستند إلى مرجعية غير قومية بالأساس، على خلفية هذا التحول نطرح الفرضيات الأساسية الآتية.
1- التحول من التنشئة الأسرية إلى تنشئة يقوم بها الإعلام وتكنولوجيا المعلومات: تتعلق الفرضية الأولى بطبيعة الفاعل المنوط بعملية التنشئة الإجتماعية. فبعد أن كانت الأسرة هى الفاعل المركزى الذى يقوم بعملية التنشئة الإجتماعية، فإننا نجد أن الإعلام قد همش دور الأسرة فى القيام بهذه العملية. بل إننا نجد أن آداء الإعلام لعملية التنشئة الإجتماعية للطفل، تم على أساس من القطيعة مع التنشئة الأسرية شكلا ومضمونا. فمن حيث الشكل نجد أن الأسرة تنشئ أبناءها إستناداً إلى ثقافة الكلمة، التى تمتلك قدراً كبيراً من العمق وتدعو إلى إعمال العقل، وتربطه بالتراث من خلال تأكيد اللغة، ومن ثم فهى تنشئة مرتبطة بالمرجعية القومية والوطنية. ومن حيث المضمون فالأسرة تغرس فى ذوات الأبناء منظومات قيمية ذات طبيعة دينية وأخلاقية تساعد فى بناء ضميره الداخلى. بحيث يصبح إنساناً قادراً على التفاعل الإجتماعى السوى مع الآخرين على أساس من الالتزام بمعايير المجتمع. فى مقابل ذلك نجد ان الإعلام هو الذى أصبح يقوم بعملية التنشئة الإجتماعية بصورة مختلفة، من حيث الشكل أو المضمون. فمن حيث الشكل نجد أن الإعلام وتكنولوجيا المعلومات تعتمد الصورة كوسيلة محورية فى عملية التنشئة الإجتماعية، وهى وإن كانت أكثر إغراءاً، لأن الطفل يستوعب مضامينها التى تغلف عادة بجملة من العواطف والمشاعر حتى تتمكن من إختراقه والإستقرار بداخله. غير أن الصورة مسطحة بطبيعتها وبلا عمق، ومن ثم فبقاء تأثيرها محدود فى بناء الشخصية، يضاف إلى ذلك أن الإعلام فى مجتمعاتنا العربية يعمل وفق مضامين غربية ومرجعيات غربية بالأساس، حسب تأكيد تقرير منظمة اليونسكو. الأمر الذى يعنى أنه بينما كانت تعمل الأسرة على ربط الأبناء بجذورهم ومرجعيتهم الدينية والثقافية والحضارية. فإننا نجد أن الإعلام وتكنولوجيا المعلومات تعمل على تنشئتهم وفق مرجعيات خارجية وغربية بالأساس الأمر الذى يوهن إرتباطهم بجذورهم وبضعف إنتمائهم لمجتمعاتهم.
2- التأكيد على الإستمرار وليس الإنقطاع فى عملية التنشئة الإجتماعية: تتعلق الفرضية الثانية برفضنا لمنطق الثنائيات والإنقطاع فى عملية التنشئة بين الأسرة والإعلام، وهو المنطق الذى روج له التراث الغربى. بينما تذهب مرجعيتنا الدينية والحضارية إلى التأكيد على منطق الاتصال والاستمرار. وإذا كان منطق الإنقطاع يؤكد على أن المرجعية التى يعمل وفقا لها الإعلام – إن كانت هناك مرجعية – تختلف كما هو حادث فى مجتمعاتنا – عن مضامين المرجعية الأسرية. وذلك لأن الإعلام يعمل وفق مضامين غربية بالأساس، على خلاف الأسرة التى تعمل وفق مرجعية دينية وثقافية ذات طبيعة قومية. وهو ما يعنى وجود قطيعة بين مرجعية التنشئة الأسرية، ومرجعية التنشئة التى يقوم بها الإعلام أو تكنولوجيا المعلومات، الأمر الذى يشبع حالة من الفوضى فى مضامين التنشئة الإجتماعية التى يستوعبها الطفل وهو ما يؤدى إلى تشويه الضمائر الفردية، وهى الحالة التى تكون لها إنعكاساتها السلبية على سلوكيات البشر فى مختلف مجالات واقعهم الإجتماعى. على عكس ذلك فإننا نعتقد – إستناداً إلى مرجعية حضارية وقومية – ضرورة أن تتميز عملية التنشئة الإجتماعية بالتواصل والإتصال. بمعنى أن منظومات القيم التى تعمل الأسرة على غرسها فى الصغار، ينبغى أن يتم التأكيد عليها بواسطة أجهزة الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، مع إضافة قيم جديدة لا تتناقض معها. فإذا التحق الطفل بالنظام التعليمى، فإن على المؤسسات التعليمية أن تؤكد على ذات القيم، إلى جانب قيم مضافة تتعلق بالسياق الجديد للمؤسسات التعليمية، او السياقات التى تعد الطفل من أجل التفاعل فى إطارها. وفى هذا الإطار فإننا نجد أن مضامين التنشئة الإجتماعية تحتوى على منظومتين من القيم، المنظومة الأولى تبدأ من الأسرة مع الطفل، ويستمر التأكيد عليها من خلال الإعلام، ثم يستمر التأكيد عليها من خلال المؤسسات التعليمية وحتى الجامعة. وتأتى المنظومة القيمية الثانية، حيث يحاول الإعلام بالإضافة إلى المؤسسة التعليمية، تنشئة الأطفال وفق منظومة قيمية، تعمل على تشكيل وعيهم بالقضايا العامة للمجتمع أو العالم الخارجى. ذلك بالإضافة إلى التأكيد على القيم التى نشئ عليها الطفل، داخل نطاق الأسرة بطبيعة الحال. وتبدأ المنظومة الثالثة فى مرحلة عمرية متأخره من نمو الطفل، من خلال السعى لإستيعاب الطلاب لمضامين قيمية جديدة. تعدهم للتعامل مع المجتمع العام، حيث تكون المؤسسة التعليمية هى السياق التجريبى الضيق للتفاعل على ساحة المجتمع الكبير. على هذا النحو فإننا نجد أن الطفل حينما يكبر تكون لديه منظومات قيمية مؤكدة، تشكل ضميره الداخلى الموجه لسلوكياته فى مختلف المجالات الإجتماعية.
3- استئثار الإعلام بعملية التنشئة الإجتماعية: تذهب الفرضية الثالثة إلى أن التنشئة الإجتماعية تتحرك الأن لكى تنفلت أو تنتقل من النطاق الأسرى إلى نطاق الإعلام وتكنولوجيا المعلومات. وذلك لإعتبارات عديدة منها أن بناء الأسرة فى عالمنا العربى أصابة قدر كبير من الخلل، إما بفعل متغيرات داخلية، أو بسبب الإختراق الخارجى لحياتنا الأسرية، وهو الإختراق الذى أشاع الفوضى فى تفاعلاتها. بحيث أصبحت الأسرة عاجزة عن أن تشكل السياق الإجتماعى والثقافى لتنشئة الأبناء، كما لم تعد هى المركز أو الفاعل الرئيسى فى عملية التنشئة الإجتماعية. وإنتقل هذا المركز إلى الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، بحيث أصبح هذا الفاعل يقوم بالقسم الأكبر من عملية التنشئة الإجتماعية. وهو الأمر الذى قد يؤدى من ناحية إلى أضعاف هوية الأبناء، بإعتبار أن الإعلام فى مجتمعاتنا يعمل عادة وفق مضامين غير قومية. بل إننا نجد أن الإعلام من خلال المضامين الذى ينشئ الأبناء عليها، قد يدفعهم إلى ساحات من السلوكيات الغريبة على مرجعياتهم، والتى قد تصل إلى حد الإنحراف. وقد إنتقل مركز التنشئة إلى الإعلام الذى تفوق على الأسرة والمدرسة، بسبب الضعف الذى أصاب الأسرة – كما أشرت – وأيضا بسبب غياب القدوة فى المدرسة. ذلك بالإضافة إلى أن عدد الساعات التى يتعرض لها الأبناء للأعلام وتكنولوجيا المعلومات، تفوق كثيراً الأن، بالنسبة لشرائح إجتماعية عديدة، الوقت التى يقضية الأبناء فى التفاعل مع أعضاء الأسرة. أو الوقت الذى يقضية فى التفاعل الإجتماعى داخل المدرسة. يضاف إلى ذلك الجاذبية التى تصاحب تغلغل المضامين الإعلامية فى شخصية الأبناء، وقد صاحب هذا التحول مساهمة الإعلام فى تمزيق النسيج الأسرى وفى إضعاف دور المدرسة.
4- سيطرة القيم الغربية متداخلة مع قيم الطبقة العليا على الآداء الإعلامى: وتؤكد الفرضية الرابعة على أن التنشئة الإجتماعية فى مجتمعاتنا تتحقق بمضامين قيم الثقافة الغربية مختلطة أو مداخلة مع قيم الطبقة العليا. يتضح ذلك إذا نحن تأملنا الآداء الإعلامى فى المرحلة الأخيرة، بخاصة فى عصر العولمة. فسوف نجد أن يعمل بحسب مضامين غربية بأسلوبين، الأول أن المادة التى تتدفق الآن من خلال الفضائيات أو من شبكة المعلومات الدولية تتضمن قيما تختلف كثيراً عن منظومات القيم المستندة إلى مرجعيتنا الدينية والقومية والحضارية. وهى المنظومات المتعلقة بالعلاقة بين الجنسين، أو النظرة إلى الحياة الأسرية، إضافة إلى منظومات القيم والسلوكيات المنحرفة المتصلة بالجنس والغرائز. وهى المنظومات التى تعمل على توسيع مساحة الغرائز فى بنية الشخصية لحساب إختزال مساحة القيم ذات الطبيعة الروحية أو المعنوية والأخلاقية. ويتحدد الأسلوب الثانى بأننا إذا تأملنا بعض المضامين الإعلامية التى تتدفق عموما من الفضائيات، فسوف نجدها تعكس قيم الطبقة العليا الحضرية فى المجتمع. بحيث يسعى الإعلام إلى فرض هذه المضامين على غالبية المجتمع، التى لا تتمتع بنوعية حياة الطبقة العليا، فى مجتمعاتنا العربية، التى يتراوح عدد سكانها تحت خط الفقر بين 40%-50%. وهى الغالبية التى تشاهد عروض الأزياء أو صناعة بعض الأكلات، أو حتى موضوعات "الدردشة" الخاصة بالطبقات العليا فى غالب الأحيان. الأمر الذى يؤكد أن الإعلام وتكنولوجيا الإعلام من الممكن أن يلعبا دوراً أساسياً فى نشر حالة من الأحباط العام، ومن ثم تكثف التوتر، الذى قد يجد طريقة إلى ممارسة بعض سلوكيات التمرد والرفض من جانب الشريحة الغالبة والمحرومة فى المجتمع.
على خلاف ذلك فإننا نرى ضرورة أن يوجه الإعلام فى مجتمعاتنا بقيم الطبقة الوسطى لإعتبارات عديدة. الإعتبار الأول أنه بغض النظر عن الإنهيار الذى أصاب الطبقة الوسطى فى مجتمعاتنا، فإن أخلاقها هى الأكثر تعبيراً عن أخلاق المجتمع. والثانى أننا إذا تأملنا وضع الطبقة الوسطى، فسوف نجد أنها تشكل الوعاء الأخلاقى للمجتمع، إذا صلحت اخلاقها صلحت اخلاق المجتمع وإذا فسدت أخلاقها فسوف تفسد أخلاق المجتمع. والثالث أن أخلاق الطبقة الوسطى من الممكن أن تلتقى على ساحتها مختلف الطبقات الاجتماعية. وعلى هذا النحو فإن الإعلام الموجه بمرجعية ومنظومات قيم الطبقة المتوسطة سوف يكون هو الأكثر تعبيراً عن روح المجتمع، والأكثر محافظة عليها.
5- التفرقة بين الأسرة والإطار الأسرى: إننا إذا تأملنا دور الأسرة فى التنشئة الإجتماعية فإننا ندركه من خلال معنيين، حيث ندرك من خلال المعنى الأول بإعتبارها وحدة إجتماعية تتشكل من الزوج والزوجة والأولاد. وفى هذا الإطار فإننا نجد أن مفهوم الأسرة ما زال محتفظا بحدوده فى إطار مجتمعاتنا القومية، على عكس بداية تميع المفهوم وإفتقاد تحدد حدوده فى المجتمعات الغربية، بحيث أصبح المفهوم يطلق على تكوينات أو جماعات شاذة، وأن بعضا من هذا الإنحراف والتشوه، نتيجه للإختراق الثقافى، بدأ يصيب هذا المفهوم فى مجتمعاتنا، وهو ما ينبغى أن يعمل الإعلام على مواجهته. بينما يشير المعنى الثانى إلى مفهوم الإطار الأسرى، الذى يتشكل من الأسرة بالإضافة إلى مكوناتها الثقافية والإجتماعية. وفى نطاق ذلك فنحن ندرك الأسرة، بإعتبار أنها ينبغى أن تعمل وفق منظومة أخلاقية توجه التفاعل فى إطارها، هذه المنظومة تتشكل من عنصرين. الأول منظومات القيم الدينية، بإعتبار أن الدين يدفع إلى التأكيد على الفضائل، بالإضافة إلى منظومات القيم الأخلاقية والثقافية، بحيث ينبغى أن يتحقق التفاعل وتتم عملية التنشئة وفق هذه المنظومات الدينية والأخلاقية. ويتمثل البعد الثانى فى نوعية الحياة التى تقودها الأسرة، حيث يلعب هذا البعد دوراً أساسياً فى تحديد طبيعة التنشئة الإجتماعية التى يتعرض لها الأبناء، وعلى هذا النحو يتشكل الإطار الأسرى من الأسرة بالإضافة إلى التراث الأخلاقى والحضارى إلى جانب نوعية الحياة التى تعيش الأسرة وفقا لها.
6- للإعلام وتكنولوجيا المعلومات دور فى الحفاظ على الهوية وترسيخ الإنتماء: تؤكد الفرضية السادسة على انه فى نطاق نظامنا العالمى المعاصر، أصبح من الصعب على حكومات الدولة القومية السيطرة على المضامين الثقافية المتدفقة من خلال الفضائيات وتكنولوجيا المعلومات، بحيث أنها لو تركت وشأنها فإنها قد تشيع الفوضى والإنحراف فى حياتنا الإجتماعية والأخلاقية. ومن شأن هذا الوضع أن يفرض على الإعلام الوطنى والقومى دوراً هاما، يتمثل فى مواجهة هذه الهجمة الثقافية والأخلاقية. بالعمل وفق مضامين أخلاقية وحضارية، تؤكد قيمنا الدينية والثقافية فى شخصيات أبنائنا، بحيث تشكل منظومات القيم السوية هذه، ضميره أو درعه. الذى يحميه من تبنى هذه القيم الغريبة على مجتمعه وحضارته، حتى يكبر الطفل ليصبح من خلال هذه التنشئة الإعلامية مواطنا أقوى إرتباطا بمجتمعه وأكثر إنتماءاً له. ويمكن أن يتحقق ذلك ببث هذه المضامين القيمية من خلال مختلف البرامج الإعلامية، التى مهما تنوعت فإنها تظل مشدودة إلى مرجعية أخلاقية وحضارية واحدة.
7- تتابع سيطرة منظومات القيم الطبقية على التنشئة الإعلامية للطفل: فى هذا الإطار تذهب الفرضية السابعة إلى التأكيد على وقوع نوع من التتابع التاريخى فيما يتعلق بالمضامين الثقافية، التى على أساسها تتم التنشئة التى كان الإعلام يقوم بها. إستناداً إلى ذلك فإننا إذا تأملنا مضامين التنشئة الإجتماعية للإعلام فى الفترة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينيات، حيث بدأ تدفق المد الليبرالى على العالم. فسوف نجد أن الإعلام كان يعمل وفق مضامين تنتمى إلى الطبقة المتوسطة فى غالبية مجتمعات العالم الثالث، ومن بينها المجتمعات العربية. حيث كان الإعلام يروج للمشروع الإجتماعى التحديثى، كما يسعى إلى محاولة تعبئة المواطنين فى المجتمع، فى نطاق مشروع التنمية والتحديث، ومن ثم كانت الدعوة إلى الإنتاج والتقشف، وتطوير وعى البشر فى المجتمع. ذلك بالإضافة إلى أن الإعلام كان يلعب دوراً محوريا فى الحفاظ على مؤسسات التنشئة الإجتماعية، كالأسرة ومؤسسات النظام التعليمى. بحيث كانت منظومات القيم التى تشكل مرجعيته تؤكد على هذه المؤسسات والمضامين القيمية التى تحاول غرسها فى نفوس الأبناء. بل إننا نجد أن الإعلام فى هذه المرحلة كان يعمل فى الغالب وفق هذه المضامين. وذلك بإعتبار أن الطبقة المتوسطة على الصعيد العالمى والإقليمى والوطنى كانت الطبقة الأكثر قوة وفعالية.
على خلاف ذلك فإننا نجد أنه منذ بداية السبعينيات بدأت الكتلة الإشتراكية فى التراجع وإنتكست الثورة فى العالم الثالث وبدأ إتساع المد الليبرالى على الصعيد العالمى، ومع إنهيار الإتحاد السوفيتى فى 1990 تربعت الولايات المتحدة الأمريكية على عرش العالم، وبدأت عولمة العالم حسب المضامين الليبرالية التى كان تعنى تراجع الدولة، وقيادة القطاع الخاص للتنمية والتحديث. وقد كان من الطبيعى فى هذا المناخ، أن تصبح الطبقة العليا متحالفة مع البرجوازية العالمية، هى المسيطرة على مجريات التفاعل الإجتماعى والإقتصادى والسياسى. وقد تضافر مع ذلك وقوع ثورة الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، التى شكلت الآلية التى أعتمد عليها لإعادة صياغة ثقافات العالم وفق منطق ليبرالى بالأساس. وفى هذا السياق بدأ الإعلام وتكنولوجيا المعلومات يروج للحرية السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. بحيث أدى التبشير بهذه الحريات إستناداً إلى المضامين القيمية للطبقة العليا، سواء للطبقة العليا الوطنية أو البرجوازية العالمية الموجهة للعولمة. حيث الترويج لقيم ومعانى ثقافة الإستهلاك، والنوع الإجتماعى Gender، وقيم السوق. إضافة إلى العمل على إختراق الثقافات القومية وضرب المؤسسات التى تسعى للحفاظ على هذه الثقافات فى مقتل، كالأسرة والمدرسة. وهو ما يعنى أن هذا النمط من الإعلام ساعد على نشر الفوضى فى حياتنا الثقافية والإجتماعية.
أولاً: الأسرة "النواة الصلبة" محور الجاذبية فى الوجود الإجتماعى
تدور القضية الأساسية لهذه الدراسة حول أهمية إمتلاك المجتمع لما يمكن أن نسمية بالأسرة السوية والمستقرة، التى تشكل القاعدة أو النواة الصلبة التى يتمحور حولها الوجود الإجتماعى. بتأكيد أنه انطلاقا من هذه النواه تتشكل النظم الإجتماعية التى تشكل المجالات التى يتحرك فى نطاقها البشر، ويتفاعلون ويؤسسون تفاعلات وعلاقات وعمليات إجتماعية. وفى تفاعلاتهم نجدهم محكومون دائماً بشفرات هذه النواه الصلبة، التى تشكل مركز ثقل جاذبية المجتمع، أو هى بالأصح مرجعيته. وإذا كان المجتمع فى تطوره يتحرك عبر الزمن، فإن تفاعلاته ونظمة أثناء التحرك تعكس مرجعيته أو شفرات نواته الصلبة. وهو ما يعنى أن وجود هذه النواه يعنى التأكيد على فكرة الإستمرار، ومنطق التراكم فى الذاكرة الإجتماعية. حيث يمكن ملاحظة منطق الإستمرار فى اتجاهين، الأول أن ثمة إستمرار بين المجال الخاص والمجال العام. وأن هذا الاستمرار ناتج عن تدفق القيم من الأول إلى الأخير ليعاد تفعيلها وإعمالها حسب ذات طبيعة المجال، لأن ذات الأشخاص، هم الذين نشئوا فى مجال الأسرة ويعملون فى مجالات الحياة الأخرى. كما يعنى الاستمرار أيضا عدم وجود قطيعة فى التطور الإجتماعى، وهو ما يعنى أنه إذا كانت الأسرة – بإعتبارها نواه المجتمع الصلبة التى تضم تفعيل الدين والأخلاق من خلال تنشئة الأجيال الجديدة - قد لعبت دوراً فى الحياة الإجتماعية فى سياقات إجتماعية لمراحل تاريخية سابقة، فليس هناك ما يمنع من إستمرارها لكى تلعب ذات الدور فى أطر أو سياقات إجتماعية تالية. على هذا النحو فنحن نؤكد على منطق الإستمرار وليس الإنقطاع. وهو الاستمرار الذى يتحرك من خلاله الفرد من الأسرة التى تشكل النواة الصلبة الجاذب إلى المجال العام عبر دوائر متتابعة، ليعمل وفق ذات القيم فى المجال العام، مع منظومات قيم مضافة.
وإذا كانت الحضارة الغربية قد إنتهت إلى رؤية فصلت فيها المجال الخاص عن المجال العام، بحيث أكدت أن لكل مجال طبيعته ومنظوماته القيمية، ومن ثم طابع علاقاته الإجتماعية. فإن ذلك يرجع إلى أنها نظرت إلى الواقع الإجتماعى من منطق الثنائيات. التى نجد نماذج لها من خلال التأكيد على المجتمع المحلى فى مواجهة المجتمع العام، العلاقات الأولية فى مواجهة العلاقات الثانوية، المجال الخاص فى مواجهة المجال العام، والثقافة التقليدية، فى مواجهة الثقافة العقلانية الحديثة. فى هذا الإطار فإنه إذا كانت هناك هذه رؤية حضارية ترى فى الثنائية منطقا وفى التحديث إنقطاعاً، فإن هذه الرؤية الحضارية غير ملزمة. فثمة رؤية حضارية مقابلة ترى أن الإستمرار وليس الإنقطاع بإعتباره المنطق الأقرب للحقيقة، وأن الإدراك الثنائى المستقطب سكونى بطبيعته، بينما إدراك الحقائق وفق متصل هو إدراك متفاعل، ثم هو الإدراك الأقرب إلى حقائق الأمور. ذلك يعنى أن ثمة إتصال بين المجال الخاص والمجال العام، أو تطور إيجابى من المجال الخاص إلى المجال العام. عبر مجالات أو دوائر إجتماعية متتابعة كل دائرة تعيد تفعيل قيمها فى الدائرة أو المجال التالى إلى قيم مضافة أستحدثت فى هذا المجال. بحيث نجد أن منظومات قيم المجال العام، غالب شفراتها موجودة وقائمة فى الأسرة التى تشكل المجال الخاص.
إرتباطا بذلك فإننا نطرح إعتبارين أساسين. فى إطار الإعتبار الأول فإننا ندرك أن المجتمع يتمحور حول الأسرة كنواة صلبة، هذه النواة الصلبة تتشكل بنيتها من ثلاثة أبعاد أساسية، البعد الأول يتمثل فى الأسرة ذاتها بتكويناتها الأساسية، بإعتبارها الوحدة التى تعد مصغر أو مجسم الوجود الإجتماعى. قد يعاد إنتاجها أو تشكلها تاريخيا، من حيث طبيعتها الإجتماعية، غير أنه ينبغى أن يظل لها وجودها وأن تظل لها فضائلها. وأن تظل لها عملياتها المحورية، وبخاصة عملية التنشئة الإجتماعية، التى تتولى من خلالها تشكيل الكائنات البشرية بما يفى بمتطلبات حالة الإجتماع ويعيد التأكيد على مرجعية المجتمع. وبما يؤهل البشر الذين نشئو للمشاركة فى تفاعلات الحياة الإجتماعية كما تقع فى مختلف المجالات. ويؤكد البعد الثانى على أن آداء الأسرة محكوم بالمرجعية الدينية والثقافية أو أخلاق المجتمع وذلك يرجع إلى أن مبادئ الدين وقيمة ومفاهيمه ينبغى أن تكون هى المنظمة للتفاعل الإجتماعى. سواء داخل مجال الأسرة، أو فى مختلف المجالات الإجتماعية التى تشارك الأسرة فى تفاعلاتها. سواء كوحدة متماسكة، أو من خلال أعضائها. وإذا كان الدين قد أوحى به من خارج المجتمع الذى نعيش فيه، فإن الأسرة والمجتمع تعيد إنتاجه، أو بالأصح تجدده لإكتشاف المعانى والقيم التى تتلاءم والظروف المتغيرة. وتعد الثقافة هى البعد أو الضلع الثالث – للنواه الصلبة - التى تشارك فى تنظيم التفاعل الإجتماعى، سواء التفاعل الإجتماعى الحادث داخل الأسرة أو الذى يقع فى مختلف مجالات الحياة الأخرى. فى هذا الإطار فإننا نرى الثقافة تنتج أو تتولد إنبثاقيا عن مصادر ثلاثة، المصدر الأول مرجعية الدين، فالحرام والحلال فى الدين هو فى الغالب الصواب والخطأ فى الثقافة. ويتمثل المصدر الثانى فى أن عناصر الثقافة قد تصدر عن تفاعل البشر فى نطاق واقع إجتماعى بعينه، ومن هذا التفاعل تظهر قيما ليس لها قداسة قيم الدين، غير أن لها إحترامها الإجتماعى وتجاوزها يستوجب العقاب الإجتماعى. على حين يشير المصدر الثالث إلى تدفق الثقافة إلى واقعنا منتقلة إلينا عن التاريخ أو عن أجيال الماضى.
ويتصل الإعتبار الثانى بقوة تماسك عناصر هذه "النواه الصلبة" الدين والأسرة والثقافة، وتأكيد حالة الصحة والعافية فى فاعليتها. فإذا كان تماسك هذه العناصر قويا، وإذا كان تفعيلها ممكنا فى مختلف مجالات الحياة الإجتماعية، فنحن فى هذه الحالة أمام مجتمع مستقر ومتوازن. يخضع من ناحية لقوانين ونواميس فوق إدراك البشر ينجذب إليها الأفراد، وإلى قواعد تضبط التفاعل فى إطاره، أنه يوفر ما يشبع حاجات الأفراد الذين يحملون هويته. طالما أن عناصر "نواته الصلبة" قوية، تلك المتمثلة فى الدين والأسرة والثقافة. فإذا أصاب العطب بعض عناصر هذه النواة، فإننا نكون بإزاء وجود إجتماعى غير سوى، تصبح "نواته الصلبة" ضعيفة غير قادرة على جذب أعضاء المجتمع إلى مركزها ليتفاعلوا على مساحتها، حيث يظل أعضاءها أو ذراتها يدرون أو يتحركون بعيد عن المركز، أو النواة الصلبة. حيث نجدهم يتشتتون فى فضاء المجتمع وقد يسقطون منجذبين إلى مراكز تقع على هوامشه. ومن الواضح أن مجتمعاتنا بدأت تعانى من تفتيت "النواة الصلبة" بفعل متغيرات عديدة أبرزها الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، وهى الآليات التى إذا أدت أدوارها إيجابيا فإن من شأن ذلك أن يدعم من وجود المجتمع، بدعم عناصر نواته الصلبة. غير أنها فى الحقيقة أدت أدوارها بصورة سلبية فأضعفت الأسرة النواه الصلبة، ومن ثم فقد تبعثرت عضويتها فى فضاء المجتمع، وحتى يحقق الإعلام وتكنولوجيا المعلومات ذلك، فإنه كان عليه أن يفكك النسيج الذى تتشكل منه "النواه الصلبة" وهو النسيج الذى تتداخل فى إطاره عناصر الأسرة والدين والثقافة. وهو النسيج الذى تتمثل وظيفته الأساسية فى تنشئة الأجيال الجديدة وفق مضامين عناصره، وهى المضامين التى سعى إعلام العولمة وتكنولوجيا المعلومات، إلى تبديد كل عنصر على حدة حتى يتهتك نسيج النواه الصلبة، وتصبح الأسرة، ونواتها الصلبة عاجزة عن أن تكون مركز له قوة وجاذبية ومن ثم تتناثر الذرات إلى الهوامش. وهو ما نعرض له فى الصفحات التالية:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
باحث اجتماعي
عضو زهبي
عضو زهبي


التخصص : علم اجتماع
عدد المساهمات : 1465
نقاط : 2991
تاريخ التسجيل : 01/01/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش    السبت مايو 25, 2013 4:12 am

1- الأسرة فاعل تراجع فاعليته فى التنشئة الإجتماعية: تشكل الأسرة أحد الأضلاع الأساسية للنواة الصلبة، وفى ذات الوقت فهى الإطار أو السياق الذى يحافظ على إستمرار فاعلية هذه النواة. وذلك من خلال عملية التنشئة الإجتماعية، التى تفرض على أعضائها إستيعاب قيم الدين ومنظومات الثقافة وقيمة الحياة الأسرية ذاتها، بل وتعيد إنتاج ذات العناصر فى ظروف متجددة. وتعد التنشئة الإجتماعية عمليتها وآليتها المحورية فى هذا الصدد. إرتباطا بذلك تعد الأسرة الوحدة المحورية للمجال الخاص، الذى يترادف معها فى طبيعته ومكوناته، وهى الدائرة الأولى، التى يتحرك فيها الفرد، منذ ولادته وحتى تشكله بإعتباره كائن إجتماعى يتم إعداده من خلال التنشئة الإجتماعية للتفاعل الإجتماعى، فى دوائر المجالات الإجتماعية الأخرى المتتابعة. فى إطار الأسرة، يولد الفرد ولادة بيلوجية خالصة، لتتولى الأسرة من خلال عملية التنشئة الإجتماعية، تقليص مساحة التكوينات البيلوجية تدريجيا فى بنيته. لحساب توسيع مساحة ما هو إجتماعى وثقافى، تعد متضمناته قيود وضوابط على ما هو بيلوجى. وهى الضوابط والقيود التى تشكل العقل الذى ينظم عملية إشباع الحاجات البيلوجية بطاقته ومنطقة. وفى ذلك يقول الله تعالى: " وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" سورة النحل الآية 78.
ولأن الأسرة هى السياق الذى يعاد فيه تشكيل الإنسان على هذا النحو، فإن الأسرة ومركزها الأم تعد الدائرة الأولى المؤهلة للقيام بهذا الجهد. وذلك لإمتلاكها التوازن بين كونها الإطار المباشر وربما الوحيد، الذى يقدم إشباعا لحاجات الإنسان، فى مقابل الإعتماد الكامل للكائن البشرى عاطفيا وماديا على الأسرة. ومن خلال هذه العلاقة تستطيع الأسرة تنشئة الأبن وتحويله من كائن بيلوجى إلى كائن إجتماعى، قادر على التفاعل مع الآخرين، فى المجالات الإجتماعية المختلفة والمتتابعة. ولذلك نجد تشخيصا دينيا يمجد الأسرة والأم مركزها، وجهدها فى رعايته بيلوجيا حتى يتحول إلى كائن إجتماعى قادر على التفاعل مع الآخرين، من خلال قوله تعالى "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" سورة لقمان، الآية 14، 15. وقوله تعالى "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" الأحقاف، الآية 15. وهو ما يعنى أن الأسرة – والتنشئة الإجتماعية التى تتم على ساحتها – هى الوحدة المحورية فى المجتمع، التى تظل مستمرة فى فاعليتها، طالما أن هناك إنسانا يولد، وطالما أن هناك مجتمعا ينبغى أن يتفاعل البشر على ساحته. وأن القطيعة مع التكوينات العائلية والعواطف والعلاقات الأولية كما يذهب التنظير الغربى ليست منطقية ولا ينبغى أن تكون قائمة.
وبرغم أن الدين فى وثائقة الأساسية يميل إلى التأكيد على التكوينات القرابية الأوسع، بإعتبارها القوة أو العصبية التى يحتمى بها الفرد وتشكل سياقا حاميا له، وهو ما تؤكد عليه الحضارات الشرقية عموما. وأيضا باعتبار أن مضامينه الأقدر على إنتاج التنشئة الإجتماعية القوية والسوية. لذلك نجد أن موروثنا الدينى يؤكد على العائلة الممتدة، مفضلا إياها على نمط الأسرة النووية، وذلك لإنخفاض ميل البشر الذين ينشئون فى إطارها إلى الإنحراف إستناداً إلى إعتبارات خمسة. ويتمثل الاعتبار الأول فى تعدد مصادر التنشئة الإجتماعية فى إطار هذا النمط بتعدد الإجيال والأفراد الذين من حقهم ممارسة عملية التنشئة الإجتماعية. وهى التنشئة التى تسعى إلى غرس القيم الدينية والأخلاقية فى الفرد، أى التى تؤكد على غرس البعد الأخلاقى والإجتماعى فى بنيته. بهذه القيم يستطيع الفرد السيطرة على دوافعة وغرائزة البيلوجية. ويتمثل الاعتبار الثانى فى القوة الطبيعية لهذا النمط، وهى القوة التى تتضج من خلال وضوح المرجعية الأخلاقية التى تتم على أساسها التنشئة الإجتماعية ويتحقق الضبط. بالإضافة إلى ذلك فإننا نلاحظ أن هذا النمط من الأسرة له دفاعاته القوية ضد الانهيار. مثال على ذلك أننا إذا تأملنا واقعة مثل واقعة الطلاق فإننا سوف نجده فى إطار الأسر النووية مجرد سلوك فردى. بينما وقوعه صعب فى نطاق العائلات الممتدة لما له من نتائج سلبية سواء على بنية العلاقات الإجتماعية داخل المجتمع المحلى. ولذلك فإن قرار الطلاق والزواج فى العائلة الممتدة ليس قرار فرديا ولكنه قرار إجتماعى وجماعى تشارك فيه أفراد واجيال عديدة، وله حسابات دقيقة وصعبة، لأن ثمة آثار أو نتائج إجتماعية سوف تترتب عليه، بإعتبار أن العائلة الممتدة هى وحدة التعامل الإجتماعى فى المجتمع المحلى(1). ويشير الإعتبار الثالث إلى أن العائلة الممتدة، هى وحدة إجتماعية تمتلك قدراً كبيراً من الإستقلال والإكتفاء الذاتى، وذلك مصدر قوتها فهى وحدة معتمدة على ذاتها. يضاف إلى ذلك إعتبار رابع يتمثل فى أن هذا النمط من العائلات "العائلة الممتدة" يؤدى وظيفته بالنظر إلى منظومة قيمية مستقرة، محددة وواضحة، تتداخل فى إطارها القيم الدينية والأخلاقية. يضاف إلى ذلك الإعتبار الخامس، الذى يشير إلى أن هذا النمط من الأسر يتميز من حيث قدرته تقديم إشباع مادى وعاطفى لأعضائه، الأمر الذى يجعلهم اكثر إرتباطا به وإنتماءاً له، ولذلك نجد أن هذا النمط يؤكد دائما على الإستقرار الإجتماعى ويسلم إليه.
ومن الواضح أن نمط العائلة الممتدة بدأ فى التراجع والتآكل فى سياق مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ليحل محله نمط العائلة النووية، التى تتكون من جيلين، الأب والأم والأبناء المباشرة. وهى نمط ضعيف سواء من حيث إعتماده على ذاته، أو من حيث قدرته على الإستقلال، كذلك من حيث قدرته على التنشئة الإجتماعية لأعضائه فى مواجهة مؤسسات التنشئة الإجتماعية الأخرى. ولتوضيح مدى انسحاب هذا النمط من على المسرح، فإننا إذا تأملنا واقع المجتمع المصرى كأحد المجتمعات العربية فسوف نجد أن بعد أن كانت العائلة الممتدة تشكل نسبة 63% من الأسر فى تعدد 1947 فى مقابل 23% هى نسبة الأسرة النووية بحيث أصبحت نسبة العائلة الممتدة فى مدينة القاهرة تتراوح بين 14.4% فى بعض الأحياء إلى 23.2%(2) فى بعض الأحياء الأخرى، بمتوسط عام للحضر نحو 18.8%. فإذا إفترضنا أن الفارق بين الريف والحضر فيما يتعلق بعدد السكان 11.6%، فإننا نتوقع على أفضل التوقعات أن تكون نسبة العائلة الممتدة فى الريف 30.4% الأمر الذى يعنى أن العائلة الممتدة فى إتجاها نحو التآكل حتى فى سياقها الريفى. ذلك يعنى أن السيادة الأن أصبحت لصالح الأسرة أو العائلة النووية، حيث من المفترض أن يصل نسبتها فى الحضر إلى 30.2% وفى الريف إلى 69.6%، بحيث أصبحت بعد خمسة عقود فقط هى النمط العائلى السائد.
ويتصل البعد الثانى للإطار الإجتماعى كنواة صلبة بالدين، ومنظومات القيم الدينية التى تأتى إلى هذا العالم من خارجة، بعض هذه القيم مفروض التسليم به والعمل وفقا له، والبعض الآخر مطروح إدراكه وإعمال العقل فيه للعمل وفقا له. وإذا كان العالم العربى عبد الرحمن بن خلدون قد حدد الدين فى مقدمته بأنه "الشرع المفروض من عند الله يأتى به واحد من البشر، وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليتم التسليم والقول به"(3). هذه المنظومات القيمية ذات الطبيعة الدينية تشكل أساساً للتماسك الإجتماعى كما يذهب عالم الإجتماع الفرنسى إميل دوركيم(4). أو تدفع إلى التغيير الإجتماعى حينما تتطلب الظروف الإجتماعية ذلك حسبما يؤكد عالم الإجتماع الألمانى ماكس فيبر، غير أن القيم الدينية تشكل فى جملة الأحوال قاعدة الثقافة ومنظومات القيم المتضمنة قيها حسبما يذهب عالم الإجتماع الأمريكى تالكوت بارسونز(5). ونظراً لشمولية منظومة القيم الدينية فإنها تتعامل مع المجال الخاص والمجال العام على السواء.
ونحن إذا تأملنا مكانة الدين فى التنظير الغربى، فسوف نجده يدرك منظومة القيم الدينية، بإعتبارها تتراجع الآن عن ضبط تفاعل الحياة الإجتماعية. تأكيداً لذلك التصور الفج الذى قدمه عالم الإجتماع أوجست كونت من خلال تأكيده على القانون المعروف بقانون الحالات الثلاث. الذى يشير إلى تحول الإنسانية من المرحلة الدينية إلى المرحلة الميتافيزيقية الفلسفية إلى المرحلة الوضعية العلمية، وإعتبر أن العقل الإنسانى يتشكل بقيم كل مرحلة. وهو التصور الذى بقى بعضا منه فى تقسيم إميل دوركيم لأنماط المجتمعات، حيث المجتمع الأولى "مجتمع التضامن الأولى"، الذى يلعب فيه الدين دوراً أساسياً فى توجيه سلوك البشر وفى تحقيق الإتفاق العام. ثم المجتمع الحديث الذى ينسحب الدين فى إطاره إلى حدود الضمير الفردى، ولا يشكل أساساً للإتفاق الإجتماعى، الذى يحققه تقسيم العمل الإجتماعى(6). وبرغم أننا نجد أن عالم الاجتماع ماكس فيبر قد منح الدين دور محوريا فى تأسيس النظام الرأسمالى المعاصر، إلا أنه أوكل إليه الطاقة الدافعة لنشأة وإنطلاق النظام الرأسمالى فقط. ثم بعد ذلك إنتقلت هذه الطاقة إلى البيروقراطية من ناحية، والتكنولوجيا الحديثة من ناحية ثانية وشخصية صاحب العمل والعامل من ناحية ثالثة(7)، ذلك بخلاف كارل ماركس الذى عين للدين دوراً سلبيا منذ البداية وحتى النهاية.
ونحن إذ تأملنا الأمر فسوف نجد أن النمط الغربى للقطيعة مع منظومة القيم الدينية لا يستقيم مع الدراسات التى تناولت مكانة الدين فى المجتمعات. تأكيدا لذلك أننا نجد أن عالم الإجتماع تالكوت بارسزنز يرى أن الدين يشكل قاعدة للثقافة ومنظومات القيم الأخرى. يضاف ذلك أن دراسة أجريت على عينة من علماء الإجتماع الوظيفيين فى الولايات المتحدة الأمريكية، وصلت إلى نتيجة أن نسبة غالبه منهم كانت تتمنى أن تعمل بمهن رجل الدين(8). وهو ما يعنى أن القيم الدينية تلعب دوراً أساسياً لرؤيتهم لقضايا المجال العام. يضاف إلى ذلك تأكيد فرنسيس فوكوياما فى مؤلفه "نهاية حضارة" بأن هناك عودة إلى التأكيد على القيم الأسرية، والقيم الدينية دعوة إلى العودة إليها. وهو الأمر الذى يعنى تضافر منظومات القيم، بحيث تزود الإنسان بإعتباره العنصر الفاعل بالقدرة أو الآلية التى يتعامل على أساسها مع مختلف مكونات أو موضوعات الموقف الإجتماعى الذى يتفاعل فى إطاره. وهو ما يعنى أيضا رفض التصور الغربى أن ثمة قيم تنسحب بحكم التطور، من تنظيم التفاعل على مسرح الحياة لتأتى منظومة أخرى لتنظيم التفاعل بحسب السياق الإجتماعى الجديد. وإن ما حدث فى التجربة الغربية للتحديث من إستبعاد القيم الدينية بإعتبارها من مكونات الثقافة التقليدية ليس قانونا وجوديا، ولا صيغة عالمية ينبغى أن تتبع. وفى هذا الإطار نتبنى مقوله عالم الأنثروبولوجيا الشهير برنسلاو مالينوفسكى، الذى أكد على أن لكل ثقافة عقلانيتها وأن العقلانية الغربية ليست هى النمط الوحيد فلكل مجتمع أهدافه وغاياته ووسائله فى تحقيق الغايات(9).
بالإضافة إلى ذلك يتصل البعد الثالث للإطار الإجتماعى الأسرى بالقيم الثقافية، وهى القيم التى تتشكل مستندة إلى القيم الدينية من ناحية وإلى التفاعل الإجتماعى المعاش بين البشر من ناحية ثانية. وكذلك القيم التى تتدفق عبر التاريخ من ناحية ثالثة، يضاف إلى ذلك القيم التى تأتى إلى المجتمع من خارجة من ناحية رابعة. حيث تتدفق هذه القيم إلى فضاء المجتمع من خلال آليات كثيرة إبرزها الإعلام وتكنولوجيا المعلومات. بحيث تشكل القيم هذه الصادرة عن جملة المصادر هذه بنية تمتلك قدرا من التجانس والفاعلية. وإذا إستطاعت ثقافة المجتمع إستيعاب وهضم هذه القيم التى إخترقت فضاءها أيا كان مصدرها، فإنها تزداد قوة. أما إذا عجزت عن ذلك فإن تكاثر القيم المخترقة وإتساع مساحة وجودها، يصيب ثقافة المجتمع بالضعف والهزال. وتضم البنية الثقافية للمجتمع ثلاثة منظومات من القيم الوجدانية، وهى القيم التى تربطنا ببعض الموضوعات بشكل عاطفى ومشاعرى يصل إلى حد التقديس أحيانا، ويتدرج حتى الحب والاحترام. موضوعات هذه القيم الله والرسل والصالحين، والأم والوطن وجميعها موضوعات إما أن نرتبط بها إيجابيا فى مقابل موضوعات نقف منها موقفا سلبيا. غير أن الارتباط بموضوعات هذه القيم – سلبيا أم إيجابيا – هو إرتباط وجدانى بالأساس، ينمو مع الإنسان من خلال التنشئة الإجتماعية وتؤكد الثقافة على إستمراره. ذلك فى مقابل مجموعة من القيم الإدراكية وهى القيم المستندة إلى المعرفة الموضوعية. والتى بالاستناد إليها ندرك طبيعة الموضوعات التى نتعامل معها، والتى قد يحلو للبعض تسميتها بالقيم العقلانية أو الرشيدة، ويستوعب الإنسان بعض هذه القيم من خلال الأسرة، وتتسع مساحة تحصيلها من خلال المؤسسات التعليمية، ثم من الإعلام. وهى قيم موضوعية وحيادية – على عكس المنظومة الأولى – نبقى عليها طالما أنها قادرة على إشباع حاجات البشر، ونغيرها إذا ظهرت موضوعات اخرى تحقق الإشباع بمستوى أكثر كفاءة. بالإضافة إلى ذلك تتشكل المنظومة الثالثة من القيم التفضيلية، والتى على أساسها نختار أو نفاضل بين الموضوعات التى نتعرض لها فى مختلف مجالات الحياة اليومية، وفى العادة يتم الإختيار أو المفاضله على مرجعية المنظومات القيمية الثلاث المشكلة لبنية الثقافة، وهى القيم الدينية والقيم الوجدانية ثم القيم الإدراكية إما منفردة او مجتمعه فى حالة من التداخل.
وفى هذا الإطار فإننا إذا تأملنا منظومات القيم التى تنظم التفاعل داخل الإطار الأسرى والتى يستوعبها الإنسان بطبقاتها الدينية والوجدانية والإدراكية والتفضيلية من خلال عملية التنشئة الإجتماعية، فسوف نجدها تتميز بثلاثة خصائص أساسية. الأولى أنها تشكل البوصلة الموجهة للسلوك الإنسانى، فالقيم بطبقاتها المختلفة تشكل مرجعية سلوك الإنسان فى تفاعلة مع الاخرين. بينما تتصل الخاصية الثانية بالقابلية للتراكم المتباين، ففى حين نجد أن القيم الدينية والوجدانية تزدهر فى المجال الأسرى، نجد أن القيم الإدراكية نستوعبها من خلال المؤسسة التعليمية. ويلعب الإعلام – فى حالة سوائه وإلتزامه – دوره فى هذا الصدد، من خلال إنتاج القيم الدينية أو الوجدانية أو الإدراكية. إضافة إلى إنتقائيته الواعية للقيم الوافدة بما لا يتناقض وقيم المجتمع. وتشير الخاصية الثالثة، إلى أنه نظراً لتنوع المواقف التى يعيشها الإنسان على ساحة التفاعل الإجتماعى، فإنه يستفيد عادة من أى من منظومات منظومة القيم، لكى تكون وسيلته فى تحقيق التكيف مع مقتضيات المواقف المحددة. وفى هذا الإطار يصبح نوعاً من العبث بالوجود الإجتماعى للإنسان والمجتمع، أن تسعى بعض وجهات النظر إلى إستيعاب منظومات معينة عن ضبط التفاعل الإجتماعى كالمطالبة بإستبعاد القيم الدينية مثلاً.
وتشكل التنشئة الاجتماعية الساحة التى تلعب عناصر النواه الصلبة فى نطاقها أدوارها. وفى هذا الإطار نجد أن الأسرة تعد أول مؤسسات التنشئة الإجتماعية، وهى المجال الخاص للفرد، تبدأ من نقطة بداية العلاقة الزوجية بين إثنين، ويتسع محيطها حتى نهاية الدائرة القرابية الأوسع. حيث تنتهى عند محيطها نوعية علاقات لتبدأ نوعية علاقات جديدة، وتتداخل علاقات القرابة مع الجيرة، لتشكل علاقات أو بنية المجتمع المحلى Community. إستناداً إلى ذلك تتأسس وحدة وتماسك المجتمع المحلى بالنظر إلى وحدة السياق المكانى والإجتماعى من ناحية، ومن التفاعل الإجتماعى الحادث بين البشر على ساحته من ناحية ثانية. وهو ما يؤدى إلى تبلور الشعور بالنحن من ناحية ثالثة. فى هذا الإطار يتميز المجتمع المحلى بالنظر إلى قيمة الدينية والوجدانية الكثيفة، وأيضا بالنظر إلى قدرته على إنتاج رأس المال الإجتماعى. وهو رأس المال الذى يمكن أن يلعب دوراً محوريا فى الإرتقاء بنوعية حياة البشر وإشباع حاجاتهم الأساسية. فى هذا السياق تشكل المؤسسات التعليمية المتتابعة، الدائرة الثانية للتنشئة الإجتماعية، حيث نجد أن الآداء فى إطار المؤسسات التعليمية كآلية للتنشئة الإجتماعية يستهدف التاكيد على القيم التى غرستها مؤسسة الأسرة، كالقيم الدينية والوجدانية، وذلك من خلال ثلاثة أبعاد. البعد الأول بتوسيع نطاق القيم الدينية والوجدانية، والثانى إضافة مساحات واضحة من القيم الإدراكية، يضاف إلى ذلك البعد الثالث، الذى يتمثل فى تأهيل وتدريب الملتحقين بهذا النظام على تفعيل منظومات القيم، فى إتجاه ضبط التفاعل فى المجال العام. على هذا النحو فإنه من المفترض أن يحافظ التعليم على ثقافة المجتمع بمنظوماتها القيمية، وهى المنظومات التى تشكل نواة المعانى التى تشكلت فى نطاق الأسرة.
ويعد الإعلام المؤسسة الثالثة للتنشئة الإجتماعية، والذى يلعب دوره بالأساس فى تنشئة البشر للتفاعل فى المجال العام. وفى هذا الإطار فنحن أمام ثلاث إحتمالات للآداء الإعلامى، الأول مستبعد وغير محتمل وفى إطاره يضخ الإعلام قيما فى المجال العام، يستوعبها البشر ويتفاعلون على أساسها فى نطاقه، دون أن يسعى إلى التأكيد أو التعامل مع قيم المجال الخاص التى تقع فى نطاق الأسرة والقرابة وربما المجتمع المحلى، لأن التعامل مع قيم المجال الخاص سيتحقق إن سلبا أو إيجابيا من خلال عديد من الأعمال الدرامية. والإحتمال الثانى مطلوب وممكن، حيث ينبغى أن يراعى الإعلام، وهو يؤدى وظيفة التنشئة الإجتماعية، أن يؤكد على ذات القيم المنظمة للحياة الأسرية. والتى أكدتها المؤسسة التعليمية، بحيث يعمل الإعلام ملتزما بإتجاه ترسيخها، وذلك بأن يضيف إلى قيم المجال الخاص ومعانيه الصلبة قيما جديدة تدعمها ولا تتناقض معها. وهو نمط الإعلام الملتزم بإيمان أو حتى بأيديولوجيا، ومن شأن هذا النمط من الإعلام أن يحافظ على هوية الأمة، بمحافظته على معانيها. وفى الاحتمال الثالث يوجد الإعلام غير المرغوب، وهو الإعلام الذى يضخ فى المجال العام قيما تختلف عن القيم التى نشئ عليها الإنسان داخل الإطار الأسرى أو فى مجاله الخاص. فى هذه الحالة نجد أن الإعلام يتسبب فى تأسيس حالة "الأنومى الثقافية" حيث يتعامل الإنسان فى مجاله العام بقيم ليست لها فاعلية، أو أن هذا المجال تدفقت إليه قيم تضر بما إستوعبه فى مجاله الخاص. وفى هذه الحالة فإن الفرد يكون أمام إحتمالين، الأول تبنى هذه القيم كمعايير ضابطه للتفاعل الإجتماعى. وبذلك تتبدد هويته أو أن ينسحب من التفاعل الإجتماعى وتتآكل فاعلية وجودة، وفى النمط أو الإحتمال الثانى يوجد الإعلام المرفوض الذى يضخ قيما تعمل على تشويه قيم المجال الخاص. التى تؤكد منظومته على قيم الطهارة والنقاء والإلتزام الدينى، والإلتزام الأسرى، والبعد عن الإنحراف وتجنب الفساد، فإذا بالإعلام يؤكد على قيم العرى ويمجد الرزيله ويبرر الخيانة. ويتسبب فى الخروج على طبيعة الحياة الأسرية، على هذا النحو فإننا نجد أن الإعلام يعمل على تفتيت النواه الصلبة، التى تشكل محور التنشئة الإجتماعية داخل الأسرة، وإذا أضعف المركز أو تفتت، فإن الجاذبية التى ينتظم بسببها الأفراد حول النواه سوف تضعف، ويتفرق الأفراد بإتجاه الهامش بعيداً عن المركز.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
باحث اجتماعي
عضو زهبي
عضو زهبي


التخصص : علم اجتماع
عدد المساهمات : 1465
نقاط : 2991
تاريخ التسجيل : 01/01/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش    السبت مايو 25, 2013 4:13 am

ثانياً: دور الإعلام فى إضعاف عناصر الإطار الأسرى
لا شك أن للإعلام فى عالمنا المعاصر دوراً حاسماً، وذلك بإعتبار أن بإمكانه أن يؤدى وظائف أساسية لصالح الأسرة والمجتمع. فالإعلام يلعب دورا أساسيا فى تشكيل الكثافة الإجتماعية التى تجعل من الأفراد المبعثرين كتله. وفى ذلك يقول الله تعالى "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبيرا" الحجرات، الأية 13. وهو ما يعنى أن الأفراد المبعثرين لا يشكلون كتلة إجتماعية ذا قيمة وفعل، غير أنه إذا إضيف إليهم الإتصال والتعارف الحادث بينهم. فإن علاقات الاتصال تجمع فى نطاق شبكاتها الأفراد الذين يشكلون فى حالة إتصالهم وتواصلهم، لتشكل منهم كتلة، من الممكن أن يكون لها فعل. يؤكيد ذلك قول كارل ماركس أنه برغم إتساع مساحة الولايات المتحدة والهند، فإن إمتلاك الأولى لوسائل إتصال كثيفه جعلت من الأولى كتلة إجتماعية، بينما لم يتحقق ذلك للثانية لغياب وسائل الإتصال.
وتتمثل الوظيفة الثانية فى أن الإعلام والإتصال لا يشكل من التبعثر كتلة فقط، ولكنه يمنحها الفاعلية كذلك، وذلك حينما يطور الإعلام وعى البشر. وهو الوعى الذى يتحقق نتيجة لإنتقال الأفكار والقيم والتفاعل المشترك بشأنها، بحيث يساعد هذا التفاعل على تشكل وعى مشترك، يحدد أهداف الجماعة أو الكتلة، ثم أساليب تحقيق هذه الأهداف. وفى عصر العولمة لعب الإعلام وظيفة ثالثة تتمثل فى إستكمال بناء الوعى أو بناء الثقافة، وهو ما يساعد فى حالة آدائه الإيجابى على مزيد من إنضاج الوعى، وإستكمال الثقافة ووضعها على حافة الإبداع. يتحقق ذلك حينما يصبح الإعلام نافذة للثقافات العالمية، التى تنتقل عبره لفضائنا الثقافى فتعمل على تقدمه، إذا كان هذا الفضاء فى حالة من العافية الثقافية، أو تدفع إلى إنهياره إذا كان ثقافته تعانى من الضعف وقابلية الإنهيار.
بيد أن الإعلام لا يقوم بهذه الوظائف فى مستوياتها المثالية دوماً، فقد يعمل بإتجاه تفكيك الثقافة، ومن ثم فرض إنهيارها، وذلك حينما لا يعمل الإعلام وفق مرجعية محددة فى حدها الأدنى، أو يعمل وفق مرجعية ليست قومية فى حدها الأقصى. وهى الحالة التى تقع فى غالب إعلامنا العربى، الأمر الذى يجعله عاجزاً عن أن يلعب دوراً تحديثيا للأمة، وذلك يرجع إلى أنه إعلام يعمل وفق مرجعية تتناقض مع مرجعية مجتمعه. تأكيداً لذلك أن منظمة اليونسكو تنبهت إلى أن الإعلام، وبالأخص التلفزة العربية، تستورد نصف ما تبثه من مصادر غربية(10). ويتكامل مع ذلك أن غالبية النصف الباقى وإن كان صناعة عربية ألا أنه يعمل وفق مضامين غربية. مع أن دولة مثل فرنسا لا تسمح فى أعلامها بمضامين أجنبية أكثر من 30% حفاظا على الهوية الفرنسية(11). وإذا كنا قد عرضنا فى الفقرة السابقة لجملة العناصر التى تجعل من الأسرة إطاراً جامعا لأفراده، ومركزاً جاذبا لهم إلى دائرته الضيقة. فإننا سوف نعرض فى هذه الفقرة لكيف يؤدى الإعلام وتكنولوجيا المعلومات دوره فى إضعاف الأسرة كمركز جاذب لأعضائه، الأمر الذى يدفعهم بإتجاه التطاير إلى الهامش بعيداً عن الأسرة كنواه صلبه. وإذا كنا قد أشرنا إلى الأسرة بإعتبارها الإطار العام أو النواة الصلبة التى يشكل الدين والأخلاق قاعدتها وتحدد معايير التفاعل فى إطارها، وأنها – أى الأسرة – تعمل بدورها على تنشئة الأبناء وفق مضامين الأخلاق المستندة إلى الدين والثقافة. فإن محاولتنا إبراز دور الإعلام وتكنولوجيا المعلومات فى تهتك النسيج الأسرى يقودنا إلى تأمل ذلك من خلال أربعة أبعاد أساسية. حيث تحاول تتبع تأثير هذا الدور على بنية الأسرة وعلاقاتها، كذلك تأثير هذا الدور على التنشئة الإجتماعية، إضافة إلى تأثيره على الدين والثقافة، بإعتبارها مصادر لمضامين من التنشئة الإجتماعية.
1- دور الإعلام فى إضعاف الأسرة: من الثابت أن الإعلام وتكنولوجيا المعلومات تأثيرهما على بنية الأسرة، فقد ملك الإعلام على الأسرة أمرها، يتضح ذلك من الوقت الذى تقضيه الأسرة أمام التليفزيون. حيث تؤكد أحدى الدراسات أن 78.6% من الآباء يقضون معظم أوقات فراغهم أمام التليفزيون، وكذلك نسبة 87.4% من الأمهات. ومن الطبيعى أن يكون لذلك تأثير على أعضاء الأسرة. إذ تؤدى مشاهدة المادة الإعلامية التى تعرض لأحداث العنف، إلى تبنى إتجاهات وسلوكيات عدوانية عند الأبناء، كما تفضى إلى إصابتهم بحالة تبلد المشاعر. حيث يصبح الأطفال أقل تعاطفا مع ضحايا العنف(12)، وهو ما يؤدى إلى تطوير نوع من عدم الأحساس أو البلادة الإنفعالية عند الأبناء. بالإضافة إلى ذلك فقد نشر الإعلام وتكنولوجيا المعلومات إحساساً بالعزلة داخل الحياة الأسرية، كما أدى إلى إضعاف التفاعل الإجتماعى بين أعضائها. من ناحية لأن التفاعل يتم عادة بصورة ثنائية بين الإنسان وجهاز الإعلام، أو بين الأطفال أو المراهقين وشبكة المعلومات من خلال جهاز الإنترنت. حيث تجلس الأسرة لتشاهد الجهاز الإعلامى، على هيئة أفراد مع بعضهم يجلسون فى ذات المكان ونفس الزمان، غير انهم لا يشكلون جماعة. لأن الجماعة تقوم عادة على التواصل والإتصال الذى يؤسس من أعضائها كتلة لها هدف مشترك ومصالح مشتركة ووسائل لتحقيق الأهداف. متابعة المادة الإعلامية فردية برغم أنها تتم مع أو وسط آخرين. ونتيجة لهذا التفاعل الصامت بين الإنسان والجهاز الإعلامى تتبلور سيناريوهات داخلية نتجة للتفاعل مع المادة الإعلامية داخل كل فرد عضو فى جماعة الأسرة. وبدلا من أن يتفاعل الإنسان مع من هم خارجه، أى مع الآخرين، يتجه إلى التفاعل مع التكنولجيا ومع ذاته بالأساس.
يضاعف من ذلك إعادة تشكيل أيكلوجيا الحياة الأسرية ذاتها، بحسب متطلبات الإعلام وتكنولوجيا المعلومات بالإتجاه نحو الفردية والغاء الجماعية، التى تؤكد عليها قيم الدين والأخلاق. مثال على ذلك أنه فى العائلة أو الأسرة القديمة كانت هناك "حجرة المسافرين" "وحجرة المعيشة"، الأولى معدة لإستقبال الآخرين من المعارف أو من الدائرة القرابية الأوسع. الذين يفدون إلى الأسرة، يتزاورون ويدعمون عواطفهم وعلاقاتهم العائلية والقرابية، حيث لم يعد لهذه الحجرة وجود، لحاجة الأبناء لمزيد من الغرف. كذلك حجرة المعيشة التى كانت تجمع الأسرة لساعات فى مشاهدة التليفزيون، حتى ولو فى ظل حالة من الأنعزال الفردى عن الجماعية الأسرية، حيث الغيت هذه الحجرة لكى تصبح من نصيب أحد الأبناء. يعيش أبناء الطبقة المتوسطة إذا أعتبرناها مقياسا، وكذلك أبناء الطبقة العليا، فى عزلة ومنفردين كل منهم له حجرته، له جهاز التليفزيون الخاص به، وربما جهاز الكومبيوتر. يغلق كل أبن من الأبناء حجرته على نفسه التى يتعامل فيها مع جهازه بمفرده. فى هذه الحالة تظهر ظواهر سلبية عديدة، أول هذه الظواهر تآكل الحياة الجماعية للأسرة، فلكل زمانه الخاص، حتى تناول الطعام لم يعد جماعيا. يقدم للأبن فى حجرته، أو يتناوله حينما ينتهى من متابعة برنامج معين، فقد ضاعت جماعية الأسرة لصالح نمو فردية فرضها الإعلام وتكنولوجيا المعلومات. وتقع الظاهرة الثانية فى متابعة الأبناء - الأطفال والمراهقين - الإطلاع على المعلومات والصور الأباحية التى لا تتناسب مع نموهم العضوى والعقلى والعاطفى(13). بحيث يؤدى ذلك إلى أن يصبح كل فرد فى الأسرة له عالمه الخاص، الذى تؤسسه لدية المادة المتدفقة من الإعلام أو تكنولوجيا الإعلام. فى مقابل ذلك تضيع الفضائل الأسرية، وتتآكل قدرة الأباء على متابعة ورقابة الأبناء، كما تتآكل قدراتهم على تنشئتهم، كما تتآكل قدرة الأسرة على تأمل مشكلاتها سويا أو جماعيا. لم يعد هناك الأب الذى يتحدث مع أبنائه يتحدث معهم فى مشكلاتهم وإهتماماتهم أو حتى فى قضايا عامة، كما لم يعد هناك الأب الذى يؤم أبناءه فى أوقات الصلاة يرسخ لديهم المعانى الدينية كما يؤكد بينهم العواطف الجماعية. ولم تعد هناك الاسرة التى تجتمع حميميا على طاولى الغذاء أو العشاء، تؤكد على القيم وتغرس المعايير، لقد أصبح كل شخص يعيش فى ذاته ليس به حاجة إلى دعم الآخر، لقد تآكلت الثقة وتآكلت الحميمية وكذلك تآكلت الفضائل.
ينزع الإعلام وتكنولوجيا المعلومات الأسرة عن واقعها سياقها الإجتماعى، ليسحبها فى إتجاه واقع متخيل قد ينسجه أعضاؤها بخيالهم، وقد تشارك فيه لأن له وجود. حينما يشاهد فى الإعلام المرأة الجميلة أو الراقصة الرشيقة التى تتلوى فى أنثوية، أو حينما يتبدى الزوج وسيما وأنيقا ويمتلك تقاليد التفاعل الرفيعة المستوى، أو حينما يتزوج المدير سكرتيرته الجميلة فإن الأزواج المشاهدين يطورون فى خيالاتهم سيناريوهات مماثلة وكامنة. فى إطارها يدين كل منهم واقعة، وبعد الإدانه تكون مساحة الإنفصال عن حياة الواقع وحياة الأسرة، ويطور الخيال ثقافة فى هذا الإتجاه، بخاصة إذا كانت قيم الدين والأخلاق تعانى حالة من الضعف والوهن. وقد لا يتأسس الواقع الخيالى بعقل المشاهدة فقط، بل يتحقق أيضا بفعل العضوية فى المجتمع الإفتراضى. حيث يمكن لإنسان أن يحيا حياة كاملة وممتعة فى نطاق هذا العالم، إذا أراد أن يمتلك سلعة فليس من الضرورى أن يبحث عنها فى الأسواق، فمن السهل بالنسبة له أن يبحث عنها فى أسواق المجتمع الإفتراضى من خلال شبكة المعلومات. إذا رغب فى صديق أو صديقة، يتفاعلا معا على إنفراد وبلا قيود، أو قيم تشعر الضمير بالألم، فليفتح مواقع المحادثة مع الآخرين. ولأن أى منهم لا يعرف الآخر، فإن مساحة الإنفتاح تصبح واسعة، تبدأ من المحادثة حول مضامين عاقلة ومتنوعة، وتتعدد وتتسع حتى الدخول فى منطقة الجنس والانحراف. فى هذه الأثناء يرفض المشاهد أو المشارك عالمة الواقع المتخم بالمشكلات التى تشوه لحظات المتعة فى إطاره، لينتقل إلى عالم المتعة فيه كاملة وواسعة المساحة. والأكثر إضرار وسلبية حينما يسعى البعض لتجسيد إنحرافات وتشوهات العالم الإفتراضى فى نطاق العالم الواقعى، لحظتها يكون الإعلام السلبى قد إستطاع تشوية تفاعلات واقعة، وتمزيق علاقاته إربا.
بالإضافة إلى ذلك يخاطب الإعلام وتكنولوجيا المعلومات أعضاء الأسرة منفردين دافعا إياهم بعيداً عن الفضيلة بإتجاه الغواية والانحراف. ويختار لذلك فئات ثلاثة ، علاقات إتصالها بالمجتمع ضعيفة. المرأة والشباب والطفولة، المرأة لأن الثقافة العربية وليست الإسلامية ضنت عليها بحقوقها، وبالغت ففرضت تدنى مكانتها وأدوارها، كما فرضت حشمة لا يبررها الدين تقتل إنثوتها. ومن خلال التراث الغربى الذى ينتقل إلينا من خلال الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، يتم إبراز المرأة الغربية هى الأكثر سواءاً، بحكم تكوينها العاطفى إلى متابعة الجديد خاصة فيما يتعلق بالتزين، لأن فى ذلك إبراز لمفاتنها الإنثوية. تأكيدأ لذلك أن نسبة عالية من السلع المعلن عنها هدفها إبراز أنثوية المرأة، وطغيان هذه الإنثوية لتعيد تشكيل المرأة ذاتها وإختزالها فى حدود إنثويتها، فى هذا الإطار ينقل الإعلام المضامين والإعلانات من هذا النمط لتملأ فضاء المجتمع، حتى تزدهر هذه الأنثوية على تربته(14).
فى هذا الإطار تنقل إلينا الفضائيات وتكنولوجيا المعلومات النسيج المنهار للحضارة الغربية مجملا، حيث تختزل المرأة إلى جنس ردئ يتلوى على الشاشة الصغيرة، فى نوع من إستنفار الغرائز ومدخلا لتوسيع مساحة الجنس الحرام. بالإضافة إلى ذلك يلعب الإعلان دور بارز فى هذا الصدد، حينما ينقل إلينا نمط المتاجرة بجسد المرأة. فكلما كان الإعلان مشبعاً بعض الإيماءات الأنثوية، كلما كان ذلك شاهدا على كفاءته وأيضا على قدرته على الإختراق لوضع السلعة فى عمق إمكانية الشراء. ذلك بالإضافة إلى أن الإعلان ذاته ينقل مضامين حضارية تتناقض مع مرجعية حضارتنا، وقد تفرض بصورة ناعمة تآكل مضامينها الإجتماعية والأخلاقية والدينية على السواء(15).
الشباب هم الشريحة الثانية التى يستخدمها الإعلام وتكنلوجيا المعلومات، وهم النافذة التى يمكن من خلالها إختراق الأسرة، لأن الشباب هم الشريحة الأقل إرتباطا بثقافة مجتمعهم. فما زالت القيم والمعانى والمعايير لم تترسخ فى ذواتهم، ومن ثم فهم الأكثر إستعداداً من بين كل الفئات الإجتماعية لتقبل الجديد والسعى شوقا إليه. فهم مفتحون على الجديد وإلى الخارج وإلى المستقبل، يتصرفون بإيجابية مع كل ما يأتى من الخارج ويشبع حاجاتهم. إبتداء من الملبس غير التقليدى، والمأكل الإنفرادى أو الجماعى مع الرفاق فى محلات الطعام العالمية، وحتى نمط تأسيس العلاقات الإجتماعية مع الآخرين. يقبل الشباب الجديد الذى يبشر به الإعلام وتكنولوجيا الإعلام لإعتقاده أنه يشبع احتياجاته، قد يرفضه البعض بعد أن يتعرفوا عليه. غير أن الغالبية قد توافق عليه وتقبله وتعمل وفق مضامينة، خاصة إذا كانت مؤسسات الأسرة ضعيفة وعاجزة عن مواجهة هذه المضامين الوافدة، أو لم تعد العدة للتعامل معها(16).
وتعد الطفولة هى المدخل الثالث لتأثير الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، وهى الشريحة الأكثر قابلية لفصلها عن حياتها الأسرية والإجتماعية، ذلك يرجع إلى أن الطفولة هى الأقل إرتباطا بثقافة المجتمع. ومن ثم يصبح من السهل إعادة تنشئتها بواسطة برامج الفضائيات، وربما وفق قيم غير قيم مجتمعها، لتصبح منفصلة عن مجتمعاتها ومن الجذور، فعقولهن ما زالت صفحة بيضاء يمكن بالإحتيال الفنى والأحتراف الإعلامى ملؤها بمضامين غربية وغربية إلى مجتمعاتها. وإذا كنا قد أشرنا إلى العطب الذى أصاب التقاعل والعلاقات الأسرية، وإلى الفردية التى أصبحت المعيار البارز والفعال فى الفضاء الأسرى، فإنه من الطبيعى أن يضيق الوقت لتنشئة الطفولة وفق قيم المجتمع وإستبدال ذلك بقيم غربية. تأكيداً لذلك تأسيس أفلام الكارتون لشخصيات وهمية كالمرأة الحديدية" و"الرجل الأخضر" و"الرجل الخارق" لتصبح هى النماذج والقدوة. ولتحل فى قناعة الطفل وعقلة محل الشخصيات الوطنية او القومية أو الدينية، التى ينبغى أن تكون حياتها وسلوكها قدوة له. ومن شأن ذلك أن يفصل الطفل عن واقعه وشخوصة، ويربطه بواقع خيالى وشخوص خيالية، يعد الإرتباط بعا مؤشراً على إنفصالة عن واقعة، وضعف إنتمائه، ومقدمة لضياع هويته.
ويزداد الطين بله حينما تتحول المضامين الإعلامية إلى مخدر يصرف المواطن عن الإهتمام الجاد بقضايا مجتمعه. وإلى جانب أن متابعة الصور هو إبعاد للإنسان عن التأمل والركون إلى الكسل والإسترخاء على نحو ما أشرت. فإن شغل وقت غالبية إفراد المجتمع بمتابعة سيل متدفق من المسلسلات، من قنوات خاصة وحكومية ومستقلة، محلية وقومية وأجنبية، يجعل زمان الإنسان فريسه لها. يتعود بمشاهدته لها حيث المتابعة الكسولة، كما تقتل فيه القدرة على التأمل والتفكير فى قضايا واقعه التى تسبب له بؤساً. فى هذا الإطار يتساوى هروب الإنسان من مشكلاته الواقعية بتعاطى المخدرات التى تؤسس له عالما بلا مشكلات، مع نسيان الإنسان لمشكلات واقعة بالإدمان فى مشاهدة المسلسلات. هل يعقل أن يعانى مجتمع من غياب رغيف الخبز وصعوبة الحصول عليه، ولا يرفض أو يتمرد؟ هل يعقل أن يواجه البشر العنت للحصول على الحد الأدنى الذى يشبع إحتياجاتهم، ومع ذلك لديهم شعور بالرضا؟ هل يعقل أن يواجه البشر عنتا يوميا فى البحث عن مقعد فى وسيلة مواصلات للوصول إلى العمل ولا يصيبه الغضب... المشكلات نعيشها وتسبب لنا توتراً، وبديلاً من البحث المبدع عن حلول للمشكلات، أو المطالبة المحتجه بضرورة توفير ما يشبع الحاجات، فإن الإعلام يحلها بعرض فى نهاية اليوم المتخم بالمعاناه مسلسلات نتماها مع شخصياتها، تعمل على تفريغ تواتراتنا، لنبدأ فى أعقاب المشاهدة المعاناة من جديد معاناة سيسيف فى أسطورته الشهيرة. وإذا كان ماركس قد أشار – عن خطأ – إلى أن الدين أفيون الشعوب، فعلينا أن نؤكد الآن عن صدق بأن الإعلام أفيون مخدر للشعوب.
2- دور الإعلام فى إضعاف الدين: إذا كان من المؤكد نظريا أنه من الضرورى أن يكون لكل مجتمع مرجعيته، التى تتضمن منظومات القيم التى توجه سلوكيات البشر فى مختلف المجالات الإجتماعية على ساحته. هذه المرجعية تحتوى على إيمان المجتمع سواء كان إيمانا دينيا أو أيديولوجيا. وما دامت مجتمعاتنا ما زالت بنيتها الدينية قوية، لم تتركها بإتجاه أيديولوجيات علمانية. فإنه من المفترض أن يعمل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، على تأكيد المرجعية الدينية للمجتمع، ففى ذلك تدعيم لقوة المجتمع وعافيته. غير أننا إذا تأملنا الآداء الإعلامى فى مجتمعاتنا، فسوف نجد أنه يلعب دوراً تبديدياً للدين، ولذلك مظاهر عديدة. وتتمثل الجبهة الأولى فى الهجوم على الدين، فى العمل بإتجاه تأسيس حالة من الفوضى الدينية، التى يمكن أن تسلم إلى تأسيس حالة من الفراغ الدينى. التى تجسدها ظاهرة الإفتاء المتعدد أو المتنوع، حيث برزت هذه الظاهرة السلبية، أخيراً بقدر من الإتساع على الساحة العربية. ومن الطبيعى أن تلعب دوراً أساسياً فى تشويه القناعات الدينية للبشر، وتضعف إرتباطهم بعقائدهم، لكونها عقائد أصابها التميع وعدم وضوح الحدود. فى هذا الإطار نلاحظ كثافة فى أنماط الفتاوى الدينية التى تبثها الفضاءات العربية والعالمية على السواء. بعضها يتحرك بالدين إلى حد التداخل مع السحر، بينما البعض الآخر حرفى متشدد إلى حد الخروج عن نطاق سماحة الدين ويسره. فى حين نجد أن البعض الثالث تأويلى مرن يؤدى فى النهاية إلى الإضرار بالمعتقدات الدينية الصحيحة. ومن المنطقى أن تنشر هذه التفسيرات والفتاوى الدينية المتضاربة حالة من الفوضى الدينية عند مشاهديها ومتابعيها، الأمر الذى يضعف قداسة الدين فى النفوس، ويدفع البشر تدريجيا بإتجاه الخروج عن حدوده(17).
وتتصل الظاهرة الثانية فى أن الإعلام يلعب دوراً محورياً فى توسيع مساحة الغريزة فى حياة الإنسان. وإذا كان عالم الإجتماع العربى عبد الرحمن بن خلدون فى نظريته عن الخلق التى وردت فى مقدمة، والتى وضع فيها الإنسان فى طبقة وسط بين الحيوان كطبقة إسفل وبين الملائكة كطبقة أعلى، ورأى أن الإنسان على هذا النحو يتشكل فى بعد منه من الغريزة التى يشترك فيها مع الحيوان، الذى يتفوق على الإنسان بإمتلاكه تنظيما تلقائيا لها. غير أن الإنسان فى بعده الآخر يمتلك العقل، الذى أصابه الصفاء فإنه يقترب من النورانية الملائكية(18). فإن ذلك يعنى إحتواء بنية الإنسان على مكونين متناقضين الغريزة والعقل، وإستناداً إلى ذلك فإن توسيع نطاق الغريزة فى حياة الإنسان، وهو ما يساعد علية الإعلام. يؤدى إلى إختزال مساحة العقل، وإختزال العقل يقلص إرتباطه بالمثل وأبرزها المثل والقيم الدينية. يؤكد ذلك نصيحة قدمها منذ عشر سنوات بنيامين نتيناهو رئيس الوزراء الإسرائيلى المنتظر للإدارة الأمريكية فى صراعها مع إيران. حينما طلب منهم تقوية إرسال قناة "فوكس" الأمريكية التى تضخ أفلام الجنس لتوسع مساحة الغريزة فى حياة الشباب الإيرانى فتبعدهم عن إيمانهم الإستشهادى الشيعى(19).
ويعد العبث الإعلامي بالرموز الدينية أحد مظاهر العبث بالدين ومحاولة لتضييعه. وإذا كان الإعلام العالمى هو الذى يصدر عنه هذا العبث، فإن إنتقاله إلى جمهورنا العربى من خلال بعض رسائل الإعلام، يعد خطيئة. وفى عموم الأحوال، فإن هذا العبث بالرموز الدينية من شأنه أن يضعف الإرتباط بالدين والتدين عموما(20). ويرتبط بذلك أن الإعلام يلعب دوراً اساسياً فى ضرب المعتقدات الدينية ذاتها فى معقل، يقع ذلك حينما تتابع على شبكة المعلومات الدولية مواقع تعمل على تشويه الدين. حتى نال التشويه كلام الله، إضافة إلى مواقع تنشر فتاوى مضلله ومحرفة، كذلك مواقع باسماء إسلامية لفرق إسلامية منحرفة تؤكد على عقائد باطلة وبعيدة عن الدين. إلى جانب مواقع تتضمن أخباراً ومنشورات ومعلومات ضد علماء الإسلام(21). يضاف إلى ذلك هجوم مباشر على بعض الجوانب التى أكدت عليها المقاصد الشرعية للدين. فى هذا الإطار فإنه إذا كانت مقاصد الشرع الخمسة هى حفظ الدين وحفظ النفس والعقل والنسل والمال. فإن تشويه الدين بتشويه رموزه وتحريف مضامينه، وطرح مضامين خاطئه ومحرفة، لجماعات تدعى أنها دينية، يعد إعتداء من الإعلام على حرمة الدين. وحينما يتعمد الإعلام عرض مشاهد القتل والتعذيب وإراقة الدماء بسهولة وبأقل قدر من الإستنكار، فإن ذلك يجعل الإنسان أقل تعطفا مع الضحايا، فإن ذلك يعد إعتداء على حرمة النفس وحرمة الدم. كما أن استمرار عرض أساليب الإحتيال والنصب والسرقات فى البرامج والمسلسلات، وإهدار المال العام التى تبثها وسائل الإعلام من شأنه أن يشكل تهديد للأحكام المتعلقة بحرمة المال. كما أن إستعراض التهاون بشأن العلاقة بين الجنسين وإستباحة الزنا والخيانات الزوجية وتقديم الصور والمشاهد الجنسية للمخلوق الذى كرمة الله على كل المخلوقات بالعقل والدين، يعد إنتهاكا لحرمة النسل كما هو إنتهاك لحرمة العقل(22).
قد يذهب قائل أمام هذا العبث الإعلامى بالدين، أن ذلك صادر عن الفضائيات وتكنولوجيا المعلومات الأجنبية، التى لا سيطره لنا عليها. غير أن الرد على ذلك يذهب إلى أن بإستطاعة إعلامنا أن يؤسس درعاً أخلاقيا يطوره فى نفوس أبنائنا، بحيث يتشكل هذا الدرع من منظومات قيمية تتسرب إلى ذاته. لتؤسس بداخله - إضافة إلى التدين الكامن بداخله من مصادر اخرى، إلى جانب أن الفطرة السليمة تأنف ذلك – درع معنوى وأخلاقى قوى وفعال، يلعب دوره المحورى فى التأكيد، على قيم التطهر والنقاء، على قيم التقشف وحب العقيدة، قيم الإبتعاد عن المناطق الحرام، التى تهدد بسقوط الإنسان. بحيث يصبح هذا الإهتمام بتشكيل الدرع الأخلاقى والدينى شاهدا على التزام الإعلام بمرجعية المجتمع، وتأكيده الإيجابى على نواته الصلبة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
باحث اجتماعي
عضو زهبي
عضو زهبي


التخصص : علم اجتماع
عدد المساهمات : 1465
نقاط : 2991
تاريخ التسجيل : 01/01/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش    السبت مايو 25, 2013 4:13 am

3- تشويه الثقافة القومية: شكلت الثقافة القومية أحدى الجبهات، التى إتجهت إليها ضربات الإعلام وتكنولوجيا المعلومات فى محاولة النيل من مركزية الأسرة بالنسبة للطفل. ويعد إضعاف الهوية أحد النتائج الأساسية لآداء الإعلام على أطفال الأسرة، وهو الإضعاف الذى يتحقق إذا نحن أضعفنا العناصر الثقافية للهوية. وتشكل اللغة أول مداخل الإضعاف، سواء بسبب إستخدام اللغات الأجنبية فى وسائل الإتصال على حساب اللغة العربية، أو بتسريب بعض الألفاظ إلى لغاتنا لتعمل على تفكيكها وإفقادها لتماسكها. ويتكامل مع ذلك نشر بعض السمات أو الأنماط الثقافية الغريبة على مرجعيتنا الثقافية والأخلاقية، بإغراء إعلامى وإعلانى حتى يتبناها الشباب. من ذلك العلاقة بين الشباب من الجنسين فى "مقاهى الشيشة" و"النوادى"، حيث يعد نشرها سمة ثقافية، تتناقض مع مرجعيتنا الدينية والأخلاقية على السواء. يضاف إلى ذلك الأكلات السريعة التى يتناولها الأبناء خارج الأسرة، جميعها عناصر ثقافية فرضها الإعلام علينا، كعناصر ثقافة من المؤكد أنها سوف تعمل على تفكيك ثقافتنا(23) وتفكيك أسرتنا كذلك.
إلى جانب ذلك يعمل الإعلام على إستبدال ثقافة الكلمة بثقافة الصورة، بحيث تصبح الصور هى آلية التخاطب أو التفاعل اليومى. ثقافة الصورة لا تعرف الحدود القومية وتخلع الإنسان من إنتمائه وحتى من جذورة. ثقافة الصورة عابرة للحدود بينما تعى ثقافة الكلمة الحدود جيداً. فى نطاق الأسرة نجد أن الأطفال يدمنون الصور، التى تتدفق إلى ساحتهم من خلال الإعلام والأعلان لأنها ليست كثقافة الكلمة يحتاج إلى إدراك مضامينها إلى جهد. فثقافة الصورة لا تحتاج إلا إلى جهد المتابعة، الجلوس إلى إريكة مريحة، لمتابعة الصور التى تخاطب الغرائز تارة، أو تعيد تشكيل العقل تارة أخرى، أو تستنفر العواطف من أجل متابعة أوضاع مأساوية مفروضة على البشر تارة ثالثة(24).
ثقافة الصورة ترفض التأمل، كما ترفض أعمال العقل، فهى ثقافة نتلقاها كما هى، ونستوعبها دون أن نشكل رد فعل لها. وذلك يرجع إلى أنها ثقافة سريعة التتابع، تفرض متابعة الحواس فقط، دون إهتمام بإعمال العقل. ثقافة الصورة ثقافة واثقة من نفسها، ليست فى حاجة إلى النقد أو التصحيح أو تعديل الآخر، تفرض علينا أن ندركها كما هى. ثقافة الصورة تستنفر فى الإنسان مكامن اللذة، وأحيانا الغرائز المتصلة برواسب عميقة فى قاع الإنسان. فى لحظة يتابع الصور والأحداث التى تجسدها، فى حالة من الإسترخاء الذى يرسخ كسل العقل، حيث يصبح التأمل جهد شاق والأفضل أن نستمتع بالمتابعة. على هذا النحو تقتل الصورة العقل الإنسانى أو على الأقل تعيد تشكيل الإنسان، ليصبح إنسان ذو بعد واحد على ما يذهب الفيلسوف "هربرت ماركيوز" بعد أن خلقه الله ببعدين(25). فى هذا الإطار أكدت دراسات عديدة على أن ثمة علاقة بين عدم التعرض المكثف لفاعلية الإعلام، وبين إنخفاض التفوق الدراسى، وتعد دراسة "هلدت هيماونت" "التليفزيون والطفل" من الدراسات الجادة التى أجريت حتى اليوم حول تأثير التليفزيون على الطفل. حيث أجرى البحث على عينة بلغت 927 من الأطفال البريطانيين، الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة من العمر. وقد تناولت الدراسة قضايا متعددة من جوانب متنوعة حول العلاقة بين الطفل والتليفزيون. ومن النتائج التى توصلت إليها هذه الدراسة أن الأطفال الذين لا يشاهدون التليفزيون يتقدمون على الأطفال المشاهدين فى مستوى الآداء المدرسى. كما أن أكثرية الأطفال لا يشاهدون التليفزيون مع ذويهم، بحيث أوضحت الدراسة ضعف مراقبة الآباء وتوجيههم فيما يتعلق بمشاهدة اطفالهم لبرامج التليفزيون(26).
وفى يناير 1995 أجريت تجربة فى ولاية "كيناتكت" حيث مول مجلس مكتبة "مارمينجين" العامة وهيئة التعليم بالبلدة حملة لإغلاق التليفزيون لمدة شهر. ومع أن الإستجابة كانت متفاوتة وليست كبيرة، إلا أن عدداً كبير من المدرسين لاحظوا التغيرات الإيجابية، التى طرأت على الطلاب المستجبين. فقد زاد إنتباهم وقل الإرهاق، وتحسن مستوى تحصيلهم. وفى هذا الإطار تقول احدى الطالبات "لقد قرأت فى هذا الشهر مزيداً من الكتب، ومارست كثيراً من الألعاب، ووجدت وقتا كافيا لترتيب غرفتى". وإستناداً إلى ذلك يطالب الخبير التربوى "هارفى ديوتيل" بضرورة إغلاق التليفزيون من اجل القراءة، ومن أجل الحفاظ على حياة الأسرة حية ومتفاعل، ومن اجل الحفاظ أيضا على طاقة الإبداع(27). وإرتباطا بذلك من الطبيعى أن نلاحظ فى مجتمعاتنا أن تردى الآداء التعليمى لطلابنا فى مختلف المراحل التعليمية. وهو التردى الذى تعوضه الأسرة للحفاظ على أبنائها من خلال آلية الدروس الخصوصية، التى أفسدت العملية التعليمية، وأفسدت مبدأ عدالة توزيع الفرص فى المجتمع، كما أثرت على ميزانيات الأسرة تأثيراً سلبيا ومرهقا.
بالإضافة إلى ذلك فقد لعب الإعلام والإعلان دوراً أساسياً فى نشر ثقافة الإستهلاك فى حياتنا. فالتجول والإمتزاج بالأسواق والإرتباط بالسلع أصبح مركبا عضويا له ثقافته، فشراء السلع لم يعد لتحقيق إشباع الحاجات الشراء فى حد ذاته أصبح إشباع لحاجة المتابعة والإرتباط بالأسواق. الشراء أصبح سلوكا إجتماعيا، يستهلك المال والوقت والطاقة لتحقيق الأحساس بمتعة الإمتلاك، حتى لو كانت المتعة للحظات، فإذا تحققت متعة إمتلاك سلعة فلنبحث عن متعه شراء جديد. وفى إطار ذلك يلاحق الإنسان السلع المنتجة ويلاحق الزمن، يهرب دائما من سلع الحاضر إلى سلع المستقبل إستبعاداً للسأم والملل. وإذا كان المؤمن الشيعى يتحرق شوقا – إستناداً إلى معتقداته الإيمانية – إلى ظهور الإمام الغائب الذى سوف يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جوراً. وإذا كان إنسان "صمويل بيكيت" يعانى من حاضرة ويتحرق شوقا إلى "الحودو" الذى سوف يأتى معه بالأمل والتفاؤل، فإن إنسان الإعلام وتكنولوجيا المعلومات يتجول طيلة يومه فى الأسواق باحثا عن سلع تحقق متعه الإمتلاك أكثر من رضا الإشباع(28).
فى هذا الإطار لعب الإعلام وتكنولوجيا المعلومات دوراً حاسماً فى الترويج لسلع الإستهلاك، تقدمت مغارزه لتفتح أسواق العالم على مصراعيها. فقد ساعدت على نشر التعريف بالمطاعم الأمريكية والمشروبات والسجائر وغيرها من جوانب ثقافة الإستهلاك، التى إرتبطت رموزها بصور ومعانى التفوق والرفاهية والمتعة. فى هذا الإطار لعب الإعلان دوراً بالغ الأهمية فى نشر ثقافة الإستهلاك وإعلاء قيم الفردية والبحث عن المتعة من خلال الإستهلاك. وقد نجح الإعلان المعتمد على قوة ونفوذ الإعلام المعولم فى الوصول إلى غالبية سكان المعمورة من مختلف الطبقات والثقافات. حيث أصبحت السلع الإستهلاكية وإسماء وعلامات الشركات، جزءاً من الثقافة المتداولة بين البشر برغم إختلاف اللغات والثقافات. فقد فرض الإعلان نوعاً من الهيمنة على الأسواق العالمية، وعلى المستهلكين من خلال توحيد وتنميط الأذواق، وأسس إجماع زائف على يتعلق بإستهلاك السلع والخدمات التى قد لا يكون الفرد أو المجتمع فى حاجة إليها، لأنها لا تتفق مع أوضاع معيشته وطموحاته، ولا هى مضمنة فى أولويات مجتمعه. بالإضافة إلى ذلك فقد أدت ثقافة الإستهلاك وبريق الإعلانات، إلى تسليع القيم والأفكار والمعانى والمشاعر، من خلال الإحتفاء المبالغ بأهمية الرموز والعلاقات المادية. إضافة إلى تأسيس نوع من الإرتهان الزائف بين الحصول على سلعة او إستهلاك سلعة أو خدمة وبين تحقيق السعادة أو الحرية أو الحصول على المتعة المؤقتة. ومن الطبيعى أن يؤدى ذلك إلى توليد مصادر ضغط وإرهاق على الأسر، الميسورة والفقيرة على السواء. وإذا كانت ثقافة الإستهلاك تدفع إلى سلوكيات الإستهلاك بلا نهاية، فإن ذلك يعنى إستمرار إرهاق الأسر وإثقال كاهل الأبوين ماديا ومعنويا بلا نهاية كذلك(29). الأمر الذى يفرض تراكم الضغوط والتوترات فى الفضاء العالمى يتساقط إلى الفضاء الأسرى، وعند لحظة معينة لا تتحمل بنية الأسرة هذا الكم الهائل من التوترات المفروضة عليها. فتنفجر من الداخل، وهو الإنفجار الذى قد يتخذ شكل تفكك الأسرة وحتى الطلاق، أو يتخذ شكل العلاقات السلبية بين الآباء والأبناء. أو قد يضر بقيم الدين والأخلاق حينما يشبع الأبناء النزعة إلى الإستهلاك من مصادر خارج الأسرة، لقاء ثمن أو تفريط، بوعى من الآباء أو بغير وعى.
بالإضافة إلى ذلك يلعب الإعلام والإعلان وتكنولوجيا المعلومات دوراً محوريا فى نشر ثقافة الجنس والمخدرات. إرتباطا بذلك ينحدر الإعلام أحيانا ليعمل فى إتجاه نشر ثقافة مادية بلا مثل، ثقافة تتسلل إلى داخل البشر من خلال الجنس الذى أبدعت هذه التكنولوجيا الناعمة، فى أخراجه وتحريره من قيود الدين والأخلاق والقيم. الجنس الذى يجده الإنسان فى كل مكان ومن كل إتجاه. اللذه السريعة المسطحة غير العميقة والتى لا تمتلك أى عمق أو إتساع. جنس التسارع واللحظة الخاطفة. جنس يفتقد الدوام، ويفتقد الخبرة أو التجربة التى تطلب تفاعل المشارك فيه، جنس الإعلام أو شرائط الفيديو والفيدوكليب والإنترنت. يراه الإنسان من حوله ويسعد به، غير انه يحتاج إلى الجديد بمجرد الفراغ منه، جنس يترك الغرائز غير مشبعة، وفى حالة من الجوع الدائم. تتدفق ثقافة الجنس لتتضافر مع ثقافة المخدرات، ليؤسسا معا فضاءاً يسبح فيه الإنسان بلا قيود، وفى كل إتجاه، فى نطاق عالم مخدر بلا مشكلات وبلا تحريمات دين أو قيود أخلاق، حيث كل شئ متوفر ومباح(30). وإذا كان الجنس يقهر الإنسان من خلال إطلاق عقال غرائزه، فإن المخدرات تسيطر عليه من خلال تبديد عقله.
4- دور الإعلام فى إفساد التنشئة الإجتماعية: التنشئة الإجتماعية فى الأسرة هى الأخرى أصابها العطب بسبب آداء الإعلام وفاعليته، ونحن إذا تأملنا حالة التنشئة فى مجتماتنا، بخاصة السياقات الحضرية فسوف نجد أن آداء التنشئة الإجتماعية للطفل أصبح ضعيفا لأسباب عديده، منها ضعف مؤسسة الأسرة ولأن عملية التنشئة الإجتماعية أصبح الإعلام يقوم بنصيب كبير منها فى عالمنا المعاصر. مؤشراً ذلك تأكيد إحدى الدراسات على أن أطفال ما قبل المدرسة فى الولايات المتحدة الأمريكية – حيث مجتمع يتمتع بدرجة عالية من الرشد – يقضون خمس ساعات يوميا أمام جهاز التليفزيون. وبرغم عدم وجود إحصاءات مماثلة، إلا أن الدلائل تشير إلى أن الأطفال العرب لا يختلفون كثيراً عن الأطفال الأمركيين، من حيث ساعات المشاهدة.
خاصة إننا عندنا نحو واحد وخمسين قناة فضائية، الأمر الذى يعنى أن مساحة تنشئة الأسرة للطفل تنكمش بإستمرار لصالح الآداء الإعلامى. وهو الأمر الذى يعنى أن الإعلام أصبح يقوم بالدور المحورى فى عملية التنشئة الإجتماعية، لكونه قد بدأ يقدم نفسه بديلا وله محدودا عن الأسرة. بالإضافة إلى ذلك فإن دور الإعلام فى التنشئة الإجتماعية يكون أقوى، لكونه يؤدى عملية التنشئة بصورة غير مباشرة، ومغلفة بالصور والمشاعر الدرامية، الأمر الذى يجعلها تتسرب إلى الذات مقارنة بالتنشئة التى تقوم بها الأسرة. وقد يتزايد الخلل فى التنشئة الإجتماعية حينما يقدم الإعـلام مضامين تختلف أو تتناقض مع المضامين الأسرية. ولأن التنشئة التى يقوم بـها الإعلام تكون مصحوبة عادة بمتعة المشاهدة فإنها تكون الأقوى من حيث الجاذبية والأقدر من حيث إعادة تشكيل قيم الطفولة.
بالإضافة إلى ذلك يعمل الإعلام على تقديم ما يمكن أن يسمى بالتنشئة المتناقضة والمتعددة، وذلك يرجع لتعدد أدوات ووسائل الإعلام، إعلام أجنبى فى مقابل أعلام عربى، وإعلام قطرى متنوع داخل الإطار القومى. وفى الإطار الوطنى هناك إعلام الدولة والإعلام الخاص، كذلك الإعلام الدينى بتنوعاته، وكذلك الإعلام المتحرر بتنوعاته. وجميع هذه الفضائيات تقدم مضامين قيمية للتنشئة الإجتماعية، ومن المؤكد أن هذه المضامين لن تكون متطابقة، لإنها من ناحية لا تعبر عن توجهات أيديولوجية وميول، ولأنها من ناحية ثانية تفتقد مرجعية القيم والفضائل أو الأيديولوجيا التى تنطلق منها. الأمر الذى يعنى أنها تقدم كل أطياف المضامين والقيم، كما أنها تتضمن تناقضات عادة بين المضامين. وهو ما يشيع حالة من الفوضى الأخلاقية والقيمية عند الطفل، بل ويزلزل إمكان اليقين لديه، وفى هذه المرحلة إذا لم يتأسس يقين قيمى وأخلاقى، فإن نفس هذا الطفل سوف يفقد عادة الالتزام بآية بمعايير أو مضامين أخلاقية محددة. ومن ثم فسوف تهبط القيم والأخلاق لديه لتصبح – لتعددها أو تناقضها – أضعف من أن تشكل معايير للسلوك. فإذا شب ولم يستوعب ثم أن يشب إذا لم يتوعب قيما ومعانى أخلاقية من مصادر اخرى، فإن سلوكياته سوف تصبح ذات طابع عملى، ليس هناك مرجعية تلتزم بها، نفعية ومتغيرة حسب إحتياجات الموقف والمقام.
إلى جانب ذلك فإن التنشئة التى تمارسها أدوات الإعلام هى تنشئة شمولية وعامة لا تراعى التباينات الواقعية، الرسالة الإعلامية بمضامينها المتنوعة توجه فى ذات الوقت إلى تنوعات بشرية وبيئات او سياقات إجتماعية متنوعة. فهى موجهة إلى الريف كما هى إلى الحضر أو البادية، وهى موجه إلى الذكور، كما هى ذاتها موجهة إلى الأناث، هى كذلك موجهة إلى الصغار والكبار وكل فئات العمر. يعمل الإعلام على تنشئتهم وفق قيم مساواتية واحدة، فإعلام الجملة مثل إستهلاك الجملة، ومثلما أن السلعة المنتجة نمطية، فالإنسان المرسل إليه ينبغى أن يصبح نمطيا كذلك. "نمطية مساواتية ظاهرها عادل وباطنها ظالم" نمطية قهرية مفروضة من أعلى فى عصر يؤكد على الديموقراطية وحقوق الإنسان. الرسالة الإعلامية النمطية لا تراعى الفروق أو لا تراعى الإحتياجات المتباينة، ولأنها قهرية ودائمة، مسلحة بكل أدوات إختراق الذات. لذلك فهى تخلع البشر من جذورهم، يستوعبون أخلاقا واحدة، ويتصرفون من خلال سلوكيات نمطية، مؤشراً ذلك إعلان عن صباغة الشعر للرجال والنساء معا. عن المنشطات الجنسية للرجال والنساء معا، عن أدوات الرياضة لجلب الرشاقة للرجال والنساء على السواء، حتى أننا بدأنا نشاهد قصات للشعر واحدة للرجال والنساء ولا خلاف، وملابس واحدة للرجال والنساء كذلك مع بعض الإستثناءات. وإذا كانت الأسرة تعمل وفق مضامين تنشئة قومية وربما مغرقة فى المحلية، فإن الإعلام يعمل وفق مضامين عالمية، الأولى تقوى المواطنة والإنتماء، بينما الثانية تقتلع المواطن من جذوره حيث يصبح بلا وطن ولا إنتماء.
التنشئة التى يبشر بها الإعلام، هى تنشئة القوى العالمية التى أطلقت موجات العولمة، هى تنشئة مرغوبة من قبل البرجوازية العالمية، التى تسعى لإعادة صياغة هذا العالم. لذلك فإننا نستطيع القول بأنها تنشئة تنطلق من ساحة الطبقة العليا العالمية أو القومية، تحاول وسائل الإعلام فرض مضامينها على مجتمعاتنا. التى ترتفع فيها نسبة السكان تحت خط الفقر إلى ما يزيد على 50%، ونسبة السكان تحت خط الفقر المدقع نحو 25% من هؤلاء(31). يأتى إلى الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة، أعلام يبشرهم بأسلوب صناعة أكلات سلطانية، وتخرج عليهم مذيعة باسمة، توصيهم بأكل تفاحة كل يوم حتى يتجنبوا نزلات البرد، وهم يبحثون عن رغيف الخبز. هذا الإعلام من شأنه أن ينشر هذا الإعلام مشاعر الإحباط والحرمان الإجتماعى المفجر للثورة والتمرد. يبشر بمضامين قيمية قد لا تتعايش معها شرائح إجتماعية عديدة، غير أنها قد ترفضها لكونها جماهيرا أصبحت عاجزة عن الفعل، لم تعد تدرك أن الإعلام أصبح يمارس مهمة التخدير لوعيها.
على خلاف ذلك نجد أن التنشئة الإجتماعية التى تقوم بها الأسرة هى التنشئة النمطية للطبقة المتوسطة، وعاء الأخلاق فى المجتمع، أو قبة ميزان توازنه. هى تنشئة تتم وفق مضامين المنطقة الوسط وتراعى اخلاق الوسط والأعتدال الوسط كذلك، هى تنشئة تستند بالأساس إلى مرجعية دينية وأخلاقية. تسعى دائماً إلى تشذيب الغرائز وتقليص وجودها، على عكس أخلاق الطبقة العليا التى تسعى إلى أخلاق عقال الغرائز تحت دعاوى التحرر. هى تنشئة تؤكد على توازن الحقوق والواجبات، إنطلاق من إلتزام أخلاقى يعرف التباين على أساس النوع، أو على أساس من طبقات العمر. تنشئة الطبقة الوسطى الذى ترعاها الأسرة تنشئة منتجة وليست إستهلاكية، ملتزمة وليست متحررة، تدرك ان السلوك والفعل ينجز فى ظل معايير ومعانى الأخلاق. تدرك أن تنشئة الأبناء لم تعد إحتكاراً لها، بل تشاركها المدرسة الجادة، والإعلام الملتزم، فى ظل رقابة أسرية ترى ضرورة أن تكون مضامين التنشئة، وكذلك آلياتها ملتزمة بالمرجعية الأخلاقية.
ولأنها تنشئة وسطية ومعتدلة ومنتجة وجادة، فإننا نجدها تلقى قبول الطبقات الدنيا، لأنها تنشئة بمضامين أخلاقية تساعد على الإرتقاء وتساعد على الحراك إلى أعلى وإلى الأفضل حيث طهارة القيم والمعانى. يقبل بها أبناء الشرائح الدنيا، لأنها تساعدهم فى الإرتفاع عن واقع معاش يرفضونه، ولكونها تمنحهم الثقة والتحلى بالفضائل الإجتماعية. ويقبل بها فى ذات الوقت أبناء الطبقة العليا، لأنها مضامينها تحتوى على الفضائل النقية والطاهرة، وهى بطبيعتها فضائل لها جاذبيتها، ثم أنها فضائل مرغوبه ولا مانع من التحلى بها، فهى راسمال معنوى، يضاف إلى نوعية الحياة الرخوة والمشبعة للحاجات. ثم أنها فضائل لا ترفض أن يعيش الإنسان مشبعا، إضافة إلى أن فضائل الطبقة الوسطى وقيمها هى فضائل الطبقة الغالبة فى المجتمع، الذى كان هرمه السكانى منبعجا من الوسط. غير أن الطبقة المتوسطة لأسباب عالمية وعولمية وقومية، وبسبب هجوم ضار تعرضت له وتدفق عليها من كل إتجاه، فإننا نجدها قد تساقطت وتشرذمت، وتأكلت حتى أصبحت خطا ضيقا بين الطبقة العليا الأقل عدداً، والأقوى من حيث إمتلاكها لرأسمال المجتمع، وبين الطبقة الدنيا التى إنهار واقعها، وإنهارت معها أخلاق الطبقة الوسطى، التى حاولت التحلى بها. وعادت لها أخلاقها السابقة ثانية، لذلك ضعفت أسرة الطبقة الوسطى، وضعف معها نمطها فى التنشئة الإجتماعية ومضامين هذه التنشئة. وكما أشرت تغول الإعلام، إعلام العولمة والطبقة العليا، العالمية والقومية، وإنتزع التنشئة الإجتماعية من يد الأسرة لتتولاها مؤسساته كما يريد.
ثالثاَ: كيف السبيل إلى إعلام ملتزم بتنشئة أمة.
فى فقرة سابقة أشرت إلى أن الأسرة كانت تقوم بعملية التنشئة الإجتماعية بالنظر إلى مبادئ الدين ومنظومات القيم والأخلاق. وأن عملية التنشئة الإجتماعية، هى العملية التى تتولى من خلالها الأسرة غرس مبادئ الدين والأخلاق فى شخصية الإنسان. لتشكل ضميره الأخلاقى والإجتماعى الذى يصبح مرجعيتة الفردية لتوجيه سلوكياته وأفعالة، والحالة المثالية أن تتطابق المرجعية الفردية مع مرجعية المجتمع والأمة. بحيث شكلت الأسرة والتنشئة الإجتماعية التى تقدم بها القاعدة أو النواة الصلبة التى يستند إليها الوجود الإجتماعى أو يتمحور حولها. غير أننا إنتهينا فى الفقرة السابقة إلى أن الإعلام يبدد عناصر النواة الصلبة، فقد ضربت التحولات الإجتماعية الأسرة فى مقتل، حتى أصبحت أسرة ضعيفة نووية هشه، أضعف من أن تقوم بعملية تنشئة إجتماعية تحفظ على المجتمع هويته، وترسخ إنتماء أفراده له ولمرجعيته. وفى ذات الوقت التى ضعفت فيه الأسرة، قطع الإعلام وتكنولوجيا المعلومات شوطا واضحاً على طريق التطور، ومن ثم فقد بدأ يشارك بحكم إنتمائه القومى فى عملية التنشئة الإجتماعية إلى جانب الأسرة والمدرسة. غير أن تطورا هائلا قد حدث فى تكنولوجيا الإعلام والمعلومات إبتداء من الثلث الأخير للقرن العشرين وحتى الآن. بحيث نصبت هذا التطورات الإعلام بإعتباره الفاعل الرئيسى الذى يتولى تنشئة أعضاء المجتمع. وفى هذا السياق وقعت ظاهرتان، الأولى أن الإعلام القومى تحرك لكى يصبح إعلاما عالميا، أو أن إعلام القوى العالمية تقدم ليستوعب الإعلام القومى. وفى إطار ذلك وقعت الظاهرة الثانية التى لحقت بالأولى، أو كانت نتيجة لها، حيث تدفقت المضامين المعنوية ذات الطبيعة العالمية، سواء من خلال الفضائيات العالمية أو القومية. لتعيد تشكيل الأخلاق والثقافة كمدخل لإعادة تشكيل مضامين التنشئة الإجتماعية، بإتجاه إقتلاع البشر من جذورهم، وإضعاف إنتمائهم، وتشوية هويتهم. وإذا كانت الأسرة فى الماضى هى الوحدة المركزية لإنجاز عملية التنشئة فى حالة كان الإعلام فى منطقة الهامش. فإننا الآن فى مواجهة أعلام تدعمة قوى العولمة يسعى لتنشئة شعوب وأمم، أعلام متطور إنتزع عملية التنشئة الإجتماعية من الأسرة المركز ثم دفع بها إلى الهامش. لتحل محلها تنشئة إجتماعية يقوم بها الإعلام وتكنولوجيا المعلومات التى شكلت نطاق المركز الجديد، ومن المنطقى أن توصف جملة هذه التطورات جميعها بإعتبارها تطورات غير مواتية، للأسرة وللهوية القومية، والإنتماء القومى. وإذا إستمرت التفاعلات على ما هى عليه الأن، فإن نتائج ذلك سوف تكون بالتأكيد سالبه. ومن ثم فلكى نوقف التراجع فإن علينا ان نطرح تساؤلاً ماذا نفعل؟ والإجابة هى البحـث عن إستراتيجية إعلامية جـديدة نطـرح بعض خطوطها العامة فيما يلى.
1. حاجة الإعلام إلى مرجعية أخلاقية: تؤكد الباحثة اليسارية "إيسيا برلين" أن الأفكار دائماً هى التى تصنع أو تعيد صناعة التاريخ، وتدفع إلى نهضة الأمم، لأن الأفكار والقيم هى التى تستلهمها الشعوب، فتشعل فيها جذوة الحماس والحركة والفعل. كل مجتمع على ما تذهب "إيسيا برلين" يحتاج إلى إيمان، أى إلى مرجعية، تصبح هى البوصلة التى تحدد الإتجاه الصحيح والأفعال السوية(32). كما يذهب عالم الإجتماع ماكس فيبر إلى التاكيد بأن القيم والأفكار التى تشكل متضمنات الدين هى التى يمكن تحرك البشر فى إتجاه التغيير، وفى إتجاه بناء ما هو جديد، حتى بناء الحضارة. وأن الدين هو دائماً أساس التنظيم الإجتماعى، وكلما ظهر دين جديد كلما إستطاع من خلال قوة إجتماعية تفرضه، تأسيس تنظيم إجتماعى أو مجتمع جديد(33). فى هذه الحالة فإن الدين يصبح المرجعية التى يتم تنظيم التفاعل الإجتماعى وفق معاييره. وإذا كانت إيسيا برلين قد قصدت بالإيمان الأيديولوجيا الماركسية آنذلك لأن أفكارها وقيمها ومبادئها، هى التى تولت بناء المجتمع الإشتراكى فى الأتحاد السوفيتى سابقا. فقد أكدت أن الأيديولوجيا الإشتراكية نجحت فى تأسيس المجتمع الجديد، لأنها كانت مبادئ القوى الغالبة، ولأنها إرتبطت عضويا بواقع المجتمع.
بيد أن الأمر يختلف فى مجتمعاتنا، فغالبية السياسية جاءت بأيديولوجياتها من الخارج، ليبرالية، كانت أم إشتراكية سابقاً. جميعها لم تظهر من رحم المجتمع، بل فرضت عليه. على خلاف ذلك كان للمجتمع دينه الذى يشكل جوهر عقيدته، ومعاملاته تنظم تفاعلات أعضائه فى مختلف المجالات، هكذا ينبغى ان يكون الأمر، بالإضافة إلى ذلك فقد طور المجتمع أخلاقه، التى بعضها إستند إلى الدين وبعضها الآخر تدفق إليه من التراث الذى أنتجته أجيال الماضى بينما البعض الثالث عن التفاعل الكائن فى الحاضر، وفى مختلف المجالات. لذلك كان المجتمع أقرب إلى دينه وأقرب إلى ثقافته وأخلاقة، كما كانت الأنظمة السياسية فى المقابل وعلى النقيض أقرب إلى أيديولوجياتها الغربية بالأساس. ولكى توفر الأنظمة السياسية أقتناعاً جماهيريا بإختياراتها الأيديولوجية، إستخدمت الدين والأخلاق التى لعبت دورها كمصدر لشرعيته الأيديولوجيات. وإستناداً إلى ذلك طرحت شعارات فى تاريخنا من نموذج "الإشتراكيون أنت إمامهم" وفى مرحلة تالية شعار دولة "العلم والإيمان". إدراكا من الأنظمة السياسية باهمية الدين كآلية تتولى تأكيد الرابطة العضوية بين المجتمع والأنظمة السياسية، فقد نظرت إلى الدين بإعتباره المرجعـية الذى يشكل مرجعيتها ويوفر الشرعية لوجودها.
استطرادا لذلك فإنه لما كان الإعلام موجه نحو المجتمع، فإنه من الضرورى أن يصبح له قبولا عاما، وحتى يستطيع الإرتقاء بأوضاع مجتمعه، فإنه ينبغى أن يكون ملتزما بمرجعية المجتمع، الدين والأخلاق. ينبغى أن تتحول مضامين ومعانى الدين والأخلاق إلى ميثاق شرف يحكم العمل الإعلامى ويضبط إيقاع الأداء والتفاعل فى إطاره. بحيث تصبح معايير الدين والأخلاق الإجتماعية، هى البوصلة التى تحدد إستقامة المضامين الإعلامية أو إنحرافها. كما هى البوصلة التى تحدد سلامة صحة شكل الآداء الإعلامى أم خطأة. وإذا كان الدين والأخلاق تعبران عن ثقافة المجتمع وتلعبان دوراً أساسيا فى تشكيل الهوية وترسيخ الإنتماء(34)، فإنه حفاظا على الهوية والإنتماء، وحتى يمكن دعمها وإعادة إنتاجها، وحـتى لا تذوب، فإنه من الضرورى أن يكون الدين والأخلاق أحد أبعاد مرجعيتهـا، لا أتحدث عن الدين المتطرف، العنيف والهارب إلى الماضى، ولكنى أتحدث عن الدين المتفتح القابل للتجديد، والقادر دائماً وبفاعلية على قيادة التحديث.
2- إستدعاء أخلاق الطبقة الوسطى كمرجعية للآداء الإعلامى: من المهم أن تعمل إستراتيجية التصحيح الإعلامى فيما يتعلق بالتنشئة الإجتماعية بإتجاه إستلهام أخلاق الطبقة الوسطى فى فترات صعودها، حيث توتها وفاعليتها، وكذلك صمودها. ويرجع ذلك إلى أن أخلاق الطبقة الوسطى هى الأخلاق الوسط، والصحيح يستقر غالبا فى منطقة الوسط. ثم أنها الأخلاق التى تشكل قناعات الأغلبية، ساعة أن كانت الطبقة الوسطى هى جماعة الأغلبية، إضافة إلى أن أخلاق الطبقة تلقى عادة قبول غالبية جماعات وفئات وطبقات المجتمع. أخلاق هذه الطبقة نضالية حينما تبرز الحاجة إلى تأكيد إستقلال المجتمع، وسطية ترفض التطرف. أخلاق الطبقة الوسطى تدعو إلى التسامح مع الاخر والالتقاء معه فى إطار تفاعل سلامى. أخلاق الطبقة تمجد الفضائل الإجتماعية وترفض الإنحراف، تميل إلى التقشف إذا كان المجتمع يحتاج إلى طاقات للبناء. إلى جانب ذلك فأخلاق الطبقة الوسطى هى أخلاق النزعة القومية والمجتمع القومى والدولة القومية. ومن ثم فهى أخلاق تؤكد على الإستقلال وتؤكد على الهوية وتعمل بإتجاه ترسيخ الإنتماء. قد يذهب قائل، غير أن الطبقة الوسطى إنهارت أو تقلصت وإلى غير رجعه، ثقافتها إنسحبت وأخلاقها تراجعت، والإجابة أن المعانى لا تموت بنفس سرعة تجسداتها المادية، فقد تبقى المعانى التى تشكل روح الطبقة حتى بعد إنهيارها. وهو ما يعنى أن المعانى قد تعيش إلى ما بعد إنصراف حاملها. علينا أن نلملم معانى وأخلاق وفضائل الطبقة المتوسطة، لكى تشكل إلى جانب الدين مرجعية صلبة، لإعلام فعال يحافظ على هويتنا ويكرس إنتمائنا، ويقود مجتمعنا على طريق التحديث. على أنه من الضرورى إذا تشكلت هذه المرجعية، أن تكون أساس مواثيق الشرف، التى تتم على خلفيتها التنشئة الإجتماعية فى الأسرة، وفى المؤسسات التعليمية وعلى ساحة الآداء الإعلامى.
3- تنشئة الإعلام للجماهير وتحديث المجتمع: إذا كان عصر التنمية والتحديث من أعلى قد ولى زمانه، بحيث بدأنا نعيش الأن فى نطاق عصر جديد، عصر التنمية من أسفل ومن الجذور، ومن الجماهير وأوضاع واقعها. علينا من خلال الإعلام أن نعيد إنتاج أفكار الجماهير وتواجهاتها، لنتولى من خلال الآداء الإعلامى الإرتفاع بالجماهير. بالإضافة إلى ذلك فإن على الإعلام أن يلعب دوراً فى تأهيل هذه الجماهير، بإن يدربه بموضوعية وبغير إنتهازية على معانى المشاركة، والديموقراطية وحقوق الإنسان. عليه أن يطور قدرات الجماهير، وينشئها وفق قيم المشاركة الحديثه، كما أن على الإعلام أن يراعى فى مادته الدرامية مناقشة مشكلات الجماهير. وأن لا يعرض مادة غريبة عليها تسبب لها أحباطا أو تستنفر مشاعر الحرمان بداخلها. وفى هذا الإطار على الإعلام أن يعمل بموضوعية بإتجاه إعادة تماسك بناء الأسرة، كأن يعمل على تناول مشكلاتها وتفاعلاتها وفق اجندة قومية وليست أجندة غربية على المجتمع. كما أن علية أن يكون إعلاما منتجا، أن يعرض مادته لوقت معين، حتى يستريح البشر، ليصبحوا بطاقاتهم قادرين على العمل والفعل، ويعملوها فى بناء المجتمع. فالإعلام الذى يستمر طيلة اليوم وطيلة الليل، هو إعلام قد يربح من ورائه البعض لكنه يدمر امة، ويدفع إلى الركوع تحت سنابك الفقر والتخلف، هل يمكن أن يعى مجلس أمناء الإعلام ذلك؟.
4- مراعاة المعايير المهنية: كما على الإعلام أن يكون محترفا يراعى الأصول المهنية فى آدائه، بداية الأختيار والأنتقاء الموضوعى للعاملين به، لكونهم واجهة أمة، ومن غير المنطقى أن يقوم أصحاب العيوب الخلقية بتوجية الرسائل الإعلامية. هم يستحقون، باعتبارهم مواطنين أن تكون لهم وظائفهم، غير ان ذلك يكون فى مكان آخر. كما لا ينبغى أن تكون الوظائف الإعلامية بالوراثة، فالكفاءة تقل عادة كلما تحولت أو إنتقلت الأجيال، وعلينا أن ننتقى الأعلاميين ذو القدرات القوية والجادة والمتجددة. وأن تكون هناك رقابة تراعى فنيات الشكل ومعايير المهنة والمضامين الجادة فى الإداء الإعلامى، إضافة إلى سلامة المضامين بطبيعة الحال، ذلك حتى يكتسب الإعلام الثقة ويستعيد جمهوره الذى إنصرف، عنه إلى فضائيات أجنبية. وحتى يصبح أعلاما قادراً على تنشئة مجـتمع، كما يصبح قادراً على تأكيد هوية وترسيخ إنتماء أبنائه.
المراجـــع
1. على ليلة: المجتمع الريفى، تحليل للتحولات البنائية الإجتماعية، المكتبة المصرية للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، 1994، ص 132.
2. ــــ: تفكيك أدوار المرأة كمدخل لتفكيك بناء المجتمع، "بحث" مقدم لمؤتمر المرأة فى مجتمعاتنا، على ساحة اطر حضارية متباينة، جامعة عين شمس، معهد الدراسات المعرفية، 14-16 نوفمبر 2005، ص 32.
3. عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة بن خلدون "المسمى بكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر فى أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر"، دار العودة، بيروت 1996، ص 37.
4. Durkheim, Emile: The Division of Labour In Society Trans. By George Simpson, New York, The Free Press, 1966, P. 117.
5. Parsons,Talcott: The Social System, The Free Press Gleonce, Illinois- Hill, 1952, P. 63.
6. Emile Durkheim: Op, Cit. P.123.
7. Weber, Max: Protestant Ethic and The Spirit of Capitalism, Trans By, T. Parsons, New York,1928, P. 23.
8. Gouldner, Alvin: The Coming Gisis of Western Sociology, Heinman, London, 1971, P. 177.
9. على ليلة: النظرية الوظيفية فى علم الإجتماع والأنثروبولوجيا، الرواد والقضايا، الطبعة الثالثة، المكتبة المصرية للطبع والنشر والتوزيع الإسكندرية، 2008، ص 304.
10. ذوقان عبد الله عبيدان: الفضائيات والإنترنت، معالجة السلبيات لدى الناشئة تعزيزا للأيجابيات. بحث مقدم لندوة "التربية الوقائية" مكتب التربية العربى لدول الخليج العربى، جدة، 8-9/4/1434هـ.
11. على ليلة: الثقافة القومية ومواجهة العولمة، حدود التحدى وآفاق الإستجابة، اللجنة الوطنية لليونسكو بحث مقدم لندوة "الفلسفة فى عصر العولمة" 2003، ص 29.
12. فتحية بنت حسين القرشى: أثر الأسرة فى تشكيل التفاعل الواعى مع رسائل الإعلام index.php http://www.acmedialiteracy.org .
13. وائل فاضل على: الإعلام والتنشئة الإجتماعية http://wwwahlulbeit.se/webbdesigen/makalat/awlama.doc
14. على ليلة: المستقبل الإجتماعى لتأثيرات العولمة على الدولة "فى" مصر والشرق ألوسط، "إشراف وتحرير" إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة، يناير 2000 س س 445-479.
15. نفس المرجع: ص 452.
16. نفس المرجع: ص 463.
17. على ليلة: المبادئ التوجيهية لترسيخ الإنتماء ودعم مقومات الهوية العربية لدى الطفل ، "ندوة" جامعة الدول العربية، إدارة الأسرة والطفولة دمشق 15-16 مارس 2008 ص 44.
18. عبد الرحمن بن خلدون: مرجع سابق، ص 76.
19. على ليلة: الثقافة القومية ومواجهة العولمة، مرجع سابق، ص 32.
20. تيسير بن سعد أبو حميد: الإعلام فى المجتمع الإسلامة http:// www.Islamweb.net .
21. نفس المرجع.
22. نفس المرجع
23. وائل فاضل على : مرجع سابق.
24. على ليلة: تآكل الرفض الشبابى، تأملات مع بداية الألفية الثالثة، "بحث" مقدم للندوة السنوية السابعة: "الشباب ومستقبل مصر" 29-30 إبريل 2000 ص 17.
25. هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشى، منشورات دار الآداب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1973، ص 72.
26. الإعلام والمجتمع العربى، واقع وتحديات http://www.Faculty.Ksu.edu.sa/raiser .
27. تيسير بن سعد أبو حميد، مرجع سابق.
28. على ليلة: الثقافة العربية والشباب بحث مقدم لندوة "إستراتيجية الثقافة العربية، اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة، القاهرة، 31 مارس – 2 أبريل 2001، ص 47.
29. وائل فاضل على: مرجع سابق.
30. على ليلة: تآكل الرفض الشبابى، تأملات مع بداية الألفية الثالثة مرجع سابق، ص 19.
31. ــــ: المنظمات الأهلية فى مكافحة الفقر، الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، 2002، ص 83.
32. زولتان تار: النظرية الإجتماعية ونقد المجتمع، ترجمة على ليلة، المكتبة المصرية للطباعة والنشر والتوزيع، 2002، ص 56.
33. على ليلة: المبادئ التوجيهية لترسيخ الإنتماء ودعم مقومات الهوية، مرجع سابق، ص 47.
34. على ليلة: النظرية الإجتماعية المعاصره، دراسة لعلاقة الإنسان بالمجتمع، المكتبة المصرية للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة 2003، ص 213.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
باحث اجتماعي
عضو زهبي
عضو زهبي


التخصص : علم اجتماع
عدد المساهمات : 1465
نقاط : 2991
تاريخ التسجيل : 01/01/2010
العمر : 47

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش    الأربعاء أكتوبر 26, 2016 10:58 pm

1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تكنولوجيا الاتصال وتهتك النسيج الأسرى توجهات التفاعل من المركز إلى الهامش 
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية :: مكتبة العلوم الانسانية والاجتماعية :: منتدي نشر الابحاث والدراسات-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: