المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية
اهلا بكم في المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية

المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية


 
الرئيسيةالتسجيلدخول

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
Like/Tweet/+1
المواضيع الأخيرة
» الاستبعاد الاجتماعي
السبت سبتمبر 20, 2014 8:09 pm من طرف باحث اجتماعي

» الوعى السياسى
الأحد سبتمبر 14, 2014 10:38 am من طرف باحث اجتماعي

»  المرجع في مصطلحات العلوم الاجتماعية لطلاب قسم الاجتماع [ نخبة من أساتذة قسم الاجتماع بجامعة الإسكندرية ] ـ
الجمعة سبتمبر 12, 2014 8:35 am من طرف d_fngary

»  معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع - طوني بينيت - لورانس غروسبيرغ
الجمعة سبتمبر 12, 2014 8:31 am من طرف d_fngary

»  العولمة الثقافـية ودور الجامعات في مواجهتها
الخميس سبتمبر 11, 2014 6:42 am من طرف باحث اجتماعي

» سوسيولوجيا الصنائع عند ابن خلدون
الإثنين سبتمبر 08, 2014 11:45 am من طرف نعومة نعمت

» علي المكاوي : علم الاجتماع الطبي مدخل نظري
الإثنين أغسطس 25, 2014 9:32 pm من طرف choukri

» سيكولوجية التعصب الرياضي وعلاقته بالتنشئة الاجتماعية والأمنية مدخل نفسي معرفي متكامل
الإثنين أغسطس 25, 2014 8:40 pm من طرف باحث اجتماعي

» قضايا المرأة المصرية بين التراث والواقع-دراسة للثبات والتغير الاجتماعى والثقافى-علياء شكرى
الأحد أغسطس 24, 2014 7:08 pm من طرف ibrahihm.mimo

» حصريا -- مجموعة من الباحثين : الأسرة المصرية وتحديات العولمة.مركز البحوث و الدراسات الاجتماعية
الأحد أغسطس 24, 2014 7:06 pm من طرف ibrahihm.mimo

سحابة الكلمات الدلالية
فوكو المجتمع العولمة تطور الاجتماعي الاجتماع العنف النظرية رسائل ماجستير الثقافة الجسد العمل التنمية رأس الشباب الاجتماعية اجتماع في ميشيل مناهج سوسيولوجيا البحث المال وتأسيس كتاب
سوسيولوجيا الصنائع عند ابن خلدون
الثلاثاء يناير 19, 2010 11:03 am من طرف فريق الادارة
سوسيولوجيا الصنائع عند ابن خلدون:
دراسة في علم اجتماع …


تعاليق: 36
علي المكاوي : علم الاجتماع الطبي مدخل نظري
الأربعاء أبريل 07, 2010 9:20 am من طرف فريق الادارة







علي المكاوي : علم الاجتماع الطبي مدخل نظري



إن فهم …


تعاليق: 53
قضايا المرأة المصرية بين التراث والواقع-دراسة للثبات والتغير الاجتماعى والثقافى-علياء شكرى
الإثنين أبريل 25, 2011 1:39 pm من طرف باحث اجتماعي


)L



jk


قضايا المرأة المصرية بين التراث …


تعاليق: 26
حصريا -- مجموعة من الباحثين : الأسرة المصرية وتحديات العولمة.مركز البحوث و الدراسات الاجتماعية
الخميس سبتمبر 16, 2010 10:00 am من طرف فريق الادارة

مجموعة من الباحثين : الأسرة المصرية وتحديات …


تعاليق: 38
إسماعيل مظهر- معضلات المدنية الحديثة
الأربعاء سبتمبر 08, 2010 10:59 am من طرف فريق الادارة
إسماعيل مظهر- معضلات المدنية الحديثة



تعاليق: 3
الطريق الثالث.تجديد الديمقراطية الاجتماعية./ الناشر: المجلس الأعلى للثقافة / ترجمة، تحقيق: أحمد زايد - محمد محيي الدين - محمد الجوهري
السبت مارس 03, 2012 10:27 am من طرف فريق الادارة
)L

الطريق الثالث.تجديد الديمقراطية الاجتماعية

يقدم …

تعاليق: 10
أصل المجتمعات المتحضرة [ رشتون كوليورن ]
الثلاثاء ديسمبر 20, 2011 6:47 pm من طرف فريق الادارة

)L


أصل المجتمعات المتحضرة [ رشتون كوليورن ]

\

ضع ردا ليظهر الرابط
…[/رشتون]


تعاليق: 12
زياد بن عبدالله الدريس- مكانة السلطة الأبوية في عصر العولمة -المؤسسة العربيـة للدراسـات و النشـر
الخميس نوفمبر 11, 2010 7:11 am من طرف فريق الادارة
مكانة السلطة الأبوية في عصر العولمة .. كتاب جديد



صدر …

تعاليق: 22
مجموعة من الدراسات والبحوث فى علم الاجتماع-مهداة للأستاذ الدكتور السيد محمد بدوى
الخميس مارس 17, 2011 2:49 pm من طرف فريق الادارة




مجموعة من الدراسات والبحوث فى علم الاجتماع-
مهداة …


تعاليق: 34
العنف والمقدس والجنس.pdf
الأحد يناير 03, 2010 6:42 pm من طرف فريق الادارة


العنف والمقدس والجنس


الإشكال الذي يثيره البحث، …


تعاليق: 43
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الإثنين أغسطس 22, 2011 8:39 pm

تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة
التطـور من اجـل الهيمنـة

الدكتور لقاء مكي العزاوي
قسم الإعلام / كلية الآداب
جامعة بغداد
مقدمــة
سيطر مفهوم العولمة على كل ما عداه منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ، وبات هاجساً ملحاً في جميع السياسات الإقليمية والدولية ، كما انه اصبح مفهوماً أيديولوجيا اكثر من كونه مجرد نظام اقتصادي او تجاري ، الامر الذي جعل للعولمة كل هذا الحجم من الاهمية والسعة وخلق لها انصاراً ومعارضين ، وجعلها عند البعض سبباً للرخاء والرفاهية ، وعند البعض الأمر سبيلاً للتخريب والاستلاب والضياع.
ولئن كانت العولمة قد بدأت كظاهرة من خلال الاقتصاد وترويج مبادئ التجارة الحرة والاسواق المفتوحة ، فانها تحولت سريعاً الى نظام دولي يشمل السياسي والاعلامي والثقافي الى جانب البعد الاقتصادي، ولم يعد بالامكان الحديث عن العولمة الا من زاوية أبعادها الجماعية التي باتت كلاً متكاملاً ومتصلاً ومؤثراً .
وإذا كانت هذه الظاهرة قد شغلت الناس حكومات وشعوباً خلال السنوات الماضية ، وحظيت بمساحات واسعة من التحليل والنقد والمراجعة الاكاديمية والفكرية ، فانها لم تعد في حقيقة الامر مجرد نظام مطروح للمناقشة وامكانيات الرفض او القبول ، بل غدت جزءاً واقعياً شاخصاً من النظام العالمي الراهن، بل انها اليوم الجزء المحوري منه ، وان كان الاكثر قتامتاً واثارة لهواجس القلق في معظم دول العالم .
ويشكل التطور التقني الهائل في ميدان الاتصال الذي اصبح بدوره ظاهرة طاغية في المجتمع المعاصر سبباً اساسياً قي تكريس العولمة وتوسيع دائرة تاثيرها وانتشارها وبتعميق الهيمنة الغربية، والامريكية منها بوجه خاص على مجمل النشاطات الدولية المنضوية تحت لافته العولمة، بسبب تمركز القوة الاعلامية والمعلوماتية في عدد محدود من الدول هيأت لها مثل هذه الفرصة .
ولقد اصبحت المشكلة التي تعاني منها معظم دول العالم تتمثل في تقليص فرص سيطرتها على مجتمعاتها ، ليس لأغراض الضبط العام والحفاظ على التكوين السياسي حسب، بل امتد الأمر الى البنى الثقافية والاجتماعية ، والتي تشهد تحولات عميقة باتجاه نمط محدود تسعى اليه العولمة وتسيطر على آلياته ارادة الهيمنة ذاتها التي كانت قد سيطرت على العالم ابان الاستعمار القديم قبل نحو قرنين ، مع فارق تغيير العناوين وهويات اللاعبين الرئيسيين، وبالطبع مدى التأثير وقدرة الوصول وحجمه، حيث سيطرت الولايات المتحدة على قمة الهرم الامبريالي الجديد الذي يصح تسميته بإمبريالية العولمة ، وباتت تعمل ومن خلال وسائل عدة على امركة العالم ، وذلك تحقيقاً لاهدف تتعلق تحديداً بمصالحها الخاصة .
وهذا البحث هو محاولة لاستكشاف ابعاد التاثير الاتصالي والمعلوماتي على اتساع ظاهرة العولمة وتفاقم قوتها ، وما ان كان هذا التاثير حقيقة نهائية غير قابلة للجدل او المقاومة ، ام انه برغم حقيقة وجودة مازال دون هذا القدر مما يشاع عنه من امكانيات مطلقة وغير محدودة .
اولاً: في مفهوم العولمة
اجتهد الكثير من الباحثين في تعريف العولمة ، لكنهم لم يتفقوا على تعريف موحد ومحدد للظاهرة ، بسبب ما يبدو من تباين المرجعيات واختلاف الرؤية والنظام الفكري وربما السياسي الذي يحكم كل من هؤلاء الباحثين ، لكن القاسم المشترك الذي يجمع الافكار المختلفة بشان العولمة يتمحور في انها بالاساس ظاهرة اقتصادية ، ترتبط جوهرياً بانطلاق الظاهرة الاستعمارية ، وما تبعها من نشوء الراسمالية التي تضخمت لتصبح نمطاً امبريالياً فرض متطلباته على العالم بفتح الحدود امام حركة الرساميل والبضائع والاشخاص والخدمات ، وبتعديل القوانين الدولية . وحتى القومية لتتلاءم مع متطلبات سلطة المال التي امتلكت ايضاً اسباب القوة.
ويقر عالم السياسة الامريكي جيمس روزناو بالتعقيد الذي ينطوي عليه تعريف العولمة ، ولذا فهو يعد ان من المبكر وضع تعريف كامل ونهائي يلائم التنوع الضخم لهذه الظواهر المتعددة ، التي يقدم لها روزناو جملة نماذج مثل الاقتصاد ، السياسة ، الثقافة ، الأيدلوجيا . ويشمل ذلك قضايا مثل اعادة تنظيم الانتاج ، تداخل الصناعات عبر الحدود ، انتشار اسواق التمويل ، تماثل السلع الاستهلاكية لمختلف الدول .. الخ ، وفي ظل ذلك كله يشير الباحث الامريكي الى ان مهمة ايجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الانشطة تبدو عملية صعبة ، وحتى لو تم تطوير هذا المفهوم ، فمن المشكوك فيه ان يتم قبوله ، واستعماله بشكل واسع(1)
ويقدم صادق جلال العظم رؤيته للعولمة ويجملها بقوله
((إنها وصول نمط الانتاج الرأسمالي عند منتصف هذا القرن ، الى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة ، الى عالمية دائرة الانتاج واعادة الانتاج ذاتها ، أي ان ظاهرة العولمة هي بداية عولمة الانتاج والراسمال الانتاجي وقوى الانتاج الراسمالية وبالتالي علاقات الانتاج الراسمالية ايضاً ، ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز
الاصلي ودوله.
العولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد ان كانت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره )) ويمضي العظم ليقول ان العولمة هي حقبة التحول الراسمالي العميق للانسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ(2)
ويمكن في هذا التعريف ملاحظة تمركز العولمة عند حدود الاقتصاد ، لكنه وفي اشارته الى عبارات مثل : نشر علاقات الانتاج الراسمالية، رسملة العالم على مستوى العمق، حقبة التحول الرأسمالي العميق.. في هذه العبارات كان واضحاً ان العظم حاول ملامسة التجليات المتعددة للعولمة التي تجاوزت حدود الاقتصاد لتشمل بنى المجتمعات وثقافتها ، حتى وصل الامر حد التعرض لمفاهيم اساسية مثل السيادة ، الامن القومي ، القومية ، الثقافات المحلية ، وصولا الى الاديان ذاتها ، لكن الاساس في كل ذلك هو ان الدول المهيمنة متجسدة بالغرب الذي تقوده الولايات المتحدة تسعى الى نشر وتعميم انماطها في سبيل تكريس هيمنتها وتفوقها وادامة تبعية عشرات الدول الاخرى لها .
ويمكن للدارس ان يعثر على الاهداف الحقيقية للعولمة لو غاص في جذورها التاريخية ، فهي نشأت مع نمو واتساع ظاهرة الاستعمار القديم ، وعصور الامتداد الامبريالي للغرب ، ولذلك فان بول بيروخ يعيدها الى منتصف القرن التاسع عشر(3) ، فيما يعيدها رونالد روبرتسون الى تواريخ اكثر قدماً ، حيث يقسمها الى خمسة مراحل ترجع الى بواكير القرن الخامس عشر ، حيث ظهرت حينها ما اسماه بالمرحلة الجنينية ، وصولا الى المرحلة الاخيرة التي اسماها بمرحلة عدم اليقين التي تستمر منذ سبعينات القرن العشرين وحتى هذا اليوم ، والتي شهدت إدماج العالم الثالث في المجتمع العالمي ونهاية الحرب الباردة، وشيوع الاسلحة الذرية ، وزيادة المؤسسات الدولية ، وبدء مشكلة تعدد الثقافات وتعدد السلالات داخل المجتمع الواحد وظهور ما يعرف بالمجتمع المدني العالمي والمواطنية العالمية وتدعيم نظام الاعلام الدولي(4)
ويظهر جليا من خلال الاستعراض التاريخي للعولمة انها جزء من نظام هيمنة الغرب على العالم ، وهو نظام ظهر مع بدء نظام الحقبة الاستعمارية وعصور الاستكشافات الجغرافية ، واتسع مع تحول الاستعمار الى ظاهرة تاريخية اسهمت في تشكيل صورة العالم الحديث ، بما في ذلك البنى الاساسية لدول العالم الثالث، التي كان الاستعمار قد اسهم قبل ذلك بترتيب أولوياتها ، وبناها التحقية وتشكيل تكوينها الاجتماعي وحتى الجغرافي ، بالشكل الذي يؤمن تكريس نظام الهيمنة ، وخصوصاً في المجال الاقتصادي ، الى جانب المساعي الحثيثة للغرب لتذويب الشخصية الثقافية للدول الجنوب بالشكل الذي لا يبقى لها هوية واضحة يمكن ان تشكل قاعدة للعمل على التحرر من دائرة الهيمنة .
وبرغم ان ظاهرة الهيمنة نضجت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مع التصاعد الحاد في حجم التبادل التجاري وصادرات البلدان المتقدمة الى الدول النامية ، وكذلك التنامي الواسع لقدرات وأرباح الشركات عابرة القومية(5) ، فان الثابت ايضاً ، ان عاملين اساسيين اسمهما في تكريس الهيمنة الغربية وانتشارها دون عوائق جدية ، وهذان العاملان هما:-
1- انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وضمور عصر الانظمة الشمولية مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين حيث ادى ذلك الى خلو الساحة الدولية للغرب الراسمالي كي يتصرف في اطار نظام الهيمنة من غير ان يواجه مقاومة تذكر، الى جانب ان التحولات الدراماتيكية العنيفة التي حدثت في النظام الدولي آنذاك نشرت احساساً بانتصار الغرب النهائي والحاسم ، وهزيمة الاشتراكية امام الراسمالية الامر الذي ارغم دول العالم الثالث على الانقياد بسرعة نحو خيار العولمة دون تامل او حساب للخسائر والارباح ، لانها تجد امامها خياراً اخر، سيما وان اكبر دولة اشتراكية وهي الصين دخلت ايضاً في اطار العولمة واللعبة الراسمالية وان كانت مغلفة بالنمط الاشتراكي الخاص ( 6 ) .
2- بدء الظاهرة الاتصالية الحديثة وثورة المعلومات وتطور تقنية الانترنيت وانتشارها في نفس الفترة تقريباً ، مع تصاعد اهمية وحجم الفضائيات التلفزيونية التي كانت قد بدات قبل ذلك.
وهكذا ومن خلال هيمنة باتت مطلقة على متغيري الاقتصاد والاعلام متضمناً المعلومات ، امكن للغرب الراسمالي ان يتحدث عن انتهاء عصر ( الدولة القومية ) وحتمية العولمة كنمط حضاري غير قابل للمقاومة حتى بات البعض ينظر للعولمة على انها امر واقع لا يمكن انكاره ، يشعر المرء إزاءه وكانه قد تقلص وفقد اهميته بالنسبة لجبروت التحولات التي جرت صوله ( 7 ).
وقد تزعمت الولايات المتحدة هذه الحملة لصالح العولمة بعد ان توفرت لها اسباب التفوق المالي والاعلامي ( 8 ) ، وبعد ان شعرت بزهو ( النصر ) اثر سقوط المعسكر الاشتراكي ، الى الحد الذي ساد فيه تيار فكري امريكي يتحدث عن حسم الصراع نهائياً لصالح الرأسمالية متجسدة بالولايات المتحدة او ما اطلق عليه فوكوياما ( نهاية التاريخ ) .

ثانياً: تكنولوجيا الاتصال..ظاهرة العصر
لا تعد تكنولوجيا الاتصال مظهراً جديداً في العالم فاذا ما اسثنينا مطبعة غوتنبرغ قبل اكثر من 500 عام ، فان بواكير التقنيات الالكترونية بدات قبل نحو مائة وخمسين عاماً باختراع التلغراف واللاسلكي والهاتف ، قبل ان يجري خلال النصف الاول من القرن العشرين اختراع الراديو والتلفزيون ثم في النصف الثاني اطلاق الاقمار الصناعية وانتشار تقنية الهواتف النقالة ، والحواسيب الالكترونية والانترنيت.
وكان ميدان تكنولوجيا الاتصال والمعلومات من اكثر الميادين تسارعاً في التطور ، بل انه كان الجانب الاهم والاكثر اثارة من بين جوانب الثورة التكنولوجية جميعها (9 ) ، واهم ما تحقق في هذا التطور تمثل بربط وسائل الاعلام مع الوسائل

الالكترونية الحديثة وخلق نظام اتصالي مبني على ترابط هذه الوسائل ، الامر الذي اطلق ثورة اعلامية ومعلوماتية ابرزت امكانيات هائلة(10 ) استندت الى امكانيات تواصل عالية المستوى مع الجمهور ، وسرعة غير مسبوقة في ايصال الرسائل الاعلامية والمعلوماتية الى أي مكان في العالم ، حيث يدور 600 قمر صناعي حول الارض ، يقدر لها ان تزداد الى 2000 قمر خلال خمس او ست سنوات(11) .
وقد هيأت هذه الامكانية الضخمة فرصة بناء شبكة اتصالات عبر العالم تضمنت الخدمات الهاتفية والتبادلات المالية والرسائل الالكترونية … الخ كما شجعت على خلق وتعزيز نظام الارسال التلفزيوني الفضائي الذي أصبح منذ ثمانينيات القرن الماضي مظهراً أساسياً للمجتمعات المعاصرة ، مع انتشار نحو مليار جهاز تلفزيون في العالم ، تلتقط بسهولة مئات المحطات الأجنبية التي توفر لها أقصى قدر من خدمات الأخبار والترفيه والمعلومات والإعلان ، بتقنيات عالية ومتوفرة وبكلف واطئة .
وحتى مع وجود حكومات تمنع امتلاك أطباق استلام البث ، فأن التقنية الحديثة أتاحت تجاوز كل ذلك ، حيث اتفقت خمسة عشر شركة أميركية وأوربية ويابانية على مشروع يؤدي إلى تطويق الكرة الأرضية بكوكبة من الأقمار الصناعية ، تساعد أي فرد في العالم على الاتصال بأي شخص والتقاط البث الفضائي مباشرة دون الحاجة إلى الأطباق أو أي خدمات أرضية لتصبح هذه الأطباق تكنولوجيا قديمة تجاوزها الزمن ، بل أن إحدى الشركات الأميركية صرحت بأنها ستطلق خلال العام 2002 قمراً صناعياً يبث ألف وخمسمائة قناة تلفزيونية في آن واحد ، وأن كفاءته ستعادل مجموع الأقمار الصناعية الحالية ، وقد أطلقت الولايات المتحدة على هذه المشاريع اسم الشبكة الكونية للشبكات
( Global Network of Networks ) ليكون البنية التحتية الكونية للمعلومات في عصر العولمة .(12)
وتطورت تقنيات الإرسال الفضائي بسرعة كبيرة وتحولت منذ عدة سنوات إلى النظام الرقمي شديد الوضوح والسرعة ، والذي يتيح إمكانيات الاتصال التفاعلي مع الجمهور ، غير أن التطور اللافت يتمثل بدمج شاشة التلفزيون بالحاسوب والانترنيت لنحصل على جهاز جديد متكامل يوفر للإنسان كل ما يحتاجه من معلومات وأخبار وترفيه ، وسياحة ، وإعلانات ، والتحادث مع آخرين في أماكن قصية ، والتبضع من أسواق تقد في قارات أخرى ، وعقد صفقات تجارية، وأجراء مفاوضات سياسية ، أو إلقاء محاضرات على طلبة في عدة جامعات حول العالم … وغير ذلك من مظاهر الحضارة الجديدة التي وفرتها تقنيات الاتصال وألغت بها الحواجز والحدود والمسافات وكل القيود
والمحرمات المعروفة .
أما شبكة الانترنيت ، فقد احدثت بدورها ثورة جديدة أتاحت إطلاق أسم عصر ثورة المعلومات على زمننا الحاضر ، بسبب ما حققته من متغيرات حادة في شكل ونمط الاتصال وسرعته ، وفي حجم ونوع المعلومات المتداولة ، وفي نسفها لكل ما هو معروف من قيود وحدود تقنية أو قانونية ، وكذلك في أنها خرجت خلال سنوات معدودة من نطاق الاستخدام النخبوي إلى النطاق الجماهيري الواسع ولا سيما في الولايات المتحدة ودول الغرب ، حتى بلغ عدد مستخدمي الانترنيت اكثر من 200 مليون شخص يتعرضون لنسبة نمو تبلغ واحد في المائة كل يوم حسب التقديرات النظرية .(13)

ثالثــا: انتشار تكنولوجيا الاتصال..واقع مختلف
تغري الأرقام والمعلومات الصماء بتوقع وضع عالمي نموذجي يوفر الرفاهية والمعرفة والمعلومات لمن يريد بأقصى سرعة يحلم بها الانسان وبتكاليف قليلة .. ولكن هل هذا هو الواقع بالفعل ؟
أن تكنولوجيا الاتصال المتقدمة ، هي الحقيقة المؤكدة في هذا العصر ، لكن المؤكد أيضا أن هذه التكنولوجيا كمستلزمات أو كصناعة أو كانتشار ، مازالت حكرا على الدول المتقدمة في الشمال الغني والمهيمن ، وان معظم بلدان العالم الثالث لم تتمكن من مواكبة هذا التطور أو التفاعل الإيجابي معه ، حتى بات كل الازدهار المفترض لتقنيات الاتصال يصطدم بحقيقة أن واحد بالمائة فقط من سكان الدول النامية التي تمثل غالبية سكان الأرض يمكنهم التمتع بمزايا هذه التقنيات .(14)
وضمن هذا الواقع يمكن أن نلاحظ حقيقة أن 60 بالمائة من إجمالي عدد مستخدمي الانترنيت في العالم يقيمون في اميريكا الشمالية رغم أن سكانها
يمثلون 5 بالمائة فقط من سكان الأرض ، في حين أن أفريقيا وهي قارة كاملة ليس فيها سوى 14 مليون خط هاتفي أي اقل مما يوجد في طوكيو ، والهند رغم شهرتها كسوق ناشئ في مجال البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات إلا أن نحو ربع مليون قرية من قراها ليس فيها خط هاتفي واحد* وقد دفع هذا الواقع أحد الباحثين إلى القول أن الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنيت ) ليست عالمية على الإطلاق .(15)
وتؤشر الإحصاءات الدولية ان 3% فقط من مجمل الاستخدام العالمي للانترنيت يوجد في قارات أسيا (باستثناء دول المحيط الباسيفيكي ) وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، كما تسيطر على صناعة تقنيات المعلومات والاتصالات ( 88 ) شركة
( 39 ) منهـا أمريكية و ( 19 ) أوربيـة غربية و ( 7 ) يابانية .(16)
وحتى مع وجود صناعات للحاسوب وبعض التقنيات المتطورة في دول نامية مثل الهند فأن هذه الصناعات تنحصر اليوم فيما يسمى بـ ( القوى الصلبة ) ، بعد أن تخلت معظم الدول المتقدمة عن صناعتها ، وأصبحت بدلاً من ذلك تسيطر على صناعة البرمجيات المسماة بالقوة المعرفية اللينة ( soft power ) (17) ، وهي التي تضم إمكانيات تشغيل أجهزة الحاسوب ، والإفادة من إمكانياته .
وحتى مع التلفزيون ، فأن المليار جهاز المنتشرة في العالم ، تتوزع هي أيضا بطريقة غير متوازنة ، ففي حين تتوفر خدمات إرسال تلفزيونية في معظم دول العالم ، ومع حقيقة القدرات الهائلة التي يوفرها البث الفضائي ، إلا أن نصف عدد الأسر في نصف دول العالم لا تمتلك جهاز تلفزيون ، بل أن هناك ( 40 ) دولة لا يتوفر فيها هذا الجهاز لغير ( 10 ) بالمائة فقط من عدد الأسر ، ففي حين أن عدد الأجهزة في الدول المتقدمة يتساوى تقريباً مع عدد الأسر أو يفوق ذلك .(18)
أن هذا الواقع يقود إلى الاستنتاج المنطقي بأن التقدم التقني الهائل في مجال الاتصالات والمعلومات الذي يشهد العالم لم يلغي حقيقية التوزيع غير المتوازن لهذا النوع من التقنيات ، وهو اختلال لا يقدر له أن يزول في المدى القريب بسبب استمرار أسباب وعوامل وجوده بل وتفاقمها سيما مع ما هو معروف من التوزيع غير المتكافئ لثروة في العالم ، إذ أن ( 20 ) بالمائة من الدول فقط تستحوذ على ( 84.7 ) بالمائة من الناتج الإجمالي للعالم ، وعلى ( 84.2 ) بالمائة من التجارة الدولية ، ويمتلك سكانها ( 85.5 ) بالمائة من المدخرات العالمية .(19) ومن المتوقع أن تستغل الدول الثرية أموالها لتعميق سيطرتها على وسائل الأعلام التي من المقدر لها أن تكون أكبر قطاع أقتصادي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية .(20)

رابعــــا : عولمة المضامين بعد الوسائل

مع كل ماتؤشره حقيقة سيطرة الغرب ولاسيما الولايات المتحدة على تقنيات المعلومات ، فأن العولمة التقنية في ذاتها ، ليست القضية المباشرة ، خصوصاً أنها أمر واقع من المستحيل رفضه أو الانعزال عنه ، بل ويمكن تسخيره لتحقيق نتائج أيجابية ، وأنما القضية هي تأثير المستجدات التقنية وأبعادها الاجتماعية من خلال مضمون المعلومات المتداولة .(21)
وأذا كان الشمال الغني يسيطر على وسائل الاتصال والمعلومات ، فأنه يسيطر أيضا على المضامين المنقولة من خلالها ، والولايات المتحدة وحدها تمتلك ( 65 ) بالمائة من المادة الإعلامية العالمية (22)، بكل تفرعاتها من أخبار ومواد للترفيه وبرامجيات للحواسيب ، وألعاب الكترونية ، وأفلام سينمائية … الخ ، في حين تسيطر دول الشمال الأخرى على غالبية النسبة المتبقية .
وقد شهدت سنوات التسعينيات من القرن الماضي تركيزاً كبيراً لرأس المال في شركات ومؤسسات الإعلام والاتصال الغربية ، وهناك الآن ما لا يقل عن أثني عشر عملاقاً صناعياً اميركياً في مجالات الاتصالات والإعلام والمعلوماتية من منتجي للبرامج والمواد التي تغرق السوق الأميركية والعالمية .(23)
وتمكنت دول الشمال ولاسيما الولايات المتحدة من بناء قوة تأثير مهمة في العالم بسبب استحواذها على الوسائل والمضامين وسيطرتها على مفاتيح تطورها ، ولذلك فقد استغلت الولايات المتحدة هذه الإمكانيات الضخمة في تكريس ظاهرة العولمة ، وصنعت لها إعلامها الخاص الذي يحاكي بطبيعة الخال مجمل التوجهات والاهداف الأميركية التي تسعى دوماً الى تحقيق هدفين هما : الثروة والهيمنة .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الإثنين أغسطس 22, 2011 8:40 pm

ويعرف إعلام العولمة بأنه سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة ، لا تلتزم بالحدود الوطنية للدول ، وأنما تطرح حدوداً فضائية غير مرئية ، ترسمها شبكات اتصالية معلوماتية على أسس سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية ، لتقيم عالماً من دون دولة ومن دون أمة ومن دون وطن ، هو عالم المؤسسات والشبكات التي تتمركز وتعمل تحت إمرة منظمات ذات طبيعة خاصة ، وشركات متعددة الجنسيات ، يتسم مضمونه بالعالمية والتوحد على رغم تنوع وسائله التي تبث عبر وسائل تتخطى حواجز الزمان والمكان واللغة ، لتخاطب مستهلكين متعددي المشارب والعقائد والرغبات والاهواء.(24)
ويسعى إعلام العولمة الى تحقيق جملة من الأهداف يمكن أجمالها بالتالي : -
1- دمج الثقافات الوطنية وإلغاء خصوصية المجتمعات والدول ، ومحاولة تعميم نموذج موحد لما يسمى بالمواطن العالمي الذي عليه أن يتخذ مظهراً خاصاً مقبولاً بالقياسات الأميركية ، وهو أمر وصل الى حد التدخل في صياغة سلوك الأديان وتحديداً الإسلام ( منذ أيلول 2001 ، والدعاية الأميركية تقدم نموذجاً للمسلم الذي تريد : متعاون مع الغرب ، رافض لمبدأ الجهاد الذي أصبح يعادل الإرهاب ، المنسجم مع الطرح الأميركي ، وخلاف ذلك سيكون المسلم إرهابيا متعصباً وعدوانياً ) .
والهدف الأساسي للعولمة الثقافية هو بالطبع ذاته الذي دأبت عليه الدعاية الأميركية لعقود خلت والمتمثل بتعميم ونشر النموذج الأميركي عبر العالم ، والأمر هنا لا يقتصر على أفلام هوليود أو إمكانيات الإعلام الدولي لكنه بـات يتعـلق برموز خلقتها الدعاية الأميركية مثل ( الجينز ) و ( مكدونالد ) .

2 – تعمل العولمة الإعلامية على دعم وإسناد العولمة الاقتصادية ، فنشر النزعات الاستهلاكية أصبح واحداً من الوظائف الأساسية لاعلام العولمة ، ففي خمس دول هي الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان وبريطانيا توجد ( 172 ) شركة من أصل
( 200 ) هي أكبر الشركات التي تسيطر على الاقتصاد العالمي ، وهذه الشركات تحتاج الى ترويج بضائعها وفتح أسواق جديدة ومستمرة لها ، فتعمد دولها إلى الإفادة من إمكانياتها الاتصالية في تحقيق هذا الهدف ليتشكل ثالوث العولمة
الذي يتضمن : -(25)
- نظام اقتصادي : يستخدم آلية السوق العالمية كمجال للمنافسة ، وبالتالي اصطفاء الأنواع بصورة صريحة وفقاً لنظرية داروين البيولوجية التي تقول " البقاء للأصلح " واعتمادها كمنهج في مجال الاقتصاد على المستوى العالمي .
- نظام ثقافي : يسعى إلى تغيير الواقع الثقافي لتقبل مخرجات السوق العالمية ومنتجاتها بالاعتماد على وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة .
- نظام إعلامي : يعتمد على توظيف تكنولوجيا الاتصال ووسائله في عملية الاختراق الثقافي بالدعوة والترويج لثقافة الاستهلاك ولمنتجات السوق العالمية .
وقد وجد أحــد الباحثين أن الفضائيات التلفزيونية تسهـم في زيادة النزعة الاستهلاكية لدى ( 75 ) بالمائة من الجمهور في إحدى المدن العربية الأمر الذي أدى إلى ظهور مشكلات اجتماعية ونفسية واقتصادية عديدة . (26)

3 - تعمل العولمة الإعلامية على ربط السياسات الدولية بالمزاج الأميركي بشكل خاص ، وتستخدم الولايات المتحدة في سبيل هذا الهدف إمكاناتها الاتصالية وقدرات إنتاج المحتوى لأحداث الخلل في نظم سياسية محددة وتعميم الفوضى داخل المجتمعات المحلية ، وذلك عبر إطلاق شعارات مثل ( حقوق الإنسان ) و ( حقوق الاقليات ) و
( مكافحة الإرهاب ) … الخ .
وتستخدم الولايات المتحدة هذا الأسلوب في إطار الحرب النفسية المسلطة على الدول والحكومات غير المتوافقة مع سياساتها ، ولذلك فأن الإعلام الأميركي عادة ما يتجاهل أنظمة سياسية معينة معروفة بسياساتها القمعية لمجرد أنها تخدم المصالح الأميركية .
وأذا ما كانت العولمة السياسية تهدف إلى تقليص فاعلية الدول أو تقليل دورها(27) ، فأن ذلك ليس غير مقدمة لتعويم مبدأ السيادة بكل أشتراطاته ومقوماته ، حيث يتناقض هذا المبدأ مع متطلبات العولمة ، ويقف في طريق أهدافها التي من بينها رهن القرارات السياسية للدول بيد الشركات متعددة الجنسيات وعواصم الدول الكبرى.
ومما يمكن ملاحظته أن أسوأ الاضطرابات العرقية والاثنية والطائفية في العالم قد حدثت في عصر تصاعد خطاب العولمة وانطلاق ثورة المعلومات خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي ، وهذا الواقع هو إحدى نتائج أسلوب التحريض والإثارة الذي اعتمده إعلام العولمة ومازال بغرض إعادة تشكيل الواقع الدولي وطبيعة النظم السياسية ، بل وحتى القوانين الدولية لخدمة مصالح قوى عظمى بعينها .

4 - من أهداف أعلام العولمة استخدام القدرات التقنية الضخمة والمؤثرة لاضعاف نظم الإعلام الوطنية وتعميق تبعيتها للمؤسسات الإعلامية الدولية الكبرى ، تشترك في ذلك المؤسسات الإخبارية أو الثقافية ، التي كان من نتائج احتكارها الطويل لسوق المعلومات ومن ثم تقنياتها أن جرى تهميش وسائل الإعلام الوطنية وتحويلها الى مجرد وسيط لنقل مضامين المؤسسات الإعلامية الكبرى الى الجماهير المحلية .
وأذا كانت السيطرة قد استمرت عدة عقود على شكل طغيان للمضامين المصنوعة في الغرب ، فأن الذي حصل في ظل العولمة ومع تقدم تقنيات الاتصال ، أن بدأت مؤسسات إعلام العولمة بمخاطبة الجماهير المحلية مباشرة من خلال الفضائيات والانترنيت ، فباتت وسائل الاعلام الوطنية تواجه تحديات أخطر بعد أن بدأت تخسر جمهورها في أوطانها .
والحقيقة الموضوعية هنا ، أن معظم نظم الإعلام الوطنية هي التي هيأت لاعلام العولمة هذه الفرصة للاستحواذ على الجمهور ، حيث أنها ظلت تتعامل مع الجمهور بطريقة تسلطية بسبب غياب المنافسة ولأن الجمهور مضطر لتعامل معها لعدم وجود بديل ، فما أن ظهرت الفضائيات وسائر الإمكانات الاتصالية ،
انفض الجمهور من حولها ، وسعى الى اعلام غريب لا يستسيغه ولا يجد فيه لونه المحلي ، لكنه كان مضطراً لذلك بعد أن فشلت نظم الإعلام الوطنية بتقديم خدمات معلوماتية وأخبارية مناسبة لجمهورها وكل ذلك صب في النهاية لصالح إعلام العولمة.
وإذا كان كل ما سبق يمثل الجانب السلبي ، فأن للتقنيات الحديثة في ميدان الاتصال مظاهرها الايجابية أيضاً ، فهي :
1- حققت للإنسان ولاول مرة في تاريخه قدرة التواصل الحضاري المباشر مع الآخرين دون اعتبار لحواجز المكان .
2- وفرت فرص الحصول على كم هائل من المعلومات باسرع وقت وأقل كلفة
وهذا التطور عزز بالتأكيد من فرص تطوير البنى العلمية والثقافية للدول النامية
3- شكلت مصدراً جديداً وشبه مجاني للمعلومات والاخبار لوسائل الاعلام الوطنية التي اصبحت لديها خيارات أفضل لانتقاء المعلومات بعد متابعتها في شتى المصادر ومنها مصادر الحدث الاصلية .
خامسا : رؤيـــة نقديــة
يشغل هاجس العولمة ومخاطرها أذهان النخب السياسية والفكرية في العالم ناهيك عن الحكومات التي لا تجد ولاسيما في العالم الثالث فرصة للأفلات من اخطبوط متعدد الاذرع وشديد القوة .
ولقد تبين كما ورد في ثنايا هذا البحث أن تمركز القوة الاتصالية والمالية في دول محددة من الشمال تتقدمها الولايات المتحدة يهئ لها بالتأكيد فرص السيطرة والهيمنة وتشكيل أنماط الرؤية والسلوك لشعوب الارض وحكوماتها ، وهو الذي تمارسه الولايات المتحدة بالفعل ومنذ أن بدأ يتردد اصطلاح العولمة قبل أكثر من عقد ، وهيأ لها فرصة الهيمنة النفسية على العالم ناهيك عن الهيمنة السياسية والاقتصادية .
غير أن هذا الواقع يواجه بدوره واقعاً آخر يتمثل في أن تمركز القوة الاتصالية مثلما هو مصدر للقوة ، يؤشر في أحد جوانبه عدم تكامل الدائرة الاتصالية وانقطاعها عند حد معين لا يتيح للمرسل ( الشمال القوي والغني ) أن يوصل رسالته المعلولمة الى المستقبل المتمثل بأعداد هائلة من الشعوب التي مازالت لا تمتلك أي قدر من التقنيات الاتصالية ناهيك عن أن مشاكلها الاقتصادية والقبلية والطائفية والاجتماعية والسياسية تجعلها بعيدة عن الاهتمام بكل ما يجري خارج محيطها المحلي ومنه بالطبع العولمة وتجلياتها .
وأذا كان مثل هذا الوضع يوحي بتوقف زخم العولمة عند حدود التخلف التقني للكثير من شعوب الارض ، فأنه لا ينبغي أن يوهم أحداً بأن دول الشمال قد توقفت عن العولمة بكل ما تمثله من أيديولوجيا تعكس ارادة الهيمنة وثقافة الاختراق(28) ، كما يقول محمد عابد الجابري وبالتالي فأن هناك وسائل أخرى كثيرة منها تسخير بعض الحكومات في دول العالم الثالث لقيام بمهمة الترويج للعولمة وتمهيد الطريق أمام استحقاقاتها الاقتصادية والسياسية .
وأذا مابقينا في حدود الدائرة الاتصالية وارتباطاتها بالعولمة ، فأننا يمكن أن نجد أن تمركز القوة الاتصالية ( الشكل والمضمون في دول معينة ، لاينبغي أن يكون وحده سبباً في الهجوم عليها ، فقد بذلت هذه الدول جهوداً كبيرة ومبالغ ضخمة لغرض أنجاز تقنيات يمكن أن تخدم البشرية كما يمكن أن تضرها وهو حال أية تقنية أخرى ، وبالتالي فأن من حق هذه الدول أن تستفيد من منجزاتها ، لكن المشكلة تمثلت على الدوام ، بترابط امتلاك التقنية العالية مع ارادة الهيمنة وتحولها الى أيديولوجيا ، تمتزج بشراهة الاستحواذ الاقتصادي المتجسد في النظام الرأسمالي والذي كان سبباً للحملات الاستعمارية منذ عدة قرون .
ويمكن للدارس أن يلاحظ أن دولاً متقدمة معينة مثل فرنسا ، تتوفر على قدر مهم من الامكانات التقنية والمالية ، مازالت ترفض العولمة ، لانها كانت اكثر بعداً من سواها عن أيديولوجيا الهيمنة منذ عدة عقود وهذا الامر يمكن أن يؤكد أن الدول المتقدمة من حقها أن تحتفظ لنفسها بمزية الانجاز التقني المعاصر ولكن على أن لا يتضمن ذلك غزو الاخرين واستلابهم .
لكن مثل هذا المطلب سيظل غير واقعي على الاغلب لان حقيقة تمركز القوة الاعلامية والاتصالية لايمكن الا أن يقود الى احتكار مصادر محددة للمعلومات والصـور التي تشكـل افكارنا .(29)
البعد الاخر يتمثل بدول العالم الثالث ، التي ترفض العولمة ، لانها لا تمتلك قدرة مواجهتها متهمة الغرب بشتى الاوصاف ، وهو أمر قديم بالطبع ، ويمكن أن نستعيد أحد نماذجه في الجدل الدائر منذ سبعينيات القرن الماضي حول اختلال التدفق الإخباري وسيطرة الوكالات الغربية الكبرى على ( 80 ) بالمائة من حجم التبادل الإخباري في العالم … لقد كان هذا الخلل أحد مقدمات العولمة ، لكن الملاحظ أن الجدل والنقاشات الطويلة لم تغير شيئاً من الواقع ، ليس فقط لان الوكالات الكبرى لم تكن تسمح بذلك ، ولكن أيضاً لان دول العالم الثالث لم تكن قادرة ولا مؤهلة لتصحيح هذا الوضع(30) ، وهي التي تفتقر الى القدرات المالية والمهنية اللازمة لذلك .
وهذا الامر يعني أن على الدول التي ترفض العولمة أو على الاقل أثارها السلبية أن تعمل على ايجاد مناخ يهيئ لها الافادة من ايجابيات العولمة ولا سيما على الصعيد الاتصالي ، ومحاولة الحد من آثاره السلبية وذلك من خلال تحصين المجتمع وتدعيم اركانه وتعزيز الحريات العامة ، وتطوير البنية الاقتصادية بطريقة سليمة والحفاظ على الاستقرار السياسي وسوى ذلك من الخطوات التي تجعل من أضرار العولمة أخف وطأة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الإثنين أغسطس 22, 2011 8:40 pm

استنتاجات عامــــة
عالج هذا البحث العولمة بوصفها ظاهرة اقتصادية ، سرعان ما تداخلت مع المتغيرات السياسية والثقافية والإعلامية ، لتصبح تحدياً رئيسياً لدول الجنوب الفقيرة والناميـة التي لا يقدم الشمال ( القوي والغني ) فرصة إلا واستخدمت لمحاصرة هذه الدول وغزوها اقتصادياً وثقافياً وفكرياً .
ومن خلال وصف البعد الاتصالي للعولمة متجسداً بالتطور التكنولوجي الحالي في ميدان الإعلام والاتصال ، نبه هذا البحث الى ما يأتي :-
1- أن القوة التقنية في ميدان الاتصال والمعلومات والإعلام متمركزة في الدول المتقدمة ، وأن هذه القوة هي التي تقوم اليوم بتشغيل الآلة الإعلامية الدولية ، بما في ذلك تزويد نظم الإعلام الوطنية بالمضامين المختلفة .
2- أن هذا التمركز يقود الى استنتاج منطقي ، بأن العولمة كأيديولوجيا رأسمالية هدفها النهائي تكريس الهيمنة الغربية على العالم تستخدم القوة الاتصالية والإعلامية كوسيط أساسي لغزو الوعي الدولي ونشر ( ثقافة ) العولمة أو فرضها ولو بالقسر والإرهاب الفكري ، وهذا الأمر يفسر أسباب شيوع اصطلاح العولمة خلال تسعينيات القرن الماضي ، مع التطور المتسارع لتقنيات الاتصال برغم أن العولمة بحد ذاتها ظاهرة أقدم من هذا التأريخ .
3- أن العولمة هي بالتأكيد امتداد بل نتيجة لتطور النظام الرأسمالي والفكر والممارسة الإمبريالية التي يختص بها الغرب بشكل عام لكن الولايات المتحدة من بين كل دول الغرب ، هي التي تتزعم حركة التبشير بالظاهرة ونشرها ، الأمر الذي جعل البعض يعد أن العولمة هي في واقع الحال ( أمركة ) للعالم .
4- أن تمركز القوة الاتصالية في الوسائل والمضامين داخل دول الشمال ، كان يقابله غياب تام أو شبه تام لوجود هذه الإمكانات الاتصالية في كثير من دول العالم الثالث ، الأمر الذي يدفع الى التساؤل بجدية ، عما إذا كانت القوة الاتصالية قادرة بالفعل على نشر العولمة ولاسيما بين فئات الملايين من الناس الذين لا يمتلكون حتى وسائل الإعلام التقليدية مثل التلفزيون ، ولا يجيدون القراءة ليطالعوا الصحف ، ناهيك بالطبع عن الحاسوب والإنترنت .
5- أن المقولات التي تتحدث عن العولمة بوصفها واقعاً لا فرار منه ، تتوفر على قدر كبير من الصحة ، لكن المشكلة مازالت تكمن في انصياع العولمة والاستسلام لكل متطلباتها التي لا تسمح بل وتتعارض مع وجود ( الدولة القومية ) ومع مبدأ السيادة ، ذلك أن مثل هذا السلوك هو الذي يفاقم من الآثار السلبية للعولمة ويمنحها فرصة تحقيق أهدافها ، وبدلاً من ذلك ينبغي التعامل مع العولمة بديناميكية تستجيب لمتطلبات العصر ، ولاسيما في مجال ترصين العلاقة بين الجماهير والحكومات في العالم الثالث وتعزيز الوحدة الوطنية واطلاق الحريات ولو بشكل نسبي والتنبه الى ضرورة القيام بتنمية حقيقية وليست ظاهرية أو شكلية .
6- أن العولمة ليست قدراً نهائياً ، لأن هناك الكثير من المجتمعات المحلية مازالت محافظة على هويتها وكل ما يشاع عن الامتداد الأخطبوطي السريع للظاهرة ورافضة لمبدأ الهيمنة ، جزء من حملة العولمة للترويج لنفسها ولإرهاب وعي العالم وجعله يقتنع باستحالة مواجهة العولمة أو حتى المطالبة بتحسين متطلباتها.
7- أنه بالإمكان الحصول على نتائج إيجابية من وراء العولمة مثل إمكانيات التواصل والاندماج في المجتمع الدولي والتكامل الاقتصادي وتعزيز حرية انتقال الخدمات والاستثمار وتحقيق قدر من الرفاهية لشعوب العالم الثالث ، لكن الغالب أن دول الشمـال القوية لن تسمح بمثل هـذا الأمر وهـي تسعى جاهـدة لتأخذ لا لتعطي .
8- وأخيراً ، فأن تكنولوجيا الاتصال التي تستخدمها العولمة وسيلة لغرض الهيمنة ، يمكن أن تكون هي ذاتها واحدة من أدوات التصدي لظاهرة وتحجيم أثارها السلبية من خلال ما تقدمه من إمكانيات في إيصال الرسائل الإعلامية إلى كافة أنحاء الرقعة الجغرافية للبلدان المعنية ، شريطة أن تعنى الدول بالمضامين وما تتضمنه مـن منهج تنموي وأنساني ورؤيـة وطنية ، ومناخ مـن حرية الفكر والرأي .




هوامش البحــث

1- السيد ياسين – في مفهوم العولمة – كتاب العرب والعولمة – بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت – 1998 ص 26
2- صادق جلال العظم – ماهي العولمة – ورقة بحثية – المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – تونس –1991 .
3- المبادئ الاقتصادية المؤسسة للعولمة من منظور تاريخي – ترجمة : حسين بيومي – الثقافة العالمية ( مجلة ) – الكويت – العدد 104 يناير – فبراير –2001 ص 54 .
4- راجع بخصوص ذلك : السيد ياسين – مصدر سابق – ص30 – 32 ، علماً أن دراسة روبرتسون تعود الى العام 1998 .
5- كنموذج لحجم ما حققته الشركات عابرة القومية أو متعددة الجنسيات ، نشير الى أن حجم انتاجها الكلي ( خارج بلدانها الاصلية ) بلغ في عام 1974 ( 635 ) مليار دولار ، فيما بلغ في العام 1983 ، ( 1536 ) مليار دولار أما حجم التدفق السنوي للاستثمار الاجنبي المباشر في العالم فقد تضاعف ثلاث مرات فيما بين العامين 1970 و 1980 ، للمزيد ، راجع : محمد السيد سعيد – الشركات عابرة القومية ومستقبل الظاهرة القومية – عالم المعرفة – الكويت – العدد 107 – نوفمبر – 1986
ص 13 –21 .
6- لاشك أن دولاً قليلة مثل العراق كانت أكثر دقة في تشخيص الواقع الدولي آنذاك ، وواجهت العولمة بشكل واضح ، وفضلت ممارسة خياراتها الوطنية المستقلة ، لكن نظام الهيمنة لم يكن يسمح بذلك فكانت تلك السياسة المستقلة للعراق واحدة من أسباب العدوان عليه في عام 1991 .
7- كمال مجيد – العولمة والديمقراطية – دار الحكمة – لندن 2000 ص 27 .
8- يتجسد التفوق المالي الاميركي بقدرات اقتصادية ضخمة داخل اميركا وخارجها ، وبدخل قومي بلغ خلال عام 2000 أكثر من ( 6.3 ) تريليون دولار ، مقابل
( 3.2 ) تريلون دولار لمجموع دول الاتحاد الاوربي ، و ( 3 ) تريلون في اليابان ، ونفس الحال ينطبق على القدرات الاعلامية والاتصالية حيث أن اربع مجاميع من الكارتلات الاعلامية الكبرى ( شركات الوسائل والمحتوى ) من أصل ست مجاميع في العالم هي اميركية ومجموعة واحدة أوربية ومجموعة سادسة أسترالية اميركية ، كما أن احصاءات اليونسكو تتحدث عن ( 300 ) شركة اعلامية هي الاولى في العالم ( 144 ) منها اميركية .
9- أ ر . أيه .بوكانان – الالة قوة وسلطة – التكنولوجيا والانسان منذ القرن 17 حتى الوقت الحاضر – ترجمة : شوقي جلال – عالم المعرفة – الكويت – تموز 2000 ص 196 .
10- نبيل دجاني – البعد الثقافي والاتصالي في ضوء النظام العالمي الجديد – المستقبل العربي – بيروت – العدد 224 تشرين أول 1997 – ص 59 .
11- غسان سلامة – نقد الفكرة العربية من موقع التمسك بها – المستقبل العربي – العدد 275 بيروت – كانون الثاني 2002 ص 19 .
12- عبد الجليل كاظم الوالي – جدلية العولمة بين الاختيار والرفض – المستقبل العربي – المصدر السابق ص68 .
13- انطوان بطرس – الانترنت شبكة تحتوي العالم – في كتاب حضارة الحاسوب والانترنت – كتاب العربي – نيسان 2000 ص177 .
14- انطوان زحلان – تقانة المعلومات – المستقبل العربي – العدد 269 – تموز 2001 ص 26 .
* من المعروف أن خطوط الهاتف تمثل البنية الاولية الاساسية لاقامة شبكة الانترنت.
15- عبد الجليل كاظم الوالي – مصدر سابق- ص 68 .
16- احصاءات منظمة اليونسكو – الشاهد – نيقوسيا – السنة 15 – العددان 179 – 180 تموز 2000 ص 66 .
17- العرب والعولمة مصدر سابق – ص124 .
18- شون ماكبرايد وآخرون – اصوات متعددة وعالم واحد – نقرير اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال – الشركة الوطنية للنشر والتوزيع – الجزائر 1981
ص 144 .
19- هانس بيتر مارتن – وهارالد شومان – فخ العولمة : الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية – ترجمة : عدنان عباس علي – سلسلة عالم المعرفة – الكويت – اكتوبر 1998 ص 70 .
20- انطوان زحلان – مصدر سابق – ص25 .
21- العرب والعولمة – مصدر سابق – ص 135 .
22- المصدر السابق – ص 39 .
23- هربرت شيللر – الاعلام والاتصال قضية دولية بالنسبة لواشنطن – مجلة أم المعارك – العدد 23 خريف 2000 ص 31 .
24- السيد أحمد مصطفى عمر – اعلام العولمة وتأثيره في المستهلك – المستقبل العربي – بيروت – العدد 256 – حزيران 2000 ص 76 .
25- المصدر السابق ص 80 .
26- ياس خضير البياتي – الفضائيات : الثقافة الواحدة وسلطة الصورة – دراسة حالة مدينة الزاوية الغربية في ليبيا – المستقبل العربي – بيروت – العدد 267 مايس 2001 ص 125 .
27- عبد الجليل كاظم الوالي – مصدر سابق ص 71 .
28- محمد عابد الجابري – العولمة والهوية الثقافية : عشر اطروحات – المستقبل العربي – السنة 20 العدد 228 – شباط 1998 ص 14 – 22 .
29- فيليب تايلور – قصف العقول – ترجمة : سامي خشبة – عالم المعرفة – نيسان 2000 ص 379 .
30- راجع بخصوص الجدل حول هذا الموضوع : وتولد ريبكزينسكي – ترويض النمر : الكفاح من أجل السيطرة على التكنولوجيا – ترجمة . : فاخر عبد الرزاق – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1990 ص 97 – 106 .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:32 pm

العولمة هي مصطلح يشير المعنى الحرفي له إلى تلك العملية التي يتم فيها تحويل الظواهر المحلية أو الإقليمية إلى ظواهر عالمية. ويمكن وصف العولمة أيضًا بأنها عملية يتم من خلالها تعزيز الترابط بين شعوب العالم في إطار مجتمع واحد لكي تتضافر جهودهم معًا نحو الأفضل. تمثل هذه العملية مجموع القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.[1] وغالبًا ما يستخدم مصطلح "العولمة" للإشارة إلى العولمة الاقتصادية؛ أي تكامل الاقتصاديات القومية وتحويله إلى اقتصاد عالمي من خلال مجالات مثل التجارة والاستثمارات الأجنبية المباشرة وتدفق رؤوس الأموال وهجرة الأفراد وانتشار استخدام الوسائل التكنولوجية.[2] كتبت "ساسكيا ساسن" أن "من مزايا العولمة أنها كظاهرة تشتمل في حد ذاتها على تنوع كبير من مجموعة من العمليات الصغيرة التي تهدف إلى نزع سيطرة الدول على كل ما أسس فيها ليكون قوميًا - سواء على مستوى السياسات أو رأس المال أو الأهداف السياسية أو المناطق المدنية والحدود الزمنية المسموح بها أو أي مجموعة أخرى بالنسبة لمختلف الوسائل والمجالات". كذلك، فقد جاء عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا التابعة للأمم المتحدة والمعروفة باسم "الاسكوا" أن مصطلح العولمة أصبح واسع الانتشار والاستخدام الآن؛ حيث يمكن أن يتم تعريفه بالكثير من الطرق المختلفة. فعندما يتم استخدام مصطلح "العولمة" في سياقه الاقتصادي، فإنه سيشير إلى تقليل وإزالة الحدود بين الدول بهدف تسهيل تدفق السلع ورءوس الأموال والخدمات والعمالة وانتقالها بين الدول، على الرغم من أنه لا تزال هناك قيود كبيرة مفروضة على موضوع تدفق العمالة بين الدول. جدير بالذكر أن ظاهرة العولمة لا تعد ظاهرة جديدة. فقد بدأت العولمة في الانتشار في أواخر القرن التاسع عشر، ولكن كان انتشارها بطيئًا في أثناء الفترة الممتدة ما بين بداية الحرب العالمية الأولى وحتى الربع الثالث من القرن العشرين. ويمكن أن يرجع هذا البطء في انتشار العولمة إلى اتباع عدد من الدول لسياسات التمركز حول الذات بهدف حماية صناعاتها القومية الخاصة بها. ومع ذلك، فقد انتشرت ظاهرة العولمة بسرعة كبيرة في الربع الرابع من القرن العشرين...". [3] من ناحية أخرى، يعرف "توم جي بالمر" (Tom G. Palmer) في معهد كيتو Cato Institute بواشنطن العاصمة، العولمة بأنها عبارة عن "تقليل أو إلغاء القيود المفروضة من قبل الدولة على كل عمليات التبادل التي تتم عبر الحدود وازدياد ظهور النظم العالمية المتكاملة والمتطورة للإنتاج والتبادل نتيجة لذلك". [4] أما "توماس إل فريدمان" (Thomas L. Friedman) فقد تناول تأثير انفتاح العالم على بعضه البعض في كتابه "العالم المسطح" وصرح بأن الكثير من العوامل مثل التجارة الدولية ولجوء الشركات إلى المصادر والأموال الخارجية لتنفيذ بعض أعمالها وهذا الكم الكبير من الإمدادات والقوى السياسية قد أدت إلى دوام استمرار تغير العالم من حولنا إلى لأفضل والأسوأ في الوقت نفسه. كذلك، فقد أضاف أن العولمة أصبحت تخطو خطوات سريعة وستواصل تأثيرها المتزايد على أساليب ومؤسسات مجال التجارة والأعمال.[5] ذكر العالم والمفكر "ناعوم تشومسكي" (Noam Chomsky) أن مصطلح العولمة قد أصبح مستخدمًا أيضًا في سياق العلاقات الدولية للإشارة إلى شكل الليبرالية الجديدة للعولمة الاقتصادية.[6] ذكر "هيرمان إيه دالي" (Herman E. Daly) أنه أحيانًا ما يتم استخدام مصطلحي "العولمة" و"التدويل" بالتبادل على الرغم من وجود فرق جوهري بين المصطلحين. فمصطلح "التدويل" يشير إلى أهمية التجارة والعلاقات والمعاهدات الدولية وغيرها مع افتراض عدم انتقال العمالة ورءوس الأموال بين الدول بعضها البعض.

لفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization) وبعضهم يترجمها بالكونية[2]، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، وبعضهم بالشوملة[3]، إلا إنه في الآونة الأخيرة أشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة وأصبح هو أكثر الترجمات شيوعاً بين أهل الساسة والاقتصاد والإعلام.

وتحليل الكلمة بالمعنى اللغوي يعني تعميم الشيء وإكسابه الصبغة العالمية وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله [4]. يقول "عبد الصبور شاهين " عضو مجمع اللغة العربية :" فأما العولمة مصدراً فقد جاءت توليداً من كلمة عالم ونفترض لها فعلاً هو عولم يعولم عولمة بطريقة التوليد القياسي... وأما صيغة الفعللة التي تأتي منها العولمة فإنما تستعمل للتعبير عن مفهوم الأحداث والإضافة.

وكثرت الأقوال حول تعريف معنى العولمة حتى أنك لا تجد تعريفاً جامعاً مانعاً يحوي جميع التعريفات وذلك لغموض مفهوم العولمة، ولاختلافات وجهة الباحثين فتجد للاقتصاديين تعريف، وللسياسيين تعريف، وللاجتماعيين تعريف وهكذا، ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى ثلاثة أنواع : ظاهرة اقتصادية، وهيمنة أمريكية، وثورة تكنولوجية واجتماعية.
لقد استخدم علماء الاقتصاد مصطلح "العولمة" منذ ثمانينيات القرن العشرين على الرغم من أنه كان مستخدمًا في العلوم الاجتماعية في ستينيات القرن العشرين. ومع ذلك، فإن مبادئ وأفكار العولمة لم تنتشر حتى النصف الثاني من ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

تم وضع المبادئ والأفكار النظرية الأولى للعولمة على يد الأمريكي "تشارلز تيز راسيل" (Charles Taze Russell) الذي أصبح قسًا بعد أن كان رأسماليًا وصاحب شركات، كما أنه يعد أول من توصل إلى مصطلح "الشركات العملاقة" في عام 1897. [7][8] تعتبر العولمة بمثابة عملية تمتد عبر العديد من القرون وتتأثر بنمو السكان ومعدلات ازدهار الحضارة والتي زادت بشكل كبير على مدار الخمسين سنة الماضية.

تمثلت أولى أشكال العولمة في أثناء وجود الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الساسانية وأسرة هان الحاكمة في الصين التي عملت على توحيد أقطار الصين والاهتمام بالآداب والفنون عندما بدأ البشر يعرفون طريق التجارة المعروف باسم "سيلك رود" الذي يصل إلى حدود بلاد فارس ويستمر في اتجاه روما. كذلك، يعد العصر الذهبي الإسلامي مثالاً واضحًا على انتشار العولمة؛ وخاصةً عندما أسس المستكشفون والتجار المسلمون أول نظام اقتصادي عالمي في العالم القديم، مما ترتب عليه انتشار العولمة في الكثير من المجالات مثل المحاصيل الزراعية والتجارة والعلم والمعرفة والتكنولوجيا. كذلك، فإنه لاحقًا في أثناء سيادة الإمبراطورية المغولية، حدث تكامل كبير بين الدول الواقعة على طول طريق التجارة "سيلك رود" الرابط بين الصين والإمبراطورية الرومانية. وقد بدأت العولمة في الانتشار بشكل أكبر قبل أنقضاء القرن السادس عشر مباشرة عند تأسيس مملكتي شبه جزيرة أيبيريا - مملكة البرتغال ومملكة قشتالة. عملت الرحلات الاستكشافية للكثير من دول العالم والتي أشرفت عليها دولة البرتغال في القرن السادس عشر على ربط القارات والاقتصاديات والحضارات بشكل كبير على وجه الخصوص. تعتبر رحلات التجارة والرحلات الاستكشافية التي أشرفت عليها البرتغال في معظم دول ساحل أفريقيا وجنوب شرق أمريكا وشرق وغرب آسيا من أولى صور رحلات التجارة الكبرى التي قامت على العولمة. وبعدها، استطاعت البرتغال القيام بالعديد من رحلات التجارة عبر مختلف دول العالم واستعمار العديد من الدول ونشر ثقافتها بها. استمر هذا التكامل بين دول العالم من خلال ازدياد توسع التجارة الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر عندما استطاعت كل من الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية استعمار أمريكا بعد استعمار فرنسا وإنجلترا لها. جدير بالذكر أن للعولمة تأثيرًا كبيرًا على الثقافات والحضارات وخاصة الحضارات المتأصلة في بلادها عبر أنحاء العالم. لقد كانت شركة غينيا Company of Guinea التي أنشأتها البرتغال في غينيا في القرن الخامس عشر من أولى الشركات التجارية بالمعنى القانوني المعروف اليوم والتي أسسها الأوروبيون في قارة أخرى في أثناء عصر استكشاف الدول والقارات؛ حيث تمثلت مهمتها في تجارة التوابل وتثبيت أسعار السلع والبضائع. أما في القرن السابع عشر، أصبحت العولمة ظاهرة تجارية عندما تم تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية (British East India Company) (عام 1600) - والتي غالبًا ما يتم وصفها بأنها من أولى الشركات متعددة الجنسيات – وكذلك عندما تم تأسيس شركة الهند الشرقية الهولندية (Dutch East India Company) (عام 1602) وشركة الهند الشرقية البرتغالية (Portuguese East India Company) (عام 1628). وبسبب الاحتياجات المالية والاستثمارية الكبيرة فضلاً عن المخاطر العالية التي اكتنفت مجال التجارة الدولية، أصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية الشركة الأولى في العالم لمشاركة المخاطر وإتاحة الملكية المشتركة للشركات من خلال إصدار الأسهم، الأمر الذي مثل عاملاً مهمًا للتشجيع على انتشار العولمة. تحقق انتشار العولمة من جانب الإمبراطورية البريطانية (أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ) بفضل كبر مساحتها ونفوذها. وقد استطاعت بريطانيا فرض أفكارها وثقافتها الخاصة بها على الدول الأخرى في أثناء تلك الفترة. أحيانًا ما يطلق على القرن التاسع عشر "العصر الأول للعولمة". فقد اتسم هذا القرن بتزايد ازدهار التجارة الدولية والاستثمار بين القوى الاستعمارية الأوروبية ومستعمراتها ولاحقًا بين الولايات المتحدة الأمريكية. وفي أثناء تلك الفترة الزمنية برزت بعض المناطق على خريطة العالم وأصبح لها دور في النظام العالمي؛ مثل تلك المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا وكذلك جزر المحيط الهادي. وقد بدأ "العصر الأول للعولمة" في الاضمحلال مع بداية القرن العشرين عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. يقول "جون ماينارد كينيس"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:34 pm

يذهب بعض الباحثين إلى أن العولمة ليست وليدة اليوم ليس لها علاقة بالماضي؛ بل هي عملية تاريخية قديمة مرت عبر الزمن بمراحل ترجع إلى بداية القرن الخامس عشر إلى زمن النهضة الأوروبية الحديثة حيث نشأت المجتمعات القومية.. فبدأت العولمة ببزوغ ظاهرة الدولة القومية عندما حلت الدولة محل الإقطاعية، مما زاد في توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدوداً بحدود المقاطعة.

وذهب بعض الباحثين إلى أن نشأة العولمة كان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، إلا أنها في السنوات الأخيرة شهدت تنامياً سريعاً. يقول إسماعيل صبري :" نشأت ظاهرة الكوكبة (العولمة) وتنامت في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي حالياً في أوج الحركة فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن نسمع أو نقرأ عن اندماج شركات كبرى، أو انتزاع شركة السيطرة على شركة ثانية.

إن الدعوة إلى إقامة حكومة عالمية، ونظام مالي عالمي موحد والتخلص من السيادة القومية بدأت في الخطاب السياسي الغربي منذ فترة طويلة فهذا هتلر يقول في خطابه أمام الرايخ الثالث :" سوف تستخدم الاشتراكية الدولية ثورتها لإقامة نظام عالمي جديد" وفي كتابات الطبقة المستنيرة عام 1780:" من الضروري أن نقيم إمبراطورية عالمية تحكم العالم كله "

وجاء في إعلان حقوق الإنسان الثاني عام 1973 :" إننا نأسف بشدة لتقسيم الجنس البشري على أسس قومية. لقد وصلنا إلى نقطة تحول في التاريخ البشري حيث يكون أحسن اختيار هو تجاوز حدود السياسة القومية، والتحرك نحو بناء نظام عالمي مبني على أساس إقامة حكومة فيدرالية تتخطى الحدود القومية "

وقال بنيامين كريم أحد قادة حركة العصر الجديد عام 1982 :" ما هي الخطة ؟ أنها تشمل إحلال حكومة عالمية جديدة، وديانة جديدة."

وكانت ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر قد اقترحت فكرة العولمة يرافقها في ذلك الرئيس الأمريكي السابق رولاند ريغن. ووجهة نظر تاتشر الاقتصادية ـ والتي عُرفت بالتاتشرية ـ انبثقت من الاستحواذ اليهودي للمال والعتاد … حيث أن فكرتها الاقتصادية والتي صاغها اليهودي جوزيف وهي تهدف بجعل الغني أغنى والفقير أفقر.

ويذكر "بات روبرتسون " إن النظام العالمي الجديد نظام ماسوني عالمي، ويعلل على ما يقول : " بأن على وجهي الدولار مطبوع علامة الولايات المتحدة، وهي عبارة عن النسر الأمريكي ممسكاً بغصن الزيتون رمز السلام بأحد مخالبه، وفي المخلب الآخر يوجد 13 سهماً رمز الحرب. وعلى الوجه الآخر هرم غير كامل، فوقه عين لها بريق المجد، وتحت الهرم كلمات لاتينيه (Novus Order Seclorum) وهي شطرة من شعر فرجيل الشاعر الروماني القديم معناها " نظام جديد لكل العصور ". إن الذي صمم علامة الولايات المتحدة هذه هو تشارلز طومسون، وهو عضو في النظام الماسوني وكان يعمل سكرتير للكونجرس. وهذا الهرم الناقص له معنى خاص بالنسبة للماسونيين، وهو اليوم العلامة المميزة لأتباع حركة العصر الجديد." وبعد تحليل ليس بطويل يصل المؤلف إلى وجود علاقة واضحة تربط بين النظام الماسوني والنظام العالمي الجديد.

وقد جاء في مجلة المجتمع بحثاً عن منظمة "بلدربرج" والذي أسسها رجل الأعمال السويدي " جوزيف هـ. ريتنجر" ـ والذي سعى إلى تحقيق الوحدة الأوروبية، وتكوين المجتمع الأطلسي ـ وهي منظمة سرية تختار أعضاءها بدقة متناهية من رجال السياسة والمال، وتعقد اجتماعاتها في داخل ستار حديدي من السرية، وفي حراسة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، ولا تسمح لأي عضو بالبوح بكلمة واحدة عن مناقشاتها، ولا يحق للأعضاء الاعتراض أو تقديم أي اقتراح حول مواضيع الجلسات، ويمول هذه المنظمة مؤسسة روكفلور اليهودية وبنك الملياردير اليهودي روتشيلد، ومعظم الشخصيات في هذه المنظمة هم من الماسونيين الكبار، وكثير من رؤساء الولايات المتحدة نجحوا في الانتخابات بعد عضويتهم في هذه المنظمة مثل : ريجان، وكارتر، وبوش، وكلينتون، وبعد اشتراك تاتشر في المنظمة بسنتين أصبحت رئيسة وزراء إنجلترا، وكذلك بيلر أصبح رئيساً للوزراء بعد مضي أربع سنوات من اشتراكه في المنظمة، وهي تسعى للسيطرة على العالم وإدارته وفق رؤيتها، فقرارتها تؤثر على التجارة الدولية وعلى كثير من الحكومات.

فالعولمة نشأت مع العصر الحديث وتكونت بما أحدثه العلم من تطور في مجال الاتصالات وخصوصاً بعد بروز الإنترنت والتي أتاحت مجال واسع في التبادل المعرفي والمالي، وارتباط نشأة الدولة القومية بالعولمة في العصر الحاضر فيه بعد عن مفهوم العولمة والذي يدعو أساساً إلى نهاية سيادة الدولة والقضاء على الحدود الجغرافية، وتعميم مفهوم النظام الرأسمالي واعتماد الديموقراطية كنظام سياسي عام للدول. ولكن هناك أحداث ظهرت ساعدت على بلورة مفهوم العولمة وتكوينه بهذه الصيغة العالمية فانهيار سور برلين، وسقوط الاشتراكية كقوة سياسية وإيديولوجية وتفرد القطب الأوحد بالسيطرة والتقدم التكنولوجي وزيادة الإنتاج ليشمل الأسواق العالمية أدت إلى تكوين هذا المفهوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:35 pm

يرى كثير من الباحثين إن العولمة تسعى إلى جذبنا إلى أفكار يراد لنا أن نسلم بها وهي الأهداف الحقيقية للعولمة ويمكن إيجازها في عدة نقاط:

أولاً: التحكم في الاقتصاد العالمي وإخضاعه لمصالح الدول الكبرى وذلك عن طريق حرية السوق والتعامل المشترك بين الدول، وتأمين مزيد من الأسواق للاستهلاك، ومزيد من الثروات للاستيلاء عليها.

ثانياً: تشكيل النظام العالمي المالي ليندرج تحت المظلة الرأسمالية الغربية والتي يحكمها الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، وإن انتصار النظام الرأسمالي دليل على صلاحيته وإنه أفضل صيغة يمكن للعقل البشري أن يصل إليها، ولا يمكن لدول العالم أن تخرج من تخلفها إلا بدخولها في المنظومة الرأسمالية.

ثالثاً: القرية الكونية الصغيرة ومحاولة ربط الإنسان بالعالم لا بالدولة والتي تعني القضاء على سلطة الدولة والمشاعر الوطنية، ودمج العالم في وحدة إعلامية واحدة تنطلق من منطلق معلوماتية واحدة.

رابعاً: الهيمنة السياسية على دول العالم الثالث، واستعمار ممتلكاتها وخيراتها. فيكون التعامل على وفق نظرية داروين "البقاء للأصلح" فلا بقاء للضعيف ؛ بل يجب إقصاءه حتى ينقضي ويفنى، فالضعيف مهمش ويجب أن ينبذ عن الطريق "اصطفاء الأنواع".

خامساً :التذويب الحضاري لسائر الحضارات التي تحمل قيماً مضادة لقيم الحضارة الغربية وعلى رأسها الحضارة الإسلامية باعتبارها المحرك الأول لمقاومة الحضارة الغربية. وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي " صموئيل هنتنجتون" :" إنه لا مجال ولا إمكانية للتعايش مع الحضارة الإسلامية لأنها تختلف عن الحضارة الغربية وإن المواجهة التي انتهت ضد الحزب الشيوعي تركت الفضاء مفتوحاً أمام مواجهة جديدة لا تكون إلا مع الغرب وقيمه، والإسلام الذي هو غير قيم الغرب ؛ بل هو مغاير للحضارة الغربية، ولحقوق الإنسان، ولسيادة الحق والنظم الديموقراطية يجب مقاومته ". وهذا ما صرح به "نيكسون" في كتابه " الفرصة الأخيرة ":"إنه بعد سقوط الشيوعية لم يعد هناك عدو سوى الإسلام". فيجب القضاء على التعصب الديني والقومي والإقليمي ومزج الأمم في الحضارة الغربية.

سادساً : إعادة بناء هيكليات أقطار العالم السياسية في صيغ تكرس الشرذمة والتشتت الإنساني، وتفكك الأوطان والقوميات إلى كيانات هزيلة قائمة على نزعات قبلية عرقية أو دينية طائفية أو لغوية ثقافية، بغية سلب أمم العالم وشعوبها القدرة على مواجهة الزحف المدمر للرأسمالية العالمية والتي لا تستقر إلا بالتشتت الإنساني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:36 pm

يرى كثير من الباحثين إن العولمة تسعى إلى جذبنا إلى أفكار يراد لنا أن نسلم بها وهي الأهداف الحقيقية للعولمة ويمكن إيجازها في عدة نقاط:

أولاً: التحكم في الاقتصاد العالمي وإخضاعه لمصالح الدول الكبرى وذلك عن طريق حرية السوق والتعامل المشترك بين الدول، وتأمين مزيد من الأسواق للاستهلاك، ومزيد من الثروات للاستيلاء عليها.

ثانياً: تشكيل النظام العالمي المالي ليندرج تحت المظلة الرأسمالية الغربية والتي يحكمها الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، وإن انتصار النظام الرأسمالي دليل على صلاحيته وإنه أفضل صيغة يمكن للعقل البشري أن يصل إليها، ولا يمكن لدول العالم أن تخرج من تخلفها إلا بدخولها في المنظومة الرأسمالية.

ثالثاً: القرية الكونية الصغيرة ومحاولة ربط الإنسان بالعالم لا بالدولة والتي تعني القضاء على سلطة الدولة والمشاعر الوطنية، ودمج العالم في وحدة إعلامية واحدة تنطلق من منطلق معلوماتية واحدة.

رابعاً: الهيمنة السياسية على دول العالم الثالث، واستعمار ممتلكاتها وخيراتها. فيكون التعامل على وفق نظرية داروين "البقاء للأصلح" فلا بقاء للضعيف ؛ بل يجب إقصاءه حتى ينقضي ويفنى، فالضعيف مهمش ويجب أن ينبذ عن الطريق "اصطفاء الأنواع".

خامساً :التذويب الحضاري لسائر الحضارات التي تحمل قيماً مضادة لقيم الحضارة الغربية وعلى رأسها الحضارة الإسلامية باعتبارها المحرك الأول لمقاومة الحضارة الغربية. وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي " صموئيل هنتنجتون" :" إنه لا مجال ولا إمكانية للتعايش مع الحضارة الإسلامية لأنها تختلف عن الحضارة الغربية وإن المواجهة التي انتهت ضد الحزب الشيوعي تركت الفضاء مفتوحاً أمام مواجهة جديدة لا تكون إلا مع الغرب وقيمه، والإسلام الذي هو غير قيم الغرب ؛ بل هو مغاير للحضارة الغربية، ولحقوق الإنسان، ولسيادة الحق والنظم الديموقراطية يجب مقاومته ". وهذا ما صرح به "نيكسون" في كتابه " الفرصة الأخيرة ":"إنه بعد سقوط الشيوعية لم يعد هناك عدو سوى الإسلام". فيجب القضاء على التعصب الديني والقومي والإقليمي ومزج الأمم في الحضارة الغربية.

سادساً : إعادة بناء هيكليات أقطار العالم السياسية في صيغ تكرس الشرذمة والتشتت الإنساني، وتفكك الأوطان والقوميات إلى كيانات هزيلة قائمة على نزعات قبلية عرقية أو دينية طائفية أو لغوية ثقافية، بغية سلب أمم العالم وشعوبها القدرة على مواجهة الزحف المدمر للرأسمالية العالمية والتي لا تستقر إلا بالتشتت الإنساني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:37 pm

للعولمة العديد من الجوانب التي تؤثر على العالم بأكمله بعدة طرق مختلفة منها:

* على المستوى الصناعي : إنشاء أسواق إنتاج عالمية وتوفير المزيد من السهولة بصدد الوصول إلى عدد كبير من المنتجات الأجنبية بالنسبة للمستهلكين والشركات، فضلاً عن سهولة انتقال الخامات والسلع داخل الحدود القومية وبين الدول بعضها البعض. [بحاجة لمصدر]
* على المستوى المالي : إنشاء الأسواق المالية العالمية وإتاحة مزيد من السهولة واليسر بصدد حصول المقترضين على التمويل الخارجي. ولكن مع نمو وتطور هذه الهياكل العالمية بسرعة تفوق أي نظام رقابي انتقالي، زاد مستوى عدم استقرار البنية التحتية المالية العالمية بشكل كبير – وهو ما اتضح جليًا في الأزمة المالية التي حدثت في أواخر عام 2008. [بحاجة لمصدر]
* على المستوى الاقتصادي : إنشاء سوق عالمية مشتركة تعتمد على حرية تبادل السلع ورءوس الأموال. وعلى الرغم من ذلك، فإن ترابط هذه الأسواق يعني أن حدوث أي انهيار اقتصادي في أية دولة قد لا يمكن احتواؤه. [بحاجة لمصدر]
* على المستوى السياسي : استخدم بعض الأشخاص مصطلح "العولمة" للإشارة إلى تشكيل حكومة عالمية تعمل على تنظيم العلاقات بين الحكومات وتضمن الحقوق المترتبة على تطبيق العولمة الاقتصادية والاجتماعية. فمن الناحية السياسية، تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بمركز قوة كبير بين قوى العالم أجمع بسبب قوة اقتصادها وما لديها من ثروة وفيرة. ومع تأثير العولمة وبمساعدة اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، استطاعت جمهورية الصين الشعبية أن تشهد تطورًا ونموًا كبيرًا في غضون العقد الماضي. وإذا ما واصلت الصين هذا النمو بمعدل مخطط له لمواكبة الاتجاهات الاقتصادية، فإنه من المحتمل جدًا في غضون العشرين عامًا القادمة أن تحدث حركة كبرى لإعادة توزيع مراكز القوة بين قادة العالم. وسوف تتمكن الصين من امتلاك الثروة الكافية والتمتع بازدهار المجال الصناعي بها واستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية لكي تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على زعامة العالم.[19]
* على المستوى المعلوماتي : زيادة كم المعلومات الذي يمكن انتقاله بين المناطق البعيدة من الناحية الجغرافية. ومع أن هذا الأمر يعد مثار الجدل والنقاش، فإنه يعتبر بمثابة تغير تكنولوجي مصحوبًا بظهور وسائل الاتصال المعتمدة على الألياف البصرية والأقمار الصناعية وإتاحة التواصل عن طريق الهاتف والإنترنت بشكل كبير.
* على المستوى اللغوي : تعتبر اللغة الإنجليزية هي الأكثر انتشارًا وتداولاً في العالم أجمع كما يلي:[20]
o تتم كتابة حوالي 35 في المائة من رسائل البريد والتليكس والتلغراف باللغة الإنجليزية.
o تتم إذاعة 40 في المائة تقريبًا من برامج الراديو في العالم باللغة الإنجليزية.

*
o يتم تدفق حوالي 50 في المائة من البيانات عبر شبكة الإنترنت باللغة الإنجليزية.[21]
* على المستوى التنافسي : يستوجب الاستمرار في الأسواق العالمية الجديدة للأعمال والتجارة زيادة معدلات التنافس وتحسين الإنتاجية. ونظرًا لأن السوق قد أصبحت عالمية، فإنه يتعين على الشركات المتخصصة في العديد من المجالات تحسين منتجاتها واستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة بمهارة لمواجهة معدلات التنافس المتزايدة.[22]
* على المستوى البيئي : ظهور تحديات بيئية عالمية قد لا يتم مواجهتها والتصدي لها إلا بالتعاون الدولي. تتمثل هذه التحديات في تغير المناخ وصراع الدول على حدود المياه وتلوث الهواء ومشكلة الصيد الجائر للأسماك في المحيطات وظهور كائنات غريبة واجتياحها للبيئة. لذا، فإنه منذ أن تم تأسيس الكثير من المصانع في الدول النامية دون اتباع لوائح وقوانين البيئة كما ينبغي، فقد تتسبب العالمية وكذلك التجارة الحرة في زيادة معدلات التلوث. على الجانب الآخر، فإن التنمية الاقتصادية تطلبت من الناحية التاريخية مرحلة صناعية لم تكن آمنة من التلوث على الإطلاق. وقد ثار جدل بصدد عدم وجوب منع الدول النامية من زيادة مستوى معيشتها من خلال اتباع مثل هذه اللوائح والقوانين.
* على المستوى الثقافي : تطورت قنوات الاتصال الثقافية المشتركة بين الدول وظهرت صور جديدة من التأكيد على الوعي والهوية التي تجسد مدى انتشار التيار الثقافي والرغبة في زيادة مستوى معيشة الفرد والتمتع بالمنتجات والأفكار الأجنبية الأخرى واتباع الوسائل والأساليب التكنولوجية الحديثة والمشاركة في الثقافة العالمية. ومع ذلك، فإن بعض الأشخاص تتملكهم بالفعل مشاعر الحزن والحسرة على زيادة معدلات الاستهلاك في العالم واندثار العديد من اللغات. انظر أيضًا Transformation of culture. أما عن التغيرات التي أحدثتها الثقافة في العالم فهي تتمثل في الآتي ذكره:

انتشار التعددية الثقافية وإمكانية وصول الفرد بشكل أفضل لشتى صور التنوع الثقافي (من خلال ما يتم مشاهدته في أفلام "هوليوود" و"بوليوود" على سبيل المثال). ولكن من ناحية أخرى، يعتبر البعض أن الثقافة الواردة إلينا من الخارج (أو ما تسمى بالثقافة المستوردة) تمثل خطرًا كبيرًا منذ احتمال أن تحل محل الثقافة المحلية، مما يتسبب في حدوث انخفاض في معدلات التنوع واستيعاب كل ما هو جديد من الثقافات بشكل عام. على الجانب الآخر، يعتبر آخرون أن التعددية الثقافية أمر مفيد من أجل تعزيز السلام وسبل التفاهم بين الشعوب.

*
o زيادة الإقبال على السفر والسياحة في العالم؛ حيث قدرت منظمة الصحة العالمية عدد الأشخاص الذين دومًا ما يقومون برحلات جوية في أي وقت ووجدت أنهم يشكلون أكثر من 500,000 شخص.[23]
o زيادة معدلات الهجرة، بما فيها الهجرة غير الشرعية

*
o انتشار المنتجات المحلية الخاصة بالمستهلك (مثل المواد الغذائية) في الدول الأخرى (وفقًا لثقافتها)
o انتشار بعض الألعاب العالمية، مثل: البوكيمون Pokémon والسودوكو Sudoku وNuma Numa والأوريجامي Origami، والتردد على بعض المواقع العالمية مثل: Idol series وYouTube وOrkut وFacebook وMyspace. وإمكانية الوصول إليها بسهولة بالنسبة لكل من يتوفر لديهم إنترنت وتليفزيون، مع ترك فئة كبيرة من سكان الأرض.
o انتشار الأحداث الرياضية العالمية مثل كأس العالم لكرة القدم ودورة الألعاب الأوليمبية.
o اندماج الشركات متعددة الجنسيات وتحويلها إلى شركات جديدة.

وكأحد رعاة فريق All-Blacks لرياضة الركبي، قامت شركة Adidas بإنشاء موقع ويب محاكي مزود بلعبة ركبي تفاعلية يمكن تنزيلها من أجل محبي ومشجعي اللعبة لممارستها على جهاز الكمبيوتر والتنافس عليها.[24]

* على المستوى الاجتماعي : تطوير المنظمات غير الحكومية كممثلين رئيسيين للسياسة العامة الدولية المتضمنة الجهود التنموية والمساعدات الإنسانية.

[25]

* على المستوى التقني والفني :

*
o تطوير البنية التحتية لوسائل الاتصالات العالمية السلكية واللاسلكية وزيادة سرعة انتقال البيانات وتدفقها عبر حدود الدول باستخدام تقنيات مثل شبكة الإنترنت والأقمار الصناعية الخاصة بالاتصالات وأسلاك الألياف البصرية الموجودة تحت الماء والهواتف اللاسلكية.

*
o زيادة عدد المعايير التي يتم تطبيقها عالميًا؛ مثل: قوانين حقوق الطبع والنسخ وبراءات الاختراع واتفاقيات التجارة الدولية.

* على المستوى القانوني/الأخلاقي :

*
o إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وقيام حركات تدعو لنشر العدل على مستوى العالم منها حركات العدالة الدولية
o انتشار ظاهرة استيراد الجريمة وزيادة الوعي بالجهود الدولية المبذولة والتأكيد على أهمية التعاون للتصدي لمختلف الجرائم

*
o سن القانون الإداري الدولي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:38 pm

عملت شبكة الإنترنت على إزالة الحدود الثقافية عبر مختلف دول العالم عن طريق إتاحة اتصال سهل وسريع بين الأفراد في أي مكان عن طريق مختلف أجهزة الإعلام والوسائل الرقمية. وترتبط شبكة الإنترنت بالعولمة الثقافية لأنها تتيح التفاعل والتواصل بين الأفراد من مختلف الثقافات وأساليب الحياة. كذلك، تسمح مواقع الويب التي يتشارك فيها الأفراد صورهم بمزيد من التفاعل حتى ولو كانت اللغة تشكل عائقًا أمامهم. فقد أصبح من الممكن بالنسبة لأي شخص في أمريكا أن يتناول النودلز اليابانية على الغداء. كما أصبح من الممكن بالنسبة للقاطن مدينة سيدني في أستراليا أن يتناول الطعام الأكثر شعبية في إيطاليا ألا وهو كرات اللحم. ومن ثم، فقد أصبح الطعام يشكل مظهرًا واحدًا من مظاهر الثقافة المتعددة والمتأصلة بأية دولة. فالهند، على سبيل المثال، تشتهر بالكاري والتوابل الغريبة، أما باريس فتشتهر بمختلف أنواع الجبن، في حين تشتهر الولايات المتحدة الأمريكية بالبرجر والبطاطس المحمرة. قديمًا، كان الطعام المقدم في مطاعم ماكدونالدز هو الطعام المفضل لدى الأمريكيين فقط بصورته المبهجة الباعثة على الحظ وكذلك بوجود شخصية رونالد دائمة الظهور في إعلانه وألوانه الحمراء والصفراء المعروفة ووجباته السريعة المتعددة الشهية. أما الآن، فقد أصبح هذا المطعم مطعمًا عالميًا؛ حيث أضحى له 31,000 فرع حول العالم بما فيها الكويت ومصر ومالطا. ومن ثم، يعد هذا المطعم خير مثال على انتشار الطعام على أساس عالمي. كذلك، يعد التأمل من الأساليب التي تلقى احترامًا وتقديسًا منذ قرون في الثقافة الهندية. فالتأمل يعمل على تهدئة الجسم ويساعد المرء في إدراك ذاته الداخلية وتجنب أي وضع يضر بها. قبل العولمة، كان الأمريكيون لا يمارسون تمارين التأمل أو اليوجا. لكن بعد العولمة، أصبح التأمل أسلوبًا شائعًا بينهم حتى أنه اعتبر طريقة مواكبة للحداثة للمحافظة على الرشاقة. حتى أن بعد الأشخاص يسافرون إلى الهند لكي يحصلوا على الخبرة الكاملة في هذا الصدد بأنفسهم. من ناحية أخرى، يعتبر الوشم المتخذ شكل الرموز الصينية من الأساليب الأخرى الشائعة التي ساهمت العولمة في انتشارها. فهذه الرسوم والأشكال تعتبر تقليعة شائعة بين جيل الشباب في هذه الأيام، كما أنها سرعان ما أصبحت سلوكًا معتادًا ومتعارفًا عليه بينهم. ومع امتزاج الثقافات، أصبح استخدام لغة دولة أخرى في أحاديث الأفراد أمرًا عاديًا. يتم تعريف الثقافة بأنها مجموعة من أنماط الأنشطة الإنسانية والرموز التي تمنح هذه الأنشطة تلك الأهمية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:40 pm

يعتبر انهيار سور برلين ، وتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط النظام الاشتراكي والذي كان يتقاسم الهيمنة مع الولايات المتحدة انتصاراً للنظام الرأسمالي الليبرالي والتي أظهرت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي يدعو إلى النظام الرأسمالي وتبني أيدلوجية النظام العالمي الاستعماري ــ تحت ستار ...

العولمة [1]ـ والتي تمثل مرحلة متطورة للهيمنة الرأسمالية الغربية على العالم .

إن سقوط النظام الاشتراكي أدى إلى تحول العالم من " نظام الحرب الباردة " المتمركز حول الانقسام والأسوار إلى نظام العولمة المتمركز حول الاندماج وشبكات الإنترنت " تتبادل فيه المعلومات والأفكار والرساميل بكل يسر وسهولة" . وانتصار الرأسمالية على الاشتراكية أدى إلى تحول كثير من الاشتراكيين إلى الرأسمالية والديمقراطية باعتبارها أعلى صورة ـ بزعمهم ـ وصل إليها الفكر الإنساني وأنتجه العقل الحديث حتى عده بعضهم أنه نهاية التاريخ.

تعريف العولمة :

لفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization) وبعضهم يترجمها بالكونية[2]، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، وبعضهم بالشوملة[3] ، إلا إنه في الآونة الأخيرة أشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة وأصبح هو أكثر الترجمات شيوعاً بين أهل الساسة والاقتصاد والإعلام . وتحليل الكلمة بالمعنى اللغوي يعني تعميم الشيء وإكسابه الصبغة العالمية وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله [4]. يقول "عبد الصبور شاهين " عضو مجمع اللغة العربية :" فأما العولمة مصدراً فقد جاءت توليداً من كلمة عالم ونفترض لها فعلاً هو عولم يعولم عولمة بطريقة التوليد القياسي ... وأما صيغة الفعللة التي تأتي منها العولمة فإنما تستعمل للتعبير عن مفهوم الأحداث والإضافة ، وهي مماثلة في هذه الوظيفة لصيغة التفعيل[5]"

وكثرت الأقوال حول تعريف معنى العولمة حتى أنك لا تجد تعريفاً جامعاً مانعاً يحوي جميع التعريفات وذلك لغموض مفهوم العولمة ، ولاختلافات وجهة الباحثين فتجد للاقتصاديين تعريف ، وللسياسيين تعريف ، وللاجتماعيين تعريف وهكذا ، ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى ثلاثة أنواع : ظاهرة اقتصادية ، وهيمنة أمريكية ، وثورة تكنولوجية واجتماعية.

النوع الأول : أن العولمة ظاهرة اقتصادية:

عرفها الصندوق الدولي بأنها :" التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتّمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة إلى رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله [6]" .

وعرفها "روبنز ريكابيرو" الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والنمو ـ بأنها :"العملية التي تملي على المنتجين والمستثمرين التصرف وكأن الاقتصاد العالمي يتكون من سوق واحدة ومنطقة إنتاج واحدة مقسمة إلى مناطق اقتصادية وليس إلى اقتصاديات وطنية مرتبطة بعلاقات تجارية واستثمارية [7]".

وقال محمد الأطرش :" تعني بشكل عام اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة ، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق ، وتاليا خضوع العالم لقوى السوق العالمية ، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة ، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هي الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية القوميات.[8]" بهذا التعريف للعولمة ركز على أن العولمة تكون في النواحي التجارية والاقتصادية التي تجاوزت حدود الدولة مما يتضمن زوال سيادة الدولة ؛ حيث أن كل عامل من عوامل الإنتاج تقريباً ينتقل بدون جهد من إجراءات تصدير واستيراد أو حواجز جمركية ، فهي سوق عولمة واحدة لا أحد يسيطر عليها كشبكة الإنترنت العالمية .
وعند صادق العظم هي :" حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها ، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ[9]".

التعريف الثاني : إنها الهيمنة الأمريكية :

قال محمد الجابري :" العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات ، على بلدان العالم أجمع [10]".فهي بهذا التعريف تكون العولمة دعوة إلى تبنى إيديولوجية معينة تعبر عن إرادة الهيمنة الأمريكية على العالم . ولعل المفكر الأمريكي " فرانسيس فوكوياما " صاحب كتاب " نهاية التاريخ "يعبر عن هذا الاتجاه فهو يرى أن نهاية الحرب الباردة تمثل المحصلة النهائية للمعركة الإيديولوجية التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وهي الحقبة التي تم فيها هيمنة التكنولوجيا الأمريكية .

التعريف الثالث : إنها ثورة تكنولوجية واجتماعية :

يقول الاجتماعي "جيمس روزناو" في تعريفها قائلاً :" العلومة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل : الاقتصاد، السياسة ، الثقافة ، الايديولوجيا ، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج ، تداخل الصناعات عبر الحدود ، انتشار أسواق التويل ، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة[11]".وعرفها بعضهم بأنها : "الاتجاه المتنامي الذي يصبح به العالم نسبياً كرة اجتماعية بلا حدود . أي أن الحدود الجغرافية لا يعتبر بها حيث يصبح العالم أكثر اتصالاً مما يجعل الحياة الاجتماعية متداخلة بين الأمم" .
فهو يرى أن العولمة شكل جديد من أشكال النشاط ، فهي امتداد طبيعي لانسياب المعارف ويسر تداولها تم فيه الانتقال بشكل حاسم من الرأسمالية الصناعية إلى المفهوم ما بعد الصناعي للعلاقات الصناعية .
وهناك من يعرفها بأنها:" زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورؤوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات".وعرفها إسماعيل صبري تعريفاً شاملاً فقال :" هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون الحاجة إلى إجراءات حكومية .[12]"

وبعد قراءة هذه التعريفات ، يمكن أن يقال في تعريف العولمة : أنها صياغة إيديولوجية للحضارة الغربية من فكر وثقافة واقتصاد وسياسة للسيطرة على العالم أجمع باستخدام الوسائل الإعلامية ، والشركات الرأسمالية الكبرى لتطبيق هذه الحضارة وتعميمها على العالم.

الفرق بين العولمة والعالمية :

إن التقابل بين العالمية والعولمة وإيجاد الفرق بينهما فيه نوع من الصعوبة وخصوصاً أن كلمة العولمة مأخوذة أصلاً من العالم ولهذا نجد بعض المفكرين يذهبون إلى أن العولمة والعالمية تعني معنى واحدا وليس بينهما فرق . ولكن الحقيقة أن هذين المصطلحين يختلفان في المعنى فهما مقابلة بين الشر والخير .

العالمية : انفتاح على العالم ، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها . فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية . وخاصية العالمية هي من خصائص الدين الإسلامي ، فهو دين يخاطب جميع البشر ، دين عالمي يصلح في كل زمان ومكان ، فهو لا يعرف الإقليمية أو القومية أو الجنس جاء لجميع الفئات والطبقات ، فلا تحده الحدود . ولهذا تجد الخطاب القرآني موجه للناس جميعا وليس لفئة خاصة فكم آية في القرآن تقول " يا أيها الناس" فمن ذلك قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقوله تعالى :"يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " وقوله تعالى :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظة الناس وقد تجاوزت المأتيين آية ؛ بل إن الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه تنسب أقومهم إليهم " قوم نوح " " قوم صالح " وهكذا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرد الخطاب القرآني بنسبة قومه إليه صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم فهو عالمي بطبعه، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"

ومن أسباب تخلفنا عن الركب الحضاري هو إقصاء الإسلام عن عالميته ، وعدم زجه في كثير من حقول الحياة بزعم المحافظة على قداسته وطهوريته، وهذا نوع من الصد والهجران للدين ، وعدم فهم لطبيعة هذا الدين والذي من طبيعته وكينونته التفاعل مع قضايا الناس والاندماج معهم في جميع شؤون الحياة ، وإيجاد الحلول لكل قضاياهم وهذا من كمال هذا الدين وإعجازه . فهو دين تفاعلي حضاري منذ نشأته . فمنذ فجر الرسالة النبوية نزل قوله تعالى :" ألم ، غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " فيذكر الخطاب القرآني الكريم المتغيرات العالمية ، لإدراك أبعاد التوازنات بين القوتين العظميين في ذلك الزمان ، وذلك " أن المسلم يحمل رسالة عالمية ، ومن يحمل رسالة عالمية عليه أن يدرك الوقائع والأوضاع العالمية كلها وخاصة طبيعة وعلاقات القوى الكبرى المؤثرة في هذه الأوضاع.[13]"

أما العولمة : فهي انسلاخ عن قيم ومبادئ وتقاليد وعادات الأمة وإلغاء شخصيتها وكيانها وذوبانها في الآخر. فالعولمة تنفذ من خلال رغبات الأفراد والجماعات بحيث تقضي على الخصوصيات تدريجياً من غير صراع إيديولوجي . فهي " تقوم على تكريس إيديولوجيا " الفردية المستسلمة" وهو اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته ، وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه ، فتقوم بإلغاء كل ما هو جماعي ، ليبقى الإطار " العولمي" هو وحده الموجود . فهي تقوم بتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية ، وتعمل على تكريس الحياد وهو التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية ، وهي بهذا تقوم بوهم غياب الصراع الحضاري أي التطبيع والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري. وبالتالي يحدث فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة ، مما يفقد الهوية الثقافية من كل محتوى ، فالعولمة عالم بدون دولة ، بدون أمة ، بدون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية .[14]" يقول عمرو عبد الكريم :" العولمة ليست مفهوماً مجرداً ؛ بل هو يتحول كلية إلى سياسات وإجراءات عملية ملموسة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والإعلام ؛ بل وأخطر من ذلك كله هو أن العولمة أضحت عملية تطرح ـ في جوهرها ـ هيكلاً للقيم تتفاعل كثير من الاتجاهات والأوضاع على فرضه وتثبيته وقسر مختلف شعوب المعمورة على تبني تلك القيم وهيكلها ونظرتها للإنسان والكون والحياة [15]".

نشأة العولمة :

يذهب بعض الباحثين إلى أن العولمة ليست وليدة اليوم ليس لها علاقة بالماضي؛ بل هي عملية تاريخية قديمة مرت عبر الزمن بمراحل ترجع إلى بداية القرن الخامس عشر إلى زمن النهضة الأوروبية الحديثة حيث نشأت المجتمعات القومية .. فبدأت العولمة ببزوغ ظاهرة الدولة القومية عندما حلت الدولة محل الإقطاعية، مما زاد في توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدوداً بحدود المقاطعة .

وذهب بعض الباحثين إلى أن نشأة العولمة كان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين ، إلا أنها في السنوات الأخيرة شهدت تنامياً سريعاً . يقول إسماعيل صبري :" نشأت ظاهرة الكوكبة (العولمة) وتنامت في النصف الثاني من القرن العشرين ، وهي حالياً في أوج الحركة فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن نسمع أو نقرأ عن اندماج شركات كبرى ، أو انتزاع شركة السيطرة على شركة ثانية ..[16]."

إن الدعوة إلى إقامة حكومة عالمية، ونظام مالي عالمي موحد والتخلص من السيادة القومية بدأت في الخطاب السياسي الغربي منذ فترة طويلة فهذا هتلر يقول في خطابه أمام الرايخ الثالث :" سوف تستخدم الاشتراكية الدولية ثورتها لإقامة نظام عالمي جديد" وفي كتابات الطبقة المستنيرة عام 1780:" من الضروري أن نقيم إمبراطورية عالمية تحكم العالم كله "

وجاء في إعلان حقوق الإنسان الثاني عام 1973 :" إننا نأسف بشدة لتقسيم الجنس البشري على أسس قومية . لقد وصلنا إلى نقطة تحول في التاريخ البشري حيث يكون أحسن اختيار هو تجاوز حدود السياسة القومية ، والتحرك نحو بناء نظام عالمي مبني على أساس إقامة حكومة فيدرالية تتخطى الحدود القومية "

وقال بنيامين كريم أحد قادة حركة العصر الجديد عام 1982 :" ما هي الخطة ؟ أنها تشمل إحلال حكومة عالمية جديدة ، وديانة جديدة ."

وكانت ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر قد اقترحت فكرة العولمة يرافقها في ذلك الرئيس الأمريكي السابق رولاند ريغن. ووجهة نظر تاتشر الاقتصادية ـ والتي عُرفت بالتاتشرية ـ انبثقت من الاستحواذ اليهودي للمال والعتاد … حيث أن فكرتها الاقتصادية والتي صاغها اليهودي جوزيف وهي تهدف بجعل الغني أغنى والفقير أفقر.
ويذكر "بات روبرتسون[17] " إن النظام العالمي الجديد نظام ماسوني عالمي ، ويعلل على ما يقول : " بأن على وجهي الدولار مطبوع علامة الولايات المتحدة ، وهي عبارة عن النسر الأمريكي ممسكاً بغصن الزيتون رمز السلام بأحد مخالبه ، وفي المخلب الآخر يوجد 13 سهماً رمز الحرب . وعلى الوجه الآخر هرم غير كامل ، فوقه عين لها بريق المجد ، وتحت الهرم كلمات لاتينيه (Novus Order Seclorum) وهي شطرة من شعر فرجيل الشاعر الروماني القديم معناها " نظام جديد لكل العصور ". إن الذي صمم علامة الولايات المتحدة هذه هو تشارلز طومسون ، وهو عضو في النظام الماسوني وكان يعمل سكرتير للكونجرس . وهذا الهرم الناقص له معنى خاص بالنسبة للماسونيين ، وهو اليوم العلامة المميزة لأتباع حركة العصر الجديد ." وبعد تحليل ليس بطويل يصل المؤلف إلى وجود علاقة واضحة تربط بين النظام الماسوني والنظام العالمي الجديد .

وقد جاء في مجلة المجتمع بحثاً عن منظمة "بلدربرج" والذي أسسها رجل الأعمال السويدي " جوزيف هـ. ريتنجر" ـ والذي سعى إلى تحقيق الوحدة الأوروبية ، وتكوين المجتمع الأطلسي ـ وهي منظمة سرية تختار أعضاءها بدقة متناهية من رجال السياسة والمال ، وتعقد اجتماعاتها في داخل ستار حديدي من السرية ، وفي حراسة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الدول الأوروبية ، ولا تسمح لأي عضو بالبوح بكلمة واحدة عن مناقشاتها ، ولا يحق للأعضاء الاعتراض أو تقديم أي اقتراح حول مواضيع الجلسات ، ويمول هذه المنظمة مؤسسة روكفلور اليهودية وبنك الملياردير اليهودي روتشيلد ، ومعظم الشخصيات في هذه المنظمة هم من الماسونيين الكبار ، وكثير من رؤساء الولايات المتحدة نجحوا في الانتخابات بعد عضويتهم في هذه المنظمة مثل : ريجان ، وكارتر ، وبوش ، وكلينتون ، وبعد اشتراك تاتشر في المنظمة بسنتين أصبحت رئيسة وزراء إنجلترا ، وكذلك بيلر أصبح رئيساً للوزراء بعد مضي أربع سنوات من اشتراكه في المنظمة ، وهي تسعى للسيطرة على العالم وإدارته وفق رؤيتها ، فقرارتها تؤثر على التجارة الدولية وعلى كثير من الحكومات [18].

فالعولمة نشأت مع العصر الحديث وتكونت بما أحدثه العلم من تطور في مجال الاتصالات وخصوصاً بعد بروز الإنترنت والتي أتاحت مجال واسع في التبادل المعرفي والمالي ، وارتباط نشأة الدولة القومية بالعولمة في العصر الحاضر فيه بعد عن مفهوم العولمة والذي يدعو أساساً إلى نهاية سيادة الدولة والقضاء على الحدود الجغرافية ، وتعميم مفهوم النظام الرأسمالي واعتماد الديموقراطية كنظام سياسي عام للدول. ولكن هناك أحداث ظهرت ساعدت على بلورة مفهوم العولمة وتكوينه بهذه الصيغة العالمية فانهيار سور برلين ، وسقوط الاشتراكية كقوة سياسية وإيديولوجية وتفرد القطب الأوحد بالسيطرة والتقدم التكنولوجي وزيادة الإنتاج ليشمل الأسواق العالمية أدت إلى تكوين هذا المفهوم .

وخلاصة البحث أن مصطلح العولمة منشأه غربي، وطبيعته غربية، والقصد منه تعميم فكره وثقافته ومنتوجاته على العالم، فهي ليست نتيجة تفاعلات حضارات غربية وشرقية، قد انصهرت في بوتقة واحدة ؛ بل هي سيطرة قطب واحد على العالم ينشر فكره وثقافته مستخدمة قوة الرأسمالي الغربي لخدمة مصالحه. فهو من مورثات الصليبية فروح الاستيلاء على العالم هي أساسه ولبه ولكن بطريقة نموذجيه يرضى بها المستعمر ويهلل لها ؛ بل ويتخذ هذه الصليبية الغربية المتلفعة بلباس العولمة مطلب للتقدم . يقول "بات روبرتسون[19]":" لم يعد النظام العالمي الجديد مجرد نظرية ، لقد أصبح وكأنه إنجيل."


----------------------------------
الهوامش:
[1] أشتهر في العقد التاسع مصطلح العولمة مع استخدام مصطلح النظام العالمي الجديد وذلك عند إعلان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش من على منصة قاعة اجتماع الهيئة التشريعية لمجلس النواب الأمريكي في 17 يناير 1991 بداية النظام العالمي الجديد New World ويلاحظ استخدام كلمة Order ولم يستخدم كلمة System مثلاً وذلك لأن في كلمة Order من القسر والتوجيه والأمر ما ليس في غيره [1]
[2] كالسيد يسين وقد أظهر هذه الترجمة على كتابين من كتبه: الأول:" الوعي التاريخي والثورة الكونية ". والثاني:" الكونية والأصولية وما بعد الحداثة" .
[3] حراسة الفضيلة لبكر أبو زيد
[4] "العولمة والهوية الثقافية" من مجلة "فكر ونقد" العدد السادس .
[5] " العولمة جريمة تذويب الأصالة" عبدالصبور شاهين ، المعرفة العدد(48)
[6] " العولمة عالم ثالث على أبواب قرن جديد " ، عمرو عبد الكريم ، المنار الجديد العدد الثالث .
[7] " العولمة بوابة للرفاه أم الفقر ؟ " ، عبد اللطيف جابر ، الشرق الأوسط العدد (7460) .
[8] العرب والعولمة : ما العمل ؟ من مجلة "فكر ونقد" العدد السابع .
[9] "في مفهوم العولمة" ، لسيد يسين.
[10] المرجع السابق .
[11] "في مفهوم العولمة" ، لسيد يسين.
[12] " العولمة عالم ثالث على أبواب قرن جديد " ، عمرو عبد الكريم ، المنار الجديد العدد الثالث .
[13] " رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية " ، محمد جابر الأنصاري .
[14]"العولمة والهوية الثقافية" من مجلة "فكر ونقد" العدد السادس . بتصرف
[15]" العولمة عالم ثالث على أبواب قرن جديد " ، عمرو عبد الكريم ، المنار الجديد العدد الثالث .
[16] " العولمة والاقتصاد والتنمية العربية " من مجلة " فكر ونقد" العدد السابع .
[17] المرجع السابق ، الفصل الثالث .
[18] " انظر مجلة "المجتمع" العدد ( 1368)
[19] " النظام العالمي الجديد هل هو مقدمة للنظام العالمي الإلهي؟" ،مات روبرتسون. وهو مؤسس شبكة الإذاعة النصرانية ، ورئيس مؤسسة الإعلام الأمريكية ، ورئيس برنامج "قناة الأسرة".
للتواصل : Mubarak200@hotmail.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:40 pm

إن التقابل بين العالمية والعولمة وإيجاد الفرق بينهما فيه نوع من الصعوبة وخصوصاً أن كلمة العولمة مأخوذة أصلاً من العالم ولهذا نجد بعض المفكرين يذهبون إلى أن العولمة والعالمية تعني معنى واحدا وليس بينهما فرق. ولكن الحقيقة أن هذين المصطلحين يختلفان في المعنى فهما مقابلة بين الشر والخير.

العالمية :انفتاح على العالم، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها. فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية. وخاصية العالمية هي من خصائص الدين الإسلامي، فهو دين يخاطب جميع البشر، دين عالمي يصلح في كل زمان ومكان، فهو لا يعرف الإقليمية أو القومية أو الجنس جاء لجميع الفئات والطبقات، فلا تحده الحدود. ولهذا تجد الخطاب القرآني موجه للناس جميعا وليس لفئة خاصة فكم آية في القرآن تقول " يا أيها الناس" فمن ذلك قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقوله تعالى :"يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " وقوله تعالى :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظة الناس وقد تجاوزت المأتيين آية ؛ بل إن الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه تنسب أقومهم إليهم " قوم نوح " " قوم صالح " وهكذا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرد الخطاب القرآني بنسبة قومه إليه صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم فهو عالمي بطبعه، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"

ومن أسباب تخلفنا عن الركب الحضاري هو إقصاء الإسلام عن عالميته، وعدم زجه في كثير من حقول الحياة بزعم المحافظة على قداسته وطهوريته، وهذا نوع من الصد والهجران للدين، وعدم فهم لطبيعة هذا الدين والذي من طبيعته وكينونته التفاعل مع قضايا الناس والاندماج معهم في جميع شؤون الحياة، وإيجاد الحلول لكل قضاياهم وهذا من كمال هذا الدين وإعجازه. فهو دين تفاعلي حضاري منذ نشأته. فمنذ فجر الرسالة النبوية نزل قوله تعالى :" ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " فيذكر الخطاب القرآني الكريم المتغيرات العالمية، لإدراك أبعاد التوازنات بين القوتين العظميين في ذلك الزمان، وذلك " أن المسلم يحمل رسالة عالمية، ومن يحمل رسالة عالمية عليه أن يدرك الوقائع والأوضاع العالمية كلها وخاصة طبيعة وعلاقات القوى الكبرى المؤثرة في هذه الأوضاع.

أما العولمة : فهي انسلاخ عن قيم ومبادئ وتقاليد وعادات الأمة وإلغاء شخصيتها وكيانها وذوبانها في الآخر. فالعولمة تنفذ من خلال رغبات الأفراد والجماعات بحيث تقضي على الخصوصيات تدريجياً من غير صراع إيديولوجي. فهي " تقوم على تكريس إيديولوجيا " الفردية المستسلمة" وهو اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته، وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه، فتقوم بإلغاء كل ما هو جماعي، ليبقى الإطار " العولمي" هو وحده الموجود. فهي تقوم بتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية، وتعمل على تكريس الحياد وهو التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية، وهي بهذا تقوم بوهم غياب الصراع الحضاري أي التطبيع والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري. وبالتالي يحدث فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة، مما يفقد الهوية الثقافية من كل محتوى، فالعولمة عالم بدون دولة، بدون أمة، بدون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية.[14]" يقول عمرو عبد الكريم :" العولمة ليست مفهوماً مجرداً ؛ بل هو يتحول كلية إلى سياسات وإجراءات عملية ملموسة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والإعلام ؛ بل وأخطر من ذلك كله هو أن العولمة أضحت عملية تطرح ـ في جوهرها ـ هيكلاً للقيم تتفاعل كثير من الاتجاهات والأوضاع على فرضه وتثبيته وقسر مختلف شعوب المعمورة على تبني تلك القيم وهيكلها ونظرتها للإنسان والكون والحياة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:43 pm

إن التقابل بين العالمية والعولمة وإيجاد الفرق بينهما فيه نوع من الصعوبة وخصوصاً أن كلمة العولمة مأخوذة أصلاً من العالم ولهذا نجد بعض المفكرين يذهبون إلى أن العولمة والعالمية تعني معنى واحدا وليس بينهما فرق. ولكن الحقيقة أن هذين المصطلحين يختلفان في المعنى فهما مقابلة بين الشر والخير.

العالمية :انفتاح على العالم، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها. فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية. وخاصية العالمية هي من خصائص الدين الإسلامي، فهو دين يخاطب جميع البشر، دين عالمي يصلح في كل زمان ومكان، فهو لا يعرف الإقليمية أو القومية أو الجنس جاء لجميع الفئات والطبقات، فلا تحده الحدود. ولهذا تجد الخطاب القرآني موجه للناس جميعا وليس لفئة خاصة فكم آية في القرآن تقول " يا أيها الناس" فمن ذلك قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقوله تعالى :"يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " وقوله تعالى :" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة " إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظة الناس وقد تجاوزت المأتيين آية ؛ بل إن الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه تنسب أقومهم إليهم " قوم نوح " " قوم صالح " وهكذا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرد الخطاب القرآني بنسبة قومه إليه صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على عالمية رسالته صلى الله عليه وسلم فهو عالمي بطبعه، " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"

ومن أسباب تخلفنا عن الركب الحضاري هو إقصاء الإسلام عن عالميته، وعدم زجه في كثير من حقول الحياة بزعم المحافظة على قداسته وطهوريته، وهذا نوع من الصد والهجران للدين، وعدم فهم لطبيعة هذا الدين والذي من طبيعته وكينونته التفاعل مع قضايا الناس والاندماج معهم في جميع شؤون الحياة، وإيجاد الحلول لكل قضاياهم وهذا من كمال هذا الدين وإعجازه. فهو دين تفاعلي حضاري منذ نشأته. فمنذ فجر الرسالة النبوية نزل قوله تعالى :" ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " فيذكر الخطاب القرآني الكريم المتغيرات العالمية، لإدراك أبعاد التوازنات بين القوتين العظميين في ذلك الزمان، وذلك " أن المسلم يحمل رسالة عالمية، ومن يحمل رسالة عالمية عليه أن يدرك الوقائع والأوضاع العالمية كلها وخاصة طبيعة وعلاقات القوى الكبرى المؤثرة في هذه الأوضاع.

أما العولمة : فهي انسلاخ عن قيم ومبادئ وتقاليد وعادات الأمة وإلغاء شخصيتها وكيانها وذوبانها في الآخر. فالعولمة تنفذ من خلال رغبات الأفراد والجماعات بحيث تقضي على الخصوصيات تدريجياً من غير صراع إيديولوجي. فهي " تقوم على تكريس إيديولوجيا " الفردية المستسلمة" وهو اعتقاد المرء في أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته، وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه، فتقوم بإلغاء كل ما هو جماعي، ليبقى الإطار " العولمي" هو وحده الموجود. فهي تقوم بتكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية، وتعمل على تكريس الحياد وهو التحلل من كل التزام أو ارتباط بأية قضية، وهي بهذا تقوم بوهم غياب الصراع الحضاري أي التطبيع والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري. وبالتالي يحدث فقدان الشعور بالانتماء لوطن أو أمة أو دولة، مما يفقد الهوية الثقافية من كل محتوى، فالعولمة عالم بدون دولة، بدون أمة، بدون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية.[14]" يقول عمرو عبد الكريم :" العولمة ليست مفهوماً مجرداً ؛ بل هو يتحول كلية إلى سياسات وإجراءات عملية ملموسة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والإعلام ؛ بل وأخطر من ذلك كله هو أن العولمة أضحت عملية تطرح ـ في جوهرها ـ هيكلاً للقيم تتفاعل كثير من الاتجاهات والأوضاع على فرضه وتثبيته وقسر مختلف شعوب المعمورة على تبني تلك القيم وهيكلها ونظرتها للإنسان والكون والحياة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:47 pm

هل تستمر الولايات المتحدة في تبني طروحات العولمة لو خرجت هذه الطروحات على مصالحها؟. وماذا لو إتخذت توجهات السوق إتجاهات متعارضة مع مصالح البيوتات المالية الأميركية الكبرى؟. ولماذا تخرج الولايات المتحدة على قوانين منظمة التجارة العالمية فتدعم الشركات الأميركية؟. في حين تعرقل أميركا إنضمام بلدان مستعدة للخضوع الكلي لشروط هذه المنظمة؟. وكيف تقبل المنظمة سلع مثل الماس ضمن سلعها المحمية من المضاربات في حين ترفض إدراج النفط في قائمة سلعها ( أنظر عولمة النفط ). لقد بدأت الولايات المتحدة مخالفاتها للعولمة منذ إطلاق بوش الأب لمصطلح " النظام العالمي الجديد ". فالمصطلح يؤكد على كون العالم الجديد أميركياً. بما يسهل التطابق بين العولمة والأمركة. وهذا ما تنبهت له الدول الصناعية الكبرى مبكراً. وفي طليعتها فرنسا التي عقدت مؤتمرات عالمية لتصويب وسد الثغرات المفاهيمية للعولمة ( أنظر العولمة / رؤية فرنسية ). أما الدول النامية فقد دخلت العولمة دون أن تنتبه لخطورتها إلا بعد فوات الأوان. فكان تجمع الدول ال11 ( لا يزال يتوسع ) الداعي للانتباه الى اخطار تسريع سيرورة العولمة والى ضرورة إبطاء التحول الى هذه العولمة!؟. ثم ماذا عن العلاقة بين العولمة والأمركة؟. وهل صحيح أن سبيرورة الأمركة إنطلقت قبل نهاية الحرب الباردة؟. وأنها إستخدمت الطب النفسي كحصان طروادة لإختراق المجتمعات؟. للمزيد انظر: العولمة والطب النفسي. أنظر موقع: مناهضة العولمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:49 pm

الحضارة والثقافة والعولمة:
كلمات الحضارة والمدنية والثقافة والعولمة وإن كانت عربية إلا أنها جعلت في استعمالنا الحديث رموزاً تدل على المعاني والمفهومات نفسها التي تدل عليها الكلمات الغربية التي جعلناها ترجمة لها. فلننظر في تلك المعاني والمفهومات كما هي عند أهلها. وأنسب ما نبدأ به هو الأمريكي هنتنجتون أول من أشاع تعبير صراع الحضارات في مقال مشهور نشر في صيف عام 1993م في مجلة Foreign Affairs بهذا العنوان، ثم نُشر موسعاً في كتاب بالعنوان نفسه. ينقل هنتنجتون عن عدد كبير من العلماء الغربيين تعريفهم لما أطلقنا عليه كلمة المدنية أو الحضارة،civilization ، والفرق بينها وبين ما نسميه ثقافة culture؛ فما الحضارة أو المدنية وما الثقافة؟ يمكن أن نلخِّص مجمل أقوال من نقل عنهم هنتنجتون في مفهوم الحضارة والثقافة فيما يلي:
يضع المفكرون الألمان حداً فاصلاً بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم تشمل التقنية وسائر العوامل المادية، أما الثقافة فتشمل قيم المجتمع ومُثُله العليا وخاصياته الفكرية والفنية والخلقية الكبرى. لكن سائر المفكرين الغربيين خالفوا الألمان في هذا؛ فهم يرون أن الحضارة والثقافة كليهما تشيران إلى منهاج حياة أمة من الناس، وأن الحضارة إنما هي الثقافة مكبرة، وأن كليهما يشمل القيم والمعايير والمؤسسات وطرائق التفكير السائدة في أمة من الناس، وأن الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة، وأن الحضارة ليست متطابقة مع العِرْق؛ فأصحاب العرق الواحد قد ينتمون إلى حضــارات مختلفة، كمـا أن الحضـــارة الواحـــدة ـ كالحضارة الإسلامية ـ قد تضم مجتمعات مختلفة الأعراق والألوان والأشكال. والحضارة هي أوسع وحدة ثقافية؛ فأهل قريةٍ إيطاليّةٍ مثلاً قد يتميزون ثقافياً عن قرية إيطالية أخرى، لكنهم يشتركون في ثقافةٍ إيطاليةٍ تميزهم عن أهل القرى الألمانية. والألمان والإيطاليون ينتمون إلى ثقافة أوروبية تميزهم عن الجماعات الصينية والهندية. هذا الذي يجمع الأوروبيين هو حضارتهم التي تميزهم عن الحضارات الصينية والهندية. فالحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم. وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري. [Samuel P. Hintington, The Clash of Civilizations, Simon & Schuster, 1997, pp. 41- 43]
أما العولمة فيمكن أن نقول إنها في أساسها: (تصيير المحلي عالمياً)؛ فهي وصف لعمل مستمر تدل عليه كلمة Globalization لكنها في الوقت نفسه وصف لبعض نتائج هذا التعولم. النتيجة النهائية المثالية للتعولم أن تكون للعالم كله لغة أو لغات مشتركة، وأن تكون التجارة فيه مفتوحة ومتيسرة بين كل بلدان العالم، وأن يسود فيه نظام اقتصادي واحد، ونظام سياسي واحد، وأن تسود فيه عقيدة واحدة، وأن تكون للناس فيه قيم مشتركة في مسائل كحقوق الإنسان والعلاقة بين الجنسين، وأن يكون هنالك أدب عالمي يتذوقه الناس كلهم، وأن يسود فيه تبعاً لذلك نظام تعليمي واحد، وهكذا. وأن تكون كل هذه الأمور التي تعولمت مناسبة للناس من حيث كونهم بشراً، ومساعدة لهم على تحقيق طموحاتهم المادية والروحية، أي تكون للعالم حضارة عالمية واحدة. هذا هو الهدف النهائي المثالي، لكن العولمة قد تكون ناقصة، وقد تكون تامة من غير أن تكون مناسبة للبشر، بل مفروضة عليهم لظروف طارئة.
المهتمون بقضية العولمة متفقون تقريباً على أنه وإن كانت الكلمة جديدة إلا أن ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أن السير نحو هذه العالمية بدأ منذ مئات السنين.
فإذا كانت هذه هي العولمة فما وسائلها التي تجعلها ممكنةً وتحُرِّكها؟ يذكر بعض المؤرخين أنه كان للعولمة في الماضي سببان رئيسان هما الهجرة والغزو.
ولكن لنا أن نسأل: لماذا يهاجر الناس؟ ولماذا تغزو بعض البلاد بعضاً؟ إنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يرونه ـ بحسب قيمهم ـ في مصلحتهم المادية أو الروحية. هذا إذن هو الدافع الأول المحرك للهجرة أو الغزو أو أي نوع آخر من أنواع الاتصال بين أمة وأمة. لكن الناس إنما يقرِّرون الهجرة إلى مكان معين أو غزو أمة معينة بحسب ما يصلهم من معلومات عنها، وبحسب إمكانية الوصول إليها. هذان إذن عاملان آخران هما المعلومات ووسائل الانتقال؛ وهذان يعتمدان كثيراً على مستوى التقنية الذي تصل إليه الأمة المهاجرة أو الغازية أو الساعية لأي نوع آخر من أنواع العلاقات أو التأثير.
دوافع أمةٍ لغزو أمةٍ أخرى أو هجرة بعضهم إليها هي في غالبها دوافع اقتصادية، لكن بعضها قد يكون ثقافياً. والأمران متشابكان؛ فحتى الغازي لأسباب اقتصادية ينقل معه ثقافته وقد يفرضها على المهزومين إذا كان غازياً ذا إمكانات كبيرة، وقد يتأثر بثقافة من غزاهم، بل وقد يتبناها ويترك ثقافته، وقد يكون التأثر والتأثير متبادلاً. والمهاجر أو الغازي لأسباب ثقافية قد يستفيد فوائد اقتصادية، وقد يحدث لثقافته التي هاجر من أجلها ما يحدث للمهاجر.
كان غزو المسلمين للعالم مثالاً للغزو بدافع حضاري؛ فقد كانوا يعُدُّون أنفسهم أصحاب رسالة موجهة للعالم كله كلفوا هم بتبليغها إليه بالوسائل السِّلميّة ما أمكن، وإلا باللجوء إلى الحرب. لكن حتى المسلمين الذين كانوا يهاجرون طلباً للرزق كانت مهمتهم الرسالية ماثلةً أمامهم، فأثَّروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً، فنقلوا إليها ـ كما نقل الغزاة قبلهم ـ دينهم ولغتهم ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه، كتعلُّم لغتهم.
أما المسلمون الذين يهاجرون إلى البلاد الغربية في أيامنا هذه فإنهم يفعلون ذلك لأسباب في غالبيتها العظمى اقتصادية، وتجربتهم تدل على أن الغالبية العظمى منهم تفقد هويتها الثقافية ـ لغة ومظهراً وديناً ـ وتذوب في المجتمعات الغربية. لكن أكثر ما يحتفظون به ويؤثرون به في تلك المجتمعات هو طعامهم. غير أن قلة من هؤلاء الذين هاجروا لأسباب اقتصادية كانت ـ مع القلة التي تسافر لأسباب دعوية أو دراسية ـ سبباً في قبول بعض الغربيين للإسلام، وفي انتشار بعض المظاهر الإسلامية كالمساجد والمدارس والمكتبات والحجاب.
أما الغربيون الذين ذهبوا إلى العالم الإسلامي غزاة أو لأسباب اقتصادية فإن قلة قليلة منهم هي التي تأثرت بالثقافة الإسلامية أو اعتنقت الإسلام. ولذلك كان دخول بضعة آلاف من الجنود الأمريكان في الإسلام في المدة القصيرة التي قضوها في السعودية إبان حرب الخليج أمراً ملفتاً للنظر شاذاً عن القاعدة. لكن دخول غير الغربيين المهاجرين إلى العالم الإسلامي كان ولا يزال أمراً معتاداً.
أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب اقتصادية، لكن الدافع الرسالي كان أيضاً حاضراً فيه حضوراً بيناً. فالغربيون كانوا يرون أن لهم رسالة هي أن يحضِّروا العالم ويجعلوه نصرانياً. وهم يرون أن حضارتهم تفوق الحضارات الأخرى لما تمتاز به من عقلانية لا توجد في غيرها، وأن هذه الميزة هي التي تؤهلها لأن تكون الحضارة العالمية. يرى أحد الأساتذة الأرجنتينيين أن أحسن من يعبر عن هذا الاعتقاد هو هيجل وينقل عنه قوله: (إن الروح الألمانية هي روح العالم الجديد). ويقول: إن هيجل يرى أن الروح الأوروبية التي هي روح ألمانيا هي الحقيقة المطلقة التي تحقق نفسها بنفسها من غير أن تكون مدينة لأحد سواها. ويقول ـ أعني الكاتب ـ: (إن هذه القضية ـ يعني قضية هيجل ـ لم تفرض نفسها على أوروبا والولايات المتحدة فحسب؛ بل على كل المجال الفكري لأطراف العالم). [Enrique Dussel Beyond Eurocentrism: The World-System and the Limits of Modernityس in Fredrick Jameson and Masao Miyoshi, Editors, The Culture of Globalization, Duke University Press, London and Durham, 1998, pp. 3-4] ويقول أستاذ بجامعة ديوك الأمريكية: (إنه لأمر عجيب وإنها لحركة في غاية التعصب العنصري أن تعتقد أوروبا أن عليها منذ عام 1500م أن تحضِّر عالماً ظلت فيه منذ قرون حضارات (مثل الحضارة الصينية والهندية والإسلامية...) قبل أن تجعل من نفسها مركزاً جديداً للعالم باسم النصرانية وأوروبا زمرة من الجماعات الهمجية الصاعدة) [Op cit. pp. 32-33, Walter D. Mingnola, Globalization, Civilization Processes and the Relocation of Languages Cultures]، وأحسن من عبر عن الجمع بين الدافعين الاقتصادي والحضاري هو المؤرخ الأسباني الذي سوّغ ذهابه وزملاءه لغزو الجزر الهندية بقوله: (خدمة لله ولصاحب الجلالة، ولنقل النور إلى أولئك الجالسين في الظلام، ولنصير أغنياء كما أن كل إنسان يريد أن يصير). [J. M. Roberts, The Penguin History of the World, Penguin Books, 1995, p.608]
استطاعت أوروبا أن تفرض نفسها وكثيراً من جوانب حضارتها على تلك الحضارات بالغزو والاحتلال والاستعمار، ثم بوسائل الإعلام والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية. يقول مؤرخهم المعاصر بشيء من الزهو:
(إن التغيير الذي حدث في تاريخ العالم بعد عام 1500م لم يكن له سابقة. لم يحدث من قبل ذلك أبداً أن انتشرت حضارة واحدة في أرجاء الأرض كلها؛ فمنذ أقدم مسارح ما قبل التاريخ المشاهدة كان الميل دائماً نحو التنوّع. أما الآن فإن التيار الثقافي بدأ يتحول. إن جوهر ما كان يحدث كان بادياً حتى منذ أواخر القرن الثامن عشر. فالأمم الأوروبية ـ بما فيها روسيا ـ كانت في ذلك الوقت قد ادَّعت لنفسها أكثر من نصف سطح الأرض، وكانت ـ بدرجات متفاوتة ـ قد سيطرت بالفعل على ما يقرب من ثلثه. ففي غرب الكرة الأرضية كانوا قد ازدرعوا جماعات مستوطنة تكفي بأعدادها الكبيرة لإنشاء مراكز حضارية جديدة؛ فقد خرجت أمة جديدة من المقاطعات البريطانية السابقة في أمريكا الشمالية، وفي الجنوب استطاع الأسبان أن يحطِّموا حضارتين ناضجتين ليغرسوا حضارتهم). [Ibid. p. 605]
ثم يذكر أنه كان هنالك في ذلك التاريخ ما يقرب من عشرين ألف هولندي في جنوب أفريقيا، وأن أستراليا كانت قد بدأت تستقبل مستوطنيها الجدد. وأن الزائر الأوروبي لشرق أفريقيا وإيران والهند وأندونيسيا كان سيجد فيها أوروبيين جاؤوا ليتاجروا ثم ليرجعوا إلى بلادهم في المدى القريب أو البعيد ليستمتعوا بالأرباح التي حققوها.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الاستعمار الغربي قد شمل أفريقيا كلها، وأحكم سيطرته على شبه القارة الهندية وبقية آسيا. وفي أوائل القرن العشرين أخضـع الشــرق الأوسـط كله ـ عدا تركيا ـ لسيطرته المباشرة، ومع نهاية عام 1920م كانت الإمبراطـــورية العثمانية قـد قُسِّـمت بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. في غضون هذا التوسع قضى الغرب قضاءً كاملاً على حضارتــي (Mesoamerican) و (Andean)، وأُخضعـت الحضارات الهندية والإسلامية وأُخضعت أفريقيا. وتُوغل في الصين وجُعلت تابعة للنفوذ الغربي لمدة أربعمائة عام تمثلت العلاقة بين الحضارات في خضوع المجتمعات غير الغربية للحضارة الغربية. [Huntington, op.cit. p. 51]
ذلك ما كان حتى عام 1920م؛ فماذا حدث بعده؟ استمر الغرب في تفوقه التقني واستمر في تأثيره الكبير على كل مجتمعات العالم لا سيما بعد الطفرة التي حدثت في تقنية الاتصالات والانتقال والتي زادت في إمكانية العولمة.


تتمثل هذه الهيمنة الغربية الآن ـ كما لخصها كاتب أمريكي ـ في أن الأمم الغربية:
- تملك وتدير النظام المصرفي العالمي.
- وتسيطر على كل أنواع العملة الصعبة.
- وأنها هي الزبون العالمي الأول.
- وأنها هي التي توفر للعالم معظم بضائعه الجاهزة.
- وأنها تسيطر على أسواق الرأسمال العالمية.
- وأنها تمارس قدراً كبيراً من القيادة الأدبية في كثير من المجتمعات.
- وأن لها قدرة على التدخل العسكري العظيم.
- وأنها تسيطر على المضايق البحرية.
- وأنها تقوم بمعظم البحوث والتطوير للتقنية المتقدمة.
- وأنها المتحكِّمة في التعليم التقني الفائق.
- والمهيمنة على المدخل إلى الفضاء.
- وعلى صناعة الطيران.
- وعلى وسائل الاتصال العالمية.
- وعلى التقنية العالية لصناعة الأسلحة. [Jeffery R. Barnet, Exclusion as National Security Policy, Parameters, 24 (Spring1994), 54, as quoted by Huntington, op. cit. 81]
العولمة لم تكن ـ كما كان يرجى لها إذن ـ أن تسود في العالم ثقافةً إنسانيةً تناسب كل الناس وتساعد على تعاونهم وتطورهم والاستفادة من خيرات بعضهم بعضاً. بل كادت العولمة وكاد التحديث أن يكون تغريباً بسبب هذا التفوق الغربي وعدم تسامح حضارته مع الحضارات الأخرى.


إلى متى سيستمر هذا التفوق وهذه الهيمنة الغربية؟
يرى كثير من المفكرين الغربيين أنها لن تستمر طويلاً ـ على الأقل بهذا القدر الكبير. لماذا؟ هذا موضوع كبير لا يسعنا هنا إلا أن نشير إليه مجرد إشارات، فنقول:
1 - لأن سبب تلك القوة لم يكن لمجرد أسباب داخلية في الحضارة الغربية، وإنما كان أيضاً لظروف خارجية مواتية. أما الآن فإن ظروفاً خارجية أخرى لا قِبَلَ للغرب بتغييرها جعلته يضعف ضعفاً نسبياً للازدياد النسبي في القوة الاقتصادية والتقنية لبلاد غير غربية.
2 - يزداد تقديرنا لأهمية هذا الضعف النسبي للقوة المادية للدول الغربية إذا ما تذكرنا ما يقوله كثير من مفكريها بأن السبب الأساس لسيطرتها لم يكن قيماً ولا فكراً ولا ديناً وإنما كان هذه القوة. يقرر هنتنجتون هذه الحقيقة في صراحة عجيبة إذ يقول: (لم يغلب الغرب العالم بتفوق في أفكاره أو قيمه أو دينه (الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبداً). [Ibid. p. 51]
بيد أننا يمكن أن نستدرك على هنتنجتون ومن يرى رأيه بأن الغرب وإن لم يكن في نفس الأمر متفوقاً في تلك المجالات إلا أن أهله كانوا يعتقدون فيه هذا التفوق، وأن هذا الاعتقاد الباطل كان دافعهم، مع الدوافع الاقتصادية للخروج لغزو العالم كما ذكرنا سابقاً.
3 - أما الآن فإن هذا الضعف النسبي في القوة المادية للغرب يصحبهَ وربما سبقهَ فتور في الدافع الرسالي؛ فحماس الغربيين لدينهم المسيحي في بداية قرنهم الواحد والعشرين لم يعُد كما كان في القرن الثامن عشر، ولم يطرأ هذا الفتور في الحماس الديني بسبب التأثر بالحضارات الأخرى في المكان الأول، وإنما كان في أساسه:
- بسبب دراساتهم العلمية لأصول دينهم التاريخية، تلك الدراسات التي شككت في الثبوت التاريخي لكثير من نصوصه، والتي أثبتت أن في هذه النصوص تناقضاً ومخالفة لبعض الحقائق العلمية نشأ عنه انقسامهم إلى أصوليين ـ أكثرهم من العوام ـ يؤمنون بحرفية ما في كتابهم المقدس، وليبراليين يعتقدون أنه ما كل ما فيه من عند الله، وأنه تأثر بالظروف الثقافية للزمن الذي كتب فيه.
- ثم كان التطور في مجال العلوم الطبيعية سبباً آخر؛ لأن منهج هذه العلوم يقوم على عقلانية لا وجود لها في دينهم.
- ثم زاد من ضعف الإقبال على الدين أو الاهتمام به النظام السياسي العلماني الذي يفصله عن الدولة، بل وعن الحياة العامة كلها.
4 - كان كثير من المفكرين الغربيين يأملون في أن يحل العلم الطبيعي محل الدين، وينجح في حل مشاكل البشرية التي عجز الدين عن حلها. لكن تجربة الحربين العالميتين العظميين، واعتمادهما على التقنية الحربية التي وفرها العلم الطبيعي أضعفت من هذا الأمل. ثم كانت كارثة هيروشيما، فاقتنع كثير من المفكرين والعوام الغربيين بأن العلم الطبيعي إنما هو سلاحٌ يعتمد حسن استعماله أو سوؤه على قيمٍ لا تؤخذ منه هو، فلا بد أن يكون لها مصدر آخر.
5 - والشيوعية ـ التي هي نتاج غربي ـ والتي تعلّق بأوهامها الآلاف المؤلفة من الناس في الشرق والغرب، باءت هي الأخرى بإخفاق ذريع.
6 - لم يبق للغرب الآن مبدأ يتعلق به ويدافع عنه ويعتز به إلا الديمقراطية الليبرالية وما يصاحبها من نظام رأسمالي. لكن حتى هذين يجدان كثيراً من النقد والمراجعة لعدم وفائهما ببعض القيم الإنسانية، ولا سيما إنصاف الفقراء، ولما نتج عنهما من تعميق للروح الفردية وما يصحبها من مشكلات اجتماعية.
7 - الروح السائدة في الغرب الآن ليست روحاً متفائلة، بل إن التشاؤم قد يصل بهم إلى الحد الذي عبر عنه كاتب فرنسي أزعج ذلك الشعب وأثار تشاؤمه حين كتب يقول كما نقل عنه مؤلف إنجليزي: (إن أوروبا بدأت تدخل في عصر ظلام جديد يتميز بالأوبئة والمتسولين وانهيار المدن، وبعث الخرافة، وعودة التهديد القادم من الشرق، من آسيا ومن الإسلام) [Ruling Brittania, pp 316 -7].
ولعلنا نستطيع أن نقول إنه حتى لو لم يطرأ هذا الفتور في حماس الغربيين لدينهم ولرسالتهم، فإنه ما كان لحضارتهم أن تصير حضارة عالمية إذا ما فقدت القوة المادية؛ لأنها لا تملك في نفسها مقومات العالمية. لكن هذا موضوع آخر لا يسعنا الدخول في تفاصيله الآن، غير أن كثيراً من هذا القصور سيتضح إذا ما أظهرنا بعض مقومات عالمية الإسلام؛ إذ بضدها تتميز الأشياء. إلى هذا نتجه الآن وبه نختم مقالنا هذا.


ما الذي يؤهِّل الحضارة الإسلامية لأن تكون حضارة عالمية؟
أرى أننا ينبغي أن نميز أولاً بين الإسلام والحضارة الإسلامية؛ لأنه إذا كانت الحضارة هي في جوهرها المعتقدات والقيم والتصورات المتمثلة فعلاً ـ أو قل إلى حد كبير ـ في واقع أمة من الأمم، فما كل ما جاء به الدين المنزل من عند الله متمثلاً في الأمة التي تعلن إيمانها به. فالدين دينان: دينٌ منزَّل من عند الله لا يتغير ولا يتبدل ((إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون)) [سورة الحجر: 9] ودينٌ متمثِّل في واقع الناس يقترب من الدين المنزل أو يبتعد عنه، ولا يطابقه إلا في الرسول الذي جاء به، والذي صدق عليه قول زوجه أم المؤمنين: (كان خلقه القرآن) [أخرجه مسلم، رقم: 746، وأحمد في المسند، رقم: 23460، واللفظ له]، أما غيره فمنهم من يقرب منه قرباً شديداً، ومنهم من يبتعد عنه بعداً كبيراً وإن كان منتسباً إليه. فالحضارة الإسلامية المتمثلة في واقع المسلمين تتأهل للعالمية بقدر قربها من الدين المنزل الذي تنتسب به. فما مقومات العالمية في هذا الدين؟ إنها مقومات كثيرة وعظيمة، لكننا نكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى بعضها:
1 - أنه بينما كان الرسل من أمثال موسى وعيسى ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ يرسلون إلى أقوامهم خاصة فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى الناس كافة، أُرسل رحمةً للعالمين، وجعله الله خاتماً للنبيين. فحتى لو كان اليهود والنصارى المنتسبون إلى هذين الرسولين مستمسكين بدينهم الحق، لما جاز لهم أن يجعلوا منهما دينين عالميين بعد نزول الدين الخاتم؛ لأن الله ـ تعالى ـ إنما أرسل هذين الرسولين إلى قومهما خاصة وإلى فترة محدودة. فالمسلم المستمسك بدينه العارف بهذه الحقيقة يستبشر بالتطور الذي حدث في وسائل الاتصال والانتقال الذي جعل من العالم قرية واحدة كما يقولون. يستبشر به؛ لأنه يرى فيه تصديقاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا أحد غير الله ـ سبحانه وتعالى ـ كان يمكن أن يعلم أن العالم سيتقارب هذا التقارب فلا يحتاج إلا إلى رسول واحد.
2 - أن إمكانية تقريب المسافات أمر حاضر في حسِّ المؤمن الذي يقرأ قوله تعالى : ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)) [سورة الإسراء: 1]، وحين يذكر كيف أن المكذِّبين به صلى الله عليه وسلم ضاقت أعطانهم عن أن يروا إمكان ذلك، وحسبوا أن الممكن محصور في المألوف. ويقرأ المؤمن في كتاب ربه أن رجلاً عنده علم من الكتاب استطاع أن ينقل عرشاً بأكمله في أقل من طرفة عين من اليمن إلى الشام، ثم يقرأ في كتاب ربه ما هو أعجب من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماء السابعة ورجع في ليلة واحدة؛ وهي مسافة لو قطعها مخلوق بسرعة الضوء لاستغرقت منه البلايين من السنين الضوئية. ويصدق المسلم قول رسوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها) [أخرجه مسلم، رقم: 2889].
3 - أن هذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ فهو يخاطبهم بوصفهم بشراً وضع الله في قلوبهم أساسه؛ فهو ليس بالأمر الغريب عليهم. وما أكثر الذين شعروا بهذا حين أسلموا وفاضت أعينهم مما عرفوا من الحق.
4 - ومما يزيد المسلم اقتناعاً بعالمية دينه أنه أثبت في الواقع أنه ليس بالدين الذي تحده ظروف جغرافية أو مناخية، أو زمانية أو ثقافية؛ فقد اعتنق هذا الدين أناس بينهم كل أنواع تلك الاختلافات، فلم يجدوا في شيء منها ما يحول بينهم وبين الإيمان به أو وجدانهم شيئاً غريباً عليهم. فالمسلمون في كل بقاع الأرض الآن أقرب إلى دينهم من النصارى أو اليهود لدينهم. فما زال المسلمون رغم كل تلك الظروف المختلفة يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويقرؤون الكتاب المنزل على رسولهم من غير تحريف ولا تبديل.
5 - وإذا كان تطور العلوم الطبيعية يقف الآن حجر عثرة في طريق بعض الأديان الباطلة، فإنه يقف شاهداً على صدق هذا الدين؛ لأنه لا يجد فيه ما يخالف شيئاً من حقائقه، بل يجد فيه تقريراً لبعض تلك الحقائق قبل أن يتمكن الإنسان من اكتشافها بوسائله البشرية. ولا يجد فيه مخالفة لمنهجه العقلاني التجريبي؛ إذ يجده ديناً لا يأتي بمحالات العقول، ولا ينكر ما يشهد به الحس. فإذا ما شعر الناس بأهمية الدين ـ كما يشعر بذلك كثير منهم الآن ـ وإذا ما صدهم عما عرفوه من أديان تناقضها المنطقي، أو مخالفتها للواقع المحسوس فسيجد ديناً فيه كل ما يريد من هدى واستقامة وراحة نفسية، وهو خالٍ من تلك النقائص. فسيكون العلم الطبيعي بإذن الله تعالى سبباً من أسباب دخول الناس في هذا الدين على المستوى العالمي.
6 - والغرب وإن كان في مجموعه مهيمناً تلك الهيمنة التي ذكرناها سابقاً إلا أنه ليس شيئاً واحداً منسجماً متعاوناً، وإنما هو شعوب ودول وجماعات تختلف مصالحها ويثور التنافس والتحاسد بينها، ويرتاب بعضها من قوة بعضها ويخشى من سيطرتها.

إذا كانت تلك هي بعض المقومات التي تؤهل الإسلام ليكون دين القرية العالمية، ومركز حضارتها، فإن في واقع الأمة المنتمية إليه الآن ما يعرقل سيرها بدينها نحو تلك العالمية:
1 - أول تلك العوائق هو كون الحضارة الغربية قد نجحت في جعل بعض المنتسبين إليه عملاء لها في داخل الأوطان الإسلامية، ومكنت لهم فيها؛ فهم الذين قسّموا الأمة وجعلوها متنازعة، وشغلوها بصراعات داخلية سياسية واجتماعية، فحالوا بذلك بينها وبين أن تسعى متكاتفة إلى الأخذ بأسباب التقدم المادي من علم طبيعي وتقنية وإنتاج؛ لأن وحدة الأمة ـ وإن كانت كافرة ـ شرط في هذا كما تشهد بذلك تجارب اليابان والأمم الغربية.
2 - وثانيها أن هذا النزاع كان وما يزال السبب في فقدان القدر اللازم من الحرية التي هي أيضاً شرط لذلك التقدم. لكن الغربيين الذين كانوا سبباً في فقدانها يعزون هذا الفقدان الآن إلى طبيعة العرب أو طبيعة الإسلام! وقديماً قال العربي: (رمتني بدائها وانسلَّت).
3 - وثالثها أن كثرة كاثرة من المنتمين إلى الإسلام قد حادوا عن جوهره التوحيدي، ففقدوا بذلك الشرط الذي علق الله ـ تعالى ـ نصره لهم عليه في مثل قوله تعالى: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)) [سورة النور: 55].
4 - ورابعها أن الغرب يبالغ في خوفه من الإسلام، ويزيد في هذا التخويف أناس يبالغون في خطر البعث الإسلامي الجديد متخذين من هذا التخويف وسيلة لتحقيق مآرب لهم لا تمت إلى مصلحة الغرب في شيء؛ وأكثر من يعينهم على هذا ويعطيهم أدلة يفرحون بها أناس لا عقل لهم ينتمون إلى حركة البعث هذه يكثرون من التهديد والوعيد للغرب من غير أن تكون لهم مقدرة على تحقيق أدنى شيء منه. وبسبب هذا الخوف المَرَضي من الإسلام ييالغ الغرب في ضغطه على الدول الإسلامية والتدخل في شؤونها ليقضي على كل بادرة نهضة إسلامية تطل برأسها فيها، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21] .
5 - مع كل هذا الخطر الغربي فإن بعض الدعاة عندنا يتصرفون وكأنه لا وجود للغرب نفسه؛ فلا يتتبعون أخباره ولا يهتمون بمعرفة سياساته ومخططاته، ولا يفكرون في الرد على أفكاره، وكأنهم لم يسمعوا بمثل ما قال عالم الجزيرة الشيخ السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ: (إن معرفة أحوال الكفار من أعظم أبواب الجهاد). وصار هؤلاء الدعاة ـ بسبب هذه الغفلة ـ مشغولين بمحاربة أناس هم معهم في صف البعث الإسلامي. إنّ نقدَ الخطأ ـ ولا سيما ما كان في مسائل العقيدة ـ أمر واجب وعمل عظيم؛ لكن نقد أخطاء المسلمين شيء، وجعلها الشغل الشاغل عن الخطر الداهم شيء آخر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:51 pm

(العولمة) مصطلح من المصطلحات التي شاعت بيننا في هذه السنين الأخيرة، مثل الحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد الاستعمار، وما بعد الإمبريالية وغيرها، وهو تعبير جديد على لغتنا، فهو مترجم قطعا، كما سنرى.
والمعروف أن (العولمة) مصدر على وزن (فوعلة) مشتق من كلمة (العالَم)، كما يقال (قولبة) اشتقاقا من كلمة (قَالَب).
فالتعبير صحيح من الناحية اللغوية، ولكن يبقى علينا أن نعرف معناه والمقصود منه، حتى يمكننا الحكم عليه؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره، كما قال قديمًا علماء المنطق.
العولمة تعني في نظر البعض: إزالة الحواجز والمسافات بين الشعوب بعضها وبعض، وبين الأوطان بعضها وبعض، وبين الثقافات بعضها وبعض. وبذلك يقترب الجميع من (ثقافة كونية) و(سوق كونية) و(أسرة كونية).
ويعرفها بعضهم بأنها تحويل العالم إلى (قرية كونية). ولذا نرى بعض الباحثين يستخدم هنا (الكوننة) اشتقاقا من كلمة (الكون) بمعنى العالم أيضا. كما أن بعضهم استعمل كلمة (الكوكبة) إشارة إلى كوكب (الأرض) التي نعيش عليها. ولكن الكلمة التي ذاعت وانتشرت هي (العولمة).
ويتعامل الفرنسيون مع كلمة العولمة بلفظة: (Mondialisation)، في حين أن الأمريكيين والإنجليز يتعاملون مع كلمة (Globalization) الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل.
وبهذا المعنى يمكن أن نحدس، أو على الأقل نفترض، أن الدعوة إلى العولمة بهذا المعنى إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة وجعله يشمل الجميع: العالم كله.
من هنا نستطيع أن نحدس، منذ البداية، أن الأمر يتعلق بالدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله.
وبعبارة أخرى: بما أن الدعوة إلى العولمة قد ظهرت فعلا في الولايات المتحدة الأمريكية بهذا المعنى، في أوساط المال والاقتصاد، فإن لنا أن نستنتج أن الأمر يتعلق ليس فقط بآلية من آليات التطور الرأسمالي الحديث، بل أيضا بالدعوة إلى تبني نموذج معين. وبالتالي فالعولمة هي، إلى جانب كونها نظاما اقتصاديا، هي أيضا أيديولوجيا تعكس هذا النظام وتخدمه وتكرسه. وهناك من الكُتاب من يقرن بينها وبين "الأمركة"، أي نشر وتعميم الطابع الأمريكي.[1]
بين العولمة والعالمية:
وربما كان معنى العولمة في ظاهره يقترب من معنى (العالمية) الذي جاء به الإسلام، وأكده القرآن في سوره المكية، مثل قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء:107)، {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} (الفرقان:1)، {إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين} (ص: 87،88).
ولكن هناك في الواقع فرق كبير بين مضمون (العالمية) الذي جاء به الإسلام، ومضمون (العولمة) التي يدعو إليها اليوم الغرب عامة، وأمريكا خاصة.
فالعالمية في الإسلام تقوم على أساس تكريم بني آدم جميعا {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70)، فقد استخلفهم الله في الأرض، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه. وكذلك على أساس المساواة بين الناس فـي أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأنهم جميعًا شركاء في العبودية لله تعالى، وفي البنوّة لآدم، كما قال الرسول الكريم أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر، إلاّ بالتقوى…"[2]
وهو بهذا يؤكد ما قرره القـرآن في خطابه للناس كل الناس: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات: 13).
ولكن القرآن في هذه الآية التي تقرر المساواة العامة بين البشر، لا يلغي خصوصيات الشعوب فهو يعترف بأن الله تعالى جعلهم (شعوبا وقبائل) ليتعارفوا.
أما (العولمة) فالذي يظهر لنا من دعوتها حتى اليوم: أنها فرض هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية من الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وخصوصًا عالم الشرق، والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي.
الولايات المتحدة بتفوقها العلمي والتكنولوجي وبقدرتها العسكرية الهائلة، وبإمكاناتها الاقتصادية الجبارة وبنظرتها الاستعلائية.. ترى نفسها أنها سيدة العالم.
إنها لا تعني معاملة الأخ لأخيه كما يريد الإسلام، بل ولا معاملة الند للند كما يريد الأحرار والشرفاء في كل العالم، بل تعني معاملة السادة للعبيد والعمالقة للأقزام والمستكبرين للمستضعفين.
العولمة في أجلى صورها اليوم تعني (تغريب العالم) أو بعبارة أخرى (أمركة العالم). إنها اسم مهذب للاستعمار الجديد الذي خلع أرديته القديمة، وترك أساليبه القديمة ليمارس عهدا جديدا من الهيمنة تحت مظلة هذا العنوان اللطيف (العولمة).
إنها تعني فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وأي دولة تتمرد أو تنشز، لا بد أن تؤدب بالحصار أو التهديد العسكري أو الضرب المباشر، كما حدث مع العراق والسودان وإيران وليبيا.
وكذلك تعني فرض السياسات الاقتصادية التي تريدها أمريكا عن طريق المنظمات العالمية التي تتحكم فيها إلى حد كبير، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها.
كما تعني فرض ثقافتها الخاصة التي تقوم على فلسفة المادية والنفعية وتبرير الحرية إلى حد الإباحية، وتستخدم أجهزة الأمم المتحدة لتمرير ذلك في المؤتمرات العالمية، وتسوق الشعوب إلى الموافقة على ذلك بسياط التخويف والتهديد، أو ببوارق الوعود والإغراء.
وتجلى ذلك في (مؤتمر السكان) الذي عقد بالقاهرة في صيف 1994، والذي أريد فيه أن تمرر وثيقة تبيح الإجهاض بإطلاق، وتجيز الأسرة الوحيدة الجنس (زواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء) وإطلاق العنان للأولاد في السلوك الجنسي، والاعتراف بالإنجاب خارج إطار الزواج الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور التي تخالف الأديان السماوية كلها، كما تخالف ما تعارفت عليه مجتمعاتنا، وغدا جزءا من كينونتها الروحية والحضارية.
ومن هنا وجدنا الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في مكة، وجمهورية إيران الإسلامية، والجماعات الإسلامية المختلفة، تقف جنبًا إلى جنب مع الفاتيكان ورجال الكنيسة، لمقاومة هذا التوجه المدمر؛ إذ شعر الجميع أنهم أمام خطر يهدد قيم الإيمان بالله تعالى ورسالاته، والأخلاق التي بعث الله بها رسله عليهم السلام.
كما تجلت هذه العولمة في (مؤتمر المرأة) في بكين سنة 1995 وكان امتدادًا لمؤتمر القاهرة وتأكيدًا لمنطلقاته، وتكميلاً لتوجهاته.
وهذه قضية في غاية الأهمية (الاعتراف بالخصوصيات) حتى لا يطغى بعض الناس على بعض، ويحاولوا محو هويتهم بغير رضاهم.
بل نجد الإسلام يعترف باختلاف الأمم، وحق كل أمة في البقاء حتى في عالم الحيوان، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" رواه أبو داود[3]، وهو يشير إلى ما قرره القرآن في قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} (الأنعام: 38).
وإذا خلق الله أمة مثل أمة الكلاب، فلا بد أن يكون ذلك لحكمة، إذ لا يخلق سبحانه شيئاً إلا لحكمة {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} (آل عمران: 191) فلا يجوز إذن حذف هذه الأمة المخلوقة من خارطة الوجود، فإن هذا تطاول واستدراك على خلق الله تبارك وتعالى.
إذا كان هذا في شأن الأمم الحيوانية، فما بالك بشأن الأمم الإنسانية؟ إلا أن ترتضي أمة باختيارها الانصهار في أمة أخرى: في دينها ورسالتها ولغتها، كما فعلت مصر وبلاد شمال أفريقيا وغيرها، حين اختارت الإسلام دينا، والعربية لغة، بل أصبحت عضوا مهما في جسم هذه الأمة، بل لها دور القيادة في كثير من الأحيان.
العولمة استعمار جديد
إن (العولمة) كما تطرح اليوم، إنما تصب في النهاية لصالح الأقوياء ضد الضعفاء، ولكسب الأغنياء ضد الفقراء، ولمصلحة الشمال الغني ضد الجنوب الفقير.
وهذا طبيعي؛ لأن التكافؤ مفقود في حلبة المصارعة أو الملاكمة، بين الأوزان الثقيلة والأوزان الخفيفة، بل بين المصارع المدرب الممارس، وبين خصمه الضعيف الذي سيسقط لا محالة في بداية اللقاء من أول ضربة.
وماذا يمكن أن نتصور من نتائج سباق يفتح ميدانه لمن يريد المشاركة فيه؟ كيف يكون مصير من يركب الجمل أو الحمار إذا سابق من يركب السيارة؟
إن فتح الأبواب على مصاريعها - بدعوى العولمة - في مجالات التجارة والاقتصاد، والتصدير والاستيراد، أو في مجالات الثقافة والإعلام، سيكون لحساب القوى الكبرى، والدول التي تملك ناصية العلم والإعلام الجبار والتكنولوجيا العالية والمتطورة، ولا سيما الدولة الأكبر قدرة، والأشد قوة، والأعظم نفوذا وثروة، وهي أمريكا.
أما بلاد (العالم الثالث) كما يسمونها، وخصوصا (البلاد الإسلامية) منها، وهي ما أطلق عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله (محور طنجة - جاكرتا) فليس لها من هذا السباق العالمي، إلا بقايا ما يفضل من الأقوياء، إن بقي لديهم ما يجودون به من فتات على الآخرين.
إنه الاستعمار القديم بوجه جديد واسم جديد. إن الاستعمار يغير لونه كالحرباء، ويغير جلده كالثعبان، ويغير وجهه كالممثل، ويغير اسمه كالمحتال، ولكنه هو هو، وإن غير شكله وبدل اسمه: استكبار في الأرض بغير الحق، وعلو كعلو فرعون في الأرض، والذي جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم.
ولكن الاستعمار الجديد الذي يريد العلو والفساد في الأرض كافة، لا يستضعف طائفة، بل يستضعف شعوب الأرض، لمصلحة أقلية ضئيلة منهم[4].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:53 pm

العولمة :
المفهوم، والعلاقة بالمفاهيم الاجتماعية، في ظل التطور التاريخي

أ/ عبدالله أحمد المصراتي
أستاذ بقسم علم الاجتماع بجامعة
المرج للأقسام- ليبيا
قبل البدء في الحديث عن مفهوم العولمة Globalizationلابد من الإشارة إلى أن أغلب المحولات الاجتهادية الرامية تبيان مفهوم ودلالة ظاهرة العولمة لم تبلغ مبتغاها ومرامها الأساسي بعد، فالبعض من تلك الاجتهادات اقتصرت على وصف هذه الظاهرة على أنها عملية أمركة العالم، أي نشر الثقافة الأمريكية بحيث تغلب على الثقافات المجتمعية الأخرى(1)، ويرها البعض الآخر على انها الوجه الآخر للهيمنة الإمبريالية على العالم تحت الزعامة المنفردة للولايات الأمريكية، فهي ابشع واحدث صور الهيمنة الاستعمارية(2)، وثمة من ينظر إليها بمنظور أوسع، ملخصه أن العولمة تمثل عملية رسملة العالم، أي أن العولمة عملية يراد منها نشر مبادئ النظام الاقتصادي الرأسمالي وفرضه على عامة الأساليب الاقتصادية التي تتبعها المجتمعات الأخرى(العولمة الاقتصادية)(3)، في حين يذهب فريق ثالث للقول بأن العولمة ظاهرة تنحو بالمجتمعات الإنسانية قاطبة نحو التجانس(التشابه) الثقافي وتكوُّن الشخصية العالمية ذات الطابع الانفتاحي على ما حولها من مجتمعات وثقافات مختلفة (العولمة الثقافية و ثقافة العولمة)(4)، ويعول أنصار هذا الفريق على جملة التطورات الهائلة الحادثة في قطاع الاتصالات والمواصلات بين المجتمعات الإنسانية المختلفة والتي أسهمت بشكل كبير في نشر ثقافات المجتمعات بخاصة المتقدمة والتي ترنو المجتمعات النامية بلوغ مستوى تطورها الصناعي والاقتصادي والعلمي، وعموما يبدو أن منظار هؤلاء للعولمة أوسع نطاقا مما سبق عرضها .

هذا من جهة تباين المفكرين من حيث اتساع أو ضيق نظرتهم للعولمة، ومن جهة ثانية، يبدو الاختلاف في المؤشرات الكمية والكيفية والتي تنم على الدخول في عصر العولمة، فنجد الاقتصاديين يرون أن الشركات والمصارف العملاقة متعددة، ومتعدية الجنسية، والهادفة إلى الربح الفاحش، وذات المبادئ الرأسمالية هي من أبرز المؤشرات على هذا العصر الجديد، في حين يرى السياسيون أن ظاهرة ضعف نظام الدولة القومية في العالم وانتشار التيارات المطالبة بالحرية والديموقراطية هي المؤشر الحقيقي على عصر العولمة، أما الاجتماعيون فنجدهم يركزون على عمليات التجانس الثقافي المتوقع حدوثها بين أقطار العالم، وتبلور الشخصية العالمية، وتمركز مصادر القوة في الجوانب الاقتصادية والمالية، معتبرين ذلك من مؤشرات عصر العولمة، هذا ويذهب الإعلاميون للتأكيد على أن التطور في وسائل الاتصال والإعلام بوجه الخصوص هي من دواعي الدخول في عصر المعلومات .

هذا، يبدو الاختلاف بين العلماء والمفكرين، من جهة ثالثة، في الزاوي التي يركز عليها كل فريق منهم، فالبعض يذهب حين تحديد ماهية مفهوم العولمة للتركيز على الآثار السلبية(5) أو المضعفات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للعولمة، والتي بات العالم بأسره يعاني من ويلاتها بما في ذلك دول العالم الغني، والتي عادت ما يُنسب لها منشأ العولمة. إن أصحاب هذا المذهب يمثلون الفريق المعارض أو النابذ للعولمة. في مقابل هذا الفريق نجد فريق ثان يؤكد على بعض الإيجابيات التي تتضمنها ظاهرة العولمة والتي من أبرزها الانفتاح على العالم والتبادل الثقافي والاقتصادي التجاري، وشيوع مبادئ الديموقراطية بالمنظور الغربي، أي القائمة على التعددية الحزبية، وتأكيد قيم احترام الإنسان وتقدير آدميته وحقه في الحياة الكريمة . في مقابل هذين الفريقين نجد فريق ثالث يقف موقفا متحفظا من التغيرات العالمية الجديدة (مؤشرات عصر العولمة)، هادفا، هذا الفريق، تجنب مساوئ العولمة والتي منها مثلا انتشار الجريمة المنظمة والجرائم الحديثة والفساد الإداري وجرائم المخدرات والعنف والإرهاب والانحلال الخلقي، وضعف قدرة النظام الداخلي على الإمساك بزمام الأمور بالدولة(انهيار الدولة القومية) وأزمة المديونة للعديد من المجتمعات النامية، وارتفاع معدلات الهجرة وازدياد عدد من هم تحت خط الفقر(6)..الخ، كذلك يهدفون استثمار مميزات العولمة أو محاسنها والتي من أهمها التطور الحادث في مجال التقانة (التكنولوجيا) وبخاصة في مجال التصنيع والإعلام والاتصال واستخدام الطاقة ... الخ، ويرى متزعمو هذا الفريق أن النجاة من مضعفات العولمة تتمثل فيما يُصطلح عليه (بالفضاء الجغرافي، والمجال الحيوي)، وتتلخص هذه الفكرة في ضرورة أن تتكتل الدول القزمية ذات المجال الجغرافي المتقارب في مجال حيوي يناسبها تجنبا لجبروت الدول العملاقة والاتحادات الكبيرة، وهذا ما يضمن لها مكانتها بين الدول والتكتلات الأخرى القائمة في الغالب على أساس من المصلحة والتبادل الاقتصادية والتجاري .

عموما يحاول "محسن الخضيري"(7) في كتابه "العولمة" 2000 تعريف مفهوم العولمة والوقوف على أهم جوانبه فيقول : أن العولمة مفهوم "يعبر عن حالة من تجاوز الحدود الراهنة للدول إلى آفاق أوسع وارحب تشمل العالم بأسره"، أي بمعنى أن العولمة تمثل الانفتاح على العالم والتأثير الثقافي المتبادل بين أقطاره المختلفة . ومن أهم مؤشرات العولمة التي يطرحها "الخضيري" الآتي :
1.حرية حركة السلع والخدمات والأفكار والتبادل الفوري دون حواجز أو حدود .
2. تحول العالم إثر التطور التقني والتيار المعلوماتي إلى قرية كونية صغيرة بل كوخ إلكتروني .
3. ظهور نفوذ وسطوة الشركات متعددة ومتعدية الجنسيات وفوق القومية .
4. بروز تيارات فكرية منادية باحترام حقوق الإنسان وآدميته ورفع الاستعباد والجور والطغيان والتعسف وكل أشكال الهيمنة والقهر .

ومن جهة ثانية يورد "الخضيري" أن للعولمة جوانبها المتعددة، منها السياسي والمتجلي في انهيار الدولة القومية، وسيادة فكرة الديمقراطية والمطالبة بحقوق الإنسان ، ومنها الاقتصادي المتمثلة في الأسواق الحرة والشركات متعددة الجنسيات ومتعدية الحدود، ومنها الاجتماعي والثقافي المتمثل في الاتجاه نحو التجانس الثقافي، وانفتاح الأنظمة الاجتماعية وبخاصة نظام التدرج الاجتماعي ونظام الأسرة ، والجوانب التكنولوجية أو التقنية المتمثلة في التقانة وبخاصة الصناعية والحربية والكمبيوتر ووسائل الاتصال التي تستخدم تقنيات الأقمار الصناعية .

ومهم يكن من أمر هذه المحاولات، فلا يبدو للباحث هنا أنها توضح المفهوم توضيحا يُقبل وفق المنطق العلم منهجي؛ فالمفاهيم العلمية Concepts scientism أدوات ذات أهمية علمية كبيرة في تواصل جمهور العلماء وتفاهمهم والتعبير عن طروحاتهم، فهي تستخدم للتعبير عن مكنون الأفكار وشرح النظريات العلمية المفسرة للظواهر محل اهتمام الفرع العلمي الذي ينتمي إليه هذا أو ذاك العالم(8) . ومن هنا فإن تعريف المفاهيم أمر غاية في الأهمية في أي مجال علمي . والحقيقة أن أغلب مفاهيم العلوم السلوكية وبخاصة الاجتماعية تتداخل في معناها وتحتاج جهدا ذهنيا كبيرا للفصل بينها من حيث ما تشير إليه، ومن بين الأساليب الناجعة لهذا الغرض هو مقارنة هذه المفاهيم ببعض لوضع الفواصل بين ما تشير إليه، وأني أعتقد أن هذا الأسلوب سيساعد كثير في توضيح فهم مدلول كل مفهوم بما في ذلك المفاهيم حديثة الاستخدام كمفهوم العولمة .
مفهوم العولمة وعلاقته بالمفاهيم الاجتماعية الأخرى
قبل اتباع هذه الآلية في تعريف وتحديد ماهية مفهوم العولمة لابد من الوضع في الاعتبار بعض النقاط الآتية :
1. أن العولمة ظاهرة عالمية نشأت إثر تراكم عوامل عدة منها الاقتصادي ومنها الاجتماعي الثقافي ومنها السياسي ومنها العلمي التقني فهي ليست محض صدفة .
2. أن العولمة تشير إلى مرحلة من مراحل التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية وكانت بدايتها الأولى مع دخول العالم عصر حرب النجوم وسباق التسلح .
3. أنه ليس ثمة دولة بعينها مسؤولة عن تطور هذه الظاهرة العالمية والتي تمثل مرحلة تطور زادت معها درجة تعقيد الحياة الاجتماعية .
4. أن للعولمة أثارها الإيجابية وكذلك لها مضعفات سلبية لم تنجو منها حتى تلك الدول التي تدعي أنها المسؤولة عن نشؤ ظاهرة العولمة في العالم .
5. أن الشركات المتعددة الجنسيات والمتعدية الحدود، والثورة المعلوماتية، والتطورات الهائلة في مجالات عدة من أهمها الفلك والطب والكمبيوتر ليست إلا نتاج تراكم المعرفة العلمية ولم تكن في منشأها نتاج صدفة، وهي من أبرز مؤشرات العولمة .

على هذا النحو تكون العولمة عبارة عن مرحلة من مراحل التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية أسهمت في إحداثها مجموعة من العوامل وبرزت لها العديد من المؤشرات الكيفية والكمية وهي تمثل ظواهر برزت بشكل أوضح بعد دخول العالم مرحلة التصنيع المتقدم .

وفق هذا التصور تكون العولمة ضرب من التغير الاجتماعي Social change الحادث على المجتمعات الإنسانية، فالعولمة لا تعدو أن تكون نقلة من النقلات التي تخطوها المجتمعات الإنسانية نحو مزيد من التعقيد الاجتماعي المادي، والاعتماد على التقانة المعقدة، وإن الفارق الجوهري ما بين التغير الاجتماعي والعولمة يكمن باعتقادينا في أن التغير يشير إلى أي نوع من أنواع التبدل أو التحول الحادث على تركيبة المجتمع سواء كان هذا التغير إيجابيا أو سلبيا تقدميا أو انتكاسيا سريعا أو بطئا عميقا أو سطحيا ..الخ، أما العولمة فهي حالة من التغير تشير إلى تحول المجتمعات الإنسانية نحو مزيد من التعقيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتقاني . بمفهوم أيسر، التغير هو مفهوم أشمل من العولمة إذ الأخير يستظل بمظلة الأول أو يدخل تحت صنوفه . لاحظ هنا أن الفارق ما بين مفهومي العولمة والتغير مثله مثل الفارق بين مفهومي التحديث الاجتماعي والتغير الاجتماعي، فهما من نفس الفئة ولكن لا يشيران إلى نفس الشيء، فالتحديث هو عبارة عن تغير، ولكنه تغير إيجابي عادة ما يكون مقصودا من قبل الجهات المسؤولة عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع(9). كذا مفهوم العولمة فهو يشير أيضا إلى ضرب من التغير الاجتماعي العام والذي ينم عن ازدياد درجة التعقيد الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، غير أنه لم يكن مقصودا بالدرجة التي قُصد بها إحداث التحديث الاجتماعي بالمجتمع . هذا ناهيك عن أن العولمة تشير إلى التغير على مستوى العالم الإنساني، أما التحديث فهو يشير إلى التغير على مستوى المجتمع الواحد، وللدلالة على هذه التفرقة ما بين مفهومي التحديث والعولمة (وهى فروق كمية أكثر من كونها فروق نوعية ) نجد البعض من المنتمين إلى علم الاجتماع بالدرجة الأولى يشيرون إلى عصر العولمة بأنه "عصر ما بعد التحديث الاجتماعي" أو "مرحلة ما بعد التصنيع"(10) ، وهذا ما يشير بوضوح إلى أن هذه المرحلة الجديدة ما هي إلا امتداد للمرحلة القديمة والتي تمثل التحديث الاجتماعي .
التطور التاريخي لظاهرة العولمة
قد يسهم سرد تاريخ تطور المجتمعات الإنسانية في فهم مفهوم العولمة وكشف حقيقة التصورات الخاطئة التي وقع فيها الكثير من متناولي هذا المفهوم . لقد كانت المجتمعات الإنسانية تعيش في شكل تكتلات مستقلة عن بعضها البعض، وذلك بعد استئناس الحيوان واعتماد الزراعة البسيطة في أسلوب المعيشة، ومع الاستمرار في التطور دخلت المجتمعات مرحلة الإقطاع (مُلاك المزارع) ولقد زادت التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد اكتشاف العالم الجديد فابتُكرت أول الآلات الصناعية وكانت تلك النقطة مرحلة دخول المجتمعات الإنسانية مرحلة الصناعية (الثورة الصناعية)، وهذه المرحلة تمثل بدايات التحديث الاجتماعي في المجتمعات المتقدمة، بدأت ثقافة التحديث الاجتماعي والسياسي منذ ذلك الوقت في الانتشار بأرجاء العالم بعد التطور النسبي في وسائل الاتصال والمواصلات عبر المجتمعات .

لم يقف التطور والتعقيد بتركيبة المجتمعات الإنسانية عند هذه النقطة - بالرغم من وجود بعض المفكرين الذين أدعو أن هذه المرحلة(الرأسمالية الحديثة) من التطور تمثل نهاية الحركية التاريخية (الديناميكية) التي تمر بها المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل، ومن أمثال هؤلاء الياباني "فوكوياما(11)"- بل زاد التطور بدرجات أكبر مما كان يتوقعه البعض في مجالات عدة منها الاتصالات والمواصلات والبحث العلمي في مجال الوراثة والفلك، والصناعات التقنية وفي مجال صناعة الإنسان الآلي (الروبوت)... الخ، كما تطورت أساليب استخدام الطاقة، الأمر الذي ترتب عليه التغير في المبادئ الاقتصادية والسياسية والتركيبات الاجتماعية لأبنية تلك المجتمعات على نحو ما نشهد في العالم اليوم .

هذه المرحلة هي باختصار مرحلة العولمة (أي جملة التطورات المعقدة التي طرأت على تركيبة المجتمعات الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية إثر بزوغ جملة من المتغيرات جراء خروج العالم من مرحلة التحديث الاجتماعي ودخوله في مرحلة ما بعد التصنيع الثقيل والاتجار الحر، والحرب النووية ) .
الهوامش والمراجع
1. أنظر: ليث عبد الحسن جواد، المضامين الاجتماعية للعولمة، مجلة دراسات، السنة الأولى، العدد الرابع، 1999، ص 46 .
2. نداء مطر صادق، العولمة واختراق السيادة، المرجع السابق، ص 60 .
3. شفيق الطاهر، العولمة واحتمالات المستقبل،مجلة دراسات، العدد الأول 1999، ص ص7 – 11 .
4. عبد الإله بلقزيز، العولمة والهوية الثقافية( عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة)، مجلة المستقبل العربي، العدد234، 1998، ص ص 91 – 99 .
5. حول الآثار السلبية للعولمة أنظر: مصرف ليبيا المركزي، العولمة وبديلها، وآثرهما على البلدان النامية، النشرة الاقتصادية، الجلد 40، 2000، ص ص 3-4 .
6. أنظر : المم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية، حالات فوضى: الآثار الاجتماعية للعولمة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997 .
7. د. محسن أحمد الخضيري، العولمة " مقدمة في فكر واقتصاد وإدارة عصر اللادولة" ط 1، مجموع النيل العربية للنشر، (ص ص 15-27 ) .
8. د. عبدالله عامر الهمالي،أسلوب البحث الاجتماعي وتقنياته، ط1، منشورات جامعة قاريونس، 1988،ص ص 26-28.
9. عبدالله عامر الهمالي، التحديث الاجتماعي: معالمه ونماذج من تطبيقاته، الدار الجماهيرية للنشر، 1986، ص 16 .
10. شعبان الطاهر الاسود، الثقافة والمجتمع والتغير الاجتماعي، مجلة دراسات، السنة الأولى، العدد الرابع، 1999، ص ص 13- 14 .
11. أنظر: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، ترجمة: حسين الشيخ، دار العلوم العربية، 1993


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:55 pm

العولمة .. الواقع .. والإمكانات
(قراءة في كتاب اتجاهات العولمة
وإشكالات الألفية الجديدة لـ السيد ولد أباه)

باسمة صوَّاف

العولمة، العالمية، الكونية ... ومصطلحات أخرى تتردد في وقتنا الحاضر، البعض يجهلها والبعض الآخر يعيها كمفهوم ولا يعي أخطارها. ولكن ما الفرق بين العالمية والعولمة والكونية؟ هل تلتقي في رؤية واحدة، أم تتفرغ وتتشعب في مسارات مختلفة؟ هل وجدت العولمة منذ وجود الحضارة الإنسانية على الأرض؟ أم هي وليدة ظروف سياسية واقتصادية مرّ بها العالم في النصف الثاني من الفرن العشرين؟ ألم تكن الحضارات التي نشأت في الزمن قائمة على العولمة من خلال سيطرتها على الشعوب الضعيفة؟ ألم تكن الدولة العربية الإسلامية شكلاً من العولمة لها في فترة زمنية من التاريخ، من خلال طرح الإسلام كدين عالمي للبشر كافة ... دين يحترم الرغبات الشخصية والديانات المختلفة ويحترم حرية الشعوب، ويعمل على تحسين أوضاع الناس نحو الأفضل.

ما تأثير العولمة على العالم عامة والوطن العربي خاصة؟ وما تأثيرها على أوضاعنا السياسية نحن الشعب الفلسطيني؟ وكيف يتحصن الوطن العربي لمواجهة هذا الخطر؟ وما هي سبل الخلاص منه؟ ولماذا ينساق أبناؤنا نحو العولمة متحللين من مبادئهم وقيمهم وقوميتهم؟ وما الذي افتقد في حضارتهم ووجدوه في الحضارات الأخرى؟! وكيف نحصن العقول ونحميها من خطر العولمة؟ وكيف نحمي هويتنا من تيار يجرفنا معه نحو الهاوية؟ ألم تدرك هذه العقول أن العولمة قد تجاوزت المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية إلى التغيير النوعي للبشرية لخدمة أطماعها؟ وهذا يضعنا أمام الصورة الأخرى للعولمة من خلال معرفتنا بـ: ماهية العولمة، مدى تمظهرها في الوطن العربي؟ كيفية التعامل معها.

ثورة الاتصالات وأبعادها الأيديولوجية

اختلفت موازين القوى في القرن العشرين نتيجة ما شهده العالم من تقدم هائل في مجال تكنولوجيا المعلومات والتقنيات الاتصالية الجديدة التي أصبحت جوهر السلطة التي تقوم عليها الدولة. ومن أبرز هذه التقنيات شبكة "الإنترنت" التي وجدت في الأصل لخدمة وزارة الدفاع الأمريكية، وتحولت فيما بعد إلى استخدام عام لمختلف أنحاء العالم.

يقول "بيل غيتس" في كتابه الطريق إلى الأمام: "سيفضي الإنترنت إلى تغيير جذري في شكل العالم من حيث أوجهه المختلفة" (اتجاهات العولمة: 9). ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة قد وظفت الإنترنت لخدمة شؤونها الإستراتيجية والسياسية. وقد أشار زعيم اليمين المحافظ في الولايات المتحدة "نيوت غينغرش" في كتابه نهوض أمريكا إلى "أن التفوق المعلوماتي سيضمن لبلاده السيطرة على العالم والتحكم به" (10).

وكان نتيجة هذا التقدم ظهور العولمة التي ظهرت في شتى مجالات الفكر الإنساني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي. وقد تنبه لهذا الخطر الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" الذي دعا إلى مواجهة هذا الغزو الثقافي الأمريكي واللغة الانجليزية، وذلك من خلال تقنين استخدام شبكة الإنترنت.

ولا يقل خطر الإعلام الفضائي عن الإنترنت، حيث أنه لم يعد يهتم بتغطية الأحداث فحسب، بل أصبح أكثر ميلاً للصور الخاطفة التي أشار إليها المفكر الفرنسي "رجيس دوبرية" بما سماه "ثقافة الصورة". وقد سيطرت السلطات السياسية والاقتصادية في الدول الغربية على الإعلام لمعرفتها بمدى تأثيره وخطره على الثقافات الأخرى.

وقد تنبهت المجتمعات العربية إلى خطر الإعلام الفضائي، حيث نلاحظ في الآونة الأخيرة جرأة هذا الإعلام في طرح الموضوعات الحساسة والساخنة. وفي الوقت ذاته تنبهوا إلى خطر ما يسمى "بالعولمة" الذي أصبح يخترق الحضارة والثقافة العربية من أجل انخراطها ضمن الثقافة الأحادية المتمثلة بالولايات المتحدة.

فوكوياما ونهاية التاريخ

أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى إعلان الولايات المتحدة ميلاد نظام جديد يرتكز على الحرية. وهذا ما أشار إليه المفكر "فرنسيس فوكوياما" في كتابه نهاية التاريخ، مؤكداً انتهاء الصراع بين الأيديولوجيات السياسية بانتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية انتصاراً حاسماً.

وهذه النظرية – نهاية التاريخ – تضع السيطرة بين يدي دولة واحدة متمثلة بأمريكا، وهي بذلك تقضي على كل ما يربط الإنسان بالعقيدة والأرض والتاريخ. وتضيف إليها قيماً جديدة بديلة.

لذلك، نجد فوكوياما يعبر عن نهاية الأيديولوجيا بنهاية التاريخ على اعتبار أن التاريخ مكان الصراع بين الأفكار والأيديولوجيات المختلفة. وهو يرى أن الصراع توقف باندثار الشيوعية وانطلاق بديل أيديولوجي جديد، هو البديل الليبرالي الشامل للنواحي السياسية والثقافية والرأسمالية الاقتصادية.

وقد استفاد فوكوياما من طروحات "هيغل" المثالية، "التي عنيت بالصياغة المكتملة للاتجاه التاريخاني من حيث مشروعها النسقي الجدلي الرامي إلى ردم التصدعات ولأم الشروخات التي أفضى إليها مشروع الحداثة في مستوياته المختلفة: الفهم، العقل، المجتمع المدني، الدولة، الذات، المنطق" (149).

وتعمل العولمة على صهر العالم في بوتقة حضارية معينة، كما أنها تعتبر قمة التطور التي وصلت إليها الرأسمالية، حيث تسعى إلى استبدال المال المحلي برأس المال العالمي، وما يترتب على ذلك من انقلاب في علاقة الإنسان بواقعه وبالآخرين من جهة، وبتاريخه وميراثه الثقافي أو الحضاري من جهة أخرى. وقد أطلق "هربرت ماركوز" على هذه الحضارة الجديدة "حضارة الإنسان ذي البعد الواحد" (126).

وتعتبر تجربة "النمور الآسيوية" تحدياً للرأسمالية الأمريكية التي لم تستطع بدورها اختراق التقاليد والأعراف الدينية والمجتمعية الآسيوية. وتعود أسباب الأزمة الآسيوية إلى انهيار العملة، وانعدام الرقابة على حركة الرساميل. ولكن المفكر "سوروس" أرجأ هذه الأزمة إلى ما يُسمى بالوهم الأيديولوجي القائم على التوازن. وكأن حركة الأسواق المالية تستقر وتتوازن بذاتها دون أي تدخل خارجي.

وتسعى الدول الآسيوية إلى الحفاظ على هويتها من خلال اعتمادها على اقتصاد غير رأسمالي يعارض فيه النمط الليبرالي الغربي الذي يهدف إلى الربح في الدرجة الأولى. ومن ناحية أخرى تسعى الصين إلى إيجاد نموذج اقتصادي يجمع بين الرأسمالية ومُثُل الاشتراكية على أن يخضع للتقاليد الصينية.

وقد نادى عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بووديو" باليوتوبيا الليبرالية الجديدة التي تقوم على "الإيمان المطلق بحرية التبادل، وتقديس سلطة السوق، والبحث عن أقصى حد من المنفعة الفردية، والحد من نفوذ السلطة المركزية، والخصخصة الشاملة للمصالح العمومية" (36). ولكن الليبرالية الجديدة وما حملته من مبادئ مضللة عن الحرية والديمقراطية والرأسمالية ترى أن العالم قد تجاوز اليوتوبيا باتخاذها نهجاً جديداً يمارس في أنحاء العالم.

"صامويل هانتينغون" وصراع الحضارات

بينما نجد فوكوياما يتحدث عن نهاية التاريخ وبداية العولمة، نجد المفكر الأمريكي هانتينغون يتحدث عن صراع الحضارات. وهو يرى أن البشرية تتجه نحو الصراع والتصادم فيما بينها، وهو بذلك ينطلق من فرضية تناقض فرضية العولمة التي تدعو إلى التوحد البشري في كيان حضاري متجانس. وفكرة صراع الحضارات تنطلق من أن كل مجتمع له خصائص اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مميزة تكسبه استقلالية في مواصفاته الحضارية، وهذا ما يعرف بـِ "الهوية". ويتأزم الصراع عندما يصل بين الحضارة الغربية والإسلام.

وهو يرى أن الإسلام أصبح أكثر وعياً بالدين وبخطر الغزو الثقافي. ولكن ما الشكل الذي اتخذه الصراع في هذا العصر؟ وهل ظهر ما يُسمى بصراع الأديان؟ ولا ننكر أن صراع الأديان من أخطر الصراعات التي عرفتها البشرية في العالم.

وقد تنبه إلى هذا الخطر أيضاً المستشرق الأمريكي "برنارد لويس" الذي كتب مقالة في مطلع التسعينيات أشار فيها "إلى حتمية الصراع بين الإسلام والغرب" (92). وحول الثقافة الإسلامية يقول الخبير الفرنسي "جان كلود بارو:

"في اللحظة التي يحتفل بها الغربيون بانهيار الأيديولوجيات ونهاية التاريخ، ها هي أيديولوجية قوية تنبثق من أعماق ثلاثة عشر قرناً من التاريخ، إنها دين طازج، فيا للهول والمفاجأة" (93).

ويبقى صراع الحضارات قائماً ومستمراً ما دام هناك عدم تكافؤ بين البشر، لأن بعض الحضارات ترتقي على حساب حضارات أخرى" (92). ولكن ألا نلاحظ أن العولمة وصراع الحضارات متعارضان، والسؤال الذي يُطرح الآن: على ماذا يرتكز العالم اليوم؟! وهل توجد إمكانية للتعايش بين الحضارتين؟!

الطريق الثالث

ما بين الاشتراكية والرأسمالية وفشلهما في تحقيق أسباب السعادة للبشر، انبثق نظام يجمع بين الاشتراكية والرأسمالية. وقد ارتبط نموذج الطريق الثالث بالمفكر الاقتصادي والاجتماعي "انتوني غيدنس": "وهو يرفض وصف مقاربته بالتوفيقية، إنما يعتبرها نزعة راديكالية" (41).

إلامَ يهدف هذا النظام؟

يقول غيدنس: "إنّه برنامج لتحديث الاقتصاد والنظام السياسي ونمط الضمان الاجتماعي بالبحث عن تجديد المؤسسات العمومية، ودفع دور المجال العمومي وإعادة بناء المجتمع الأهلي، ويشكل بعد العدالة الاجتماعية قلب هذه النظرة" (42). فالطريق الثالث ليس أيديولوجيا جديدة، إنّما يعبر عن المخاطر والمآزق التي واكبت التوسع الرأسمالي.

كيف تعامل الوطن العربي مع العولمة؟

الوطن العربي من البلدان النامية التي نظرت إليه أمريكا بتعاطف ظاهري وطمع خفي لحل مشاكله السياسية والبيئية. ووجدت أن الحل الوحيد لهذه المشاكل هو التغيير الهيكلي الجديد في العلاقة بينها وبين هذه الدول النامية. لذلك، نرى الأطماع الأمريكية بالوطن العربي كما في حرب الخليج العام (1999) وحرب أمريكا على العراق حالياً، لأن الليبرالية الجديدة تستهدف السيطرة على النفط والماء وتسارع التسلح العالمي عن طريق تدخلات القوى المسلحة الأمريكية.

وتتعرض حضارات اليوم للتفتيت والاندثار من قبل أمريكا. ولكننا لا نستطيع إنكار أن الأحداث الأخيرة أدت إلى زعزعة التوازن الاقتصادي والإستراتيجي لأمريكا. كما أن الأحداث التي ظهرت في الصرب وكرواتيا والصومال أدت بدورها إلى زعزعة حلم "بوش"، وظهرت أخطار جديدة هددت الكيان الأمريكي مثل المفاعلات النووية. وقد قال الكاتب الأمريكي "الفين توفلر" في كتابه السلطة الجديدة: "إن ديناميكية العولمة بقدر ما تقرب أرجاء المعمورة بعضها من بعض وتفسح المجال أمام هوية كونية غير مسبوقة، تستهدف في الآن نفسه وحدة الكيانات الوطنية" (58).

هل معنى ذلك أن العالم اليوم أصبح يواجه مشكلة ضياع الهوية القومية؟ يقول فوكوياما في مقالته "التفكك الهائل": "إنني لا أرى في ما حدث في عالم السياسة الدولية، وفي الاقتصاد العالمي خلال السنوات العشر الماضية أي شيء يتعارض حسب وجهة نظري مع الاستنتاج القائل إن الديمقراطية المتحررة والنظام الاقتصادي الذي يتحكم في السوق هما البديل الوحيد النافع للمجتمعات المدنية" (125). ولكن كيف تواجه المجتمعات العربية العولمة؟ هل تحاول امتلاك التراث وإعادة بنائه وفق مصالحها وحاجياتها؟ أم تحاول الانجراف مع تيار العولمة؟ وما مدى إدراكها إلى أهمية التمسك بالهوية المحلية ومقاومة ما يُسمى بالهوية الكونية؟ وهل تدرك أنه ليس باستطاعة ثقافتها أن تتمتع باستقلالية مطلقة. وأنه لم يعد باستطاعتها أن تتحوقل حول ذاتها؟

لقد اختلف المفكرون في تناول العولمة في الوطن العربي فمنهم من تناولها من الجانب الاقتصادي مثل المفكر السوري "محمد الأطرش" حيث قال: "اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافة ضمن إطار رأسمالية حرية الأسواق" (109). وبعضهم تناولها من الناحية السياسية والثقافية والاقتصادية وتأثيرها على الوطن العربي. إن عدم تبلور مفهوم العولمة لدى المفكرين العرب أدى إلى انقسامهم إلى مؤيد ورافض لها. فهل يعود الاختلاط في الفهم إلى عدم دراسة المرتكزات الأساسية التي قامت عليها العولمة بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، التي أشار إليها المفكر الأمريكي فوكوياما في مقالته بعنوان "نهاية التاريخ".

الحلول المقدمة

فمنهم من تمسك بالدين إلى درجة الغلو كما تمسكوا بالقيم التراثية والحضارية الإسلامية، وهم يرون في العولمة الاغتراب والتغريب. وظهرت بعض التيارات الفكرية مثل حركة الإخوان المسلمين، ومن أبرز أعلامها: محمد البويهي، ويوسف القرضاوي. ومنهم من طالب بمواكبة العولمة، ونظر إلى الاتجاه الديني الأصولي" بالانغلاق والتحجر، فهم يرون أن العولمة ستؤدي إلى تحديث المجتمع العربي، ومن أبرزهم: موسى سلامة، وطه حسين". أما الطريق الثالث، فعمل على التوفيق بين التراث والحداثة من خلال توظيف التراث لغايات نضالية وأيديولوجية.

ومن الذين عارضوا النهج التوفيقي جابر عصفور الذي يرفض "التوظيف الإيجابي للتراث الذي ينقله من حضوره التاريخي إلى الحضور التخييلي الذي يزيف الوعي بالحاضر والماضي على السواء" (183)، أما تحريز العظمة، فقد انتقد دعاة التوفيقية بشدة لأنه يرى "أن شرط الديمقراطية والتحديث هو انفكاك الفكر والحياة عن الارتهان بالمطلق... ونبذ محاولة إدغام المستقبل في الماضي" (183). وقد نظر نصر أبو زيد إلى "العلمانية العربية الحالية باستخدام آليات التأويل بتوظيفها في نقد منهجي ونظري للنصوص الدينية، وهو بذلك يعتبر أن النصوص نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بيئة ثقافية محددة، تم إنتاجها طبقاً لقوانين تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي" (182).

يرى الكثير من المفكرين أنه بعد سقوط الأيديولوجيات الغربية يظل الإسلام الأيديولوجية القادرة على استنهاض شعوب العالم الفقيرة وإنقاذها من مظاهر العولمة. يقول محمد الطالبي: "الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى الصراط المستقيم ... إن الصراط ليس شيئاً متناهياً، وإنما هو طريق نسير فيه دائماً إلى الأمام (190). والعولمة تسعى إلى التعولم من خلال محاربة الانتماء والتجذر والهوية الوطنية. لذا يجب التحصن بوطنيتنا وقوميتنا وثقافتنا من أجل إيقاف الخطر الأخطبوطي الذي بدأ يسيطر على العقول العربية.

لذلك، يجب أن نسأل أنفسنا من أين نبدأ؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ هل نبدأ من الأسرة كونها المنطلق الأول للطفل بما تغرسه من قيم وعادات وخُلُق؟ ويأتي دور المدرسة المكمل لدور الأسرة في تعزيز هذه القيم، وخلق جيل قادر على اتخاذ قرارات بعد دراستها وتمحيصها. من هنا يأتي دور المناهج التعليمية في تنمية القومية الوطنية والثقافة العربية وتعزيزها، والتمسك بتراثنا الخصب، والاستفادة من التقدم العلمي والتقني الذي يشهده العالم اليوم مع التمسك بالهوية.

فلمَ لا نكون مثل "النمور الآسيوية" التي أوجدت عولمة خاصة بها؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:56 pm

بسم الله الرحمن الرحيم



البعد الثقافي لمفهوم العولمة

وأثره على الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية



(ناصر بن سليمان السابعي )



الصيغة الصرفية

العولمة ترجمة لكلمة فرنسية تعني الشيء على مستوى عالمي أي نقله من المحدد المراقب إلى غير المحدد الذي ينأى عن كل رقابة وهي أيضا ترجمة لكلمة (Globalization) الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل(1).

ويرى د. محمد عابد الجابري أن المصطلح العربي " عولمة " مرحلة ثانية في سلسلة الترجمة للكلمة الأصلية، إذ يرى أنه ترجمة للمصطلح الفرنسي الذي هو بدوره ترجمة للمصطلح الإنجليزي الإمريكي(2).

وقد شاع في الأوساط والأدبيات مصطلح العولمة ليكون هو الصيغة المحددة لهذه الظاهرة أو لهذا النظام العالمي وهناك صيغ أخرى عبر بها عن دلالة لفظ عولمة، وهي صيغة "كوكبة " التي فضلها كل من د.إسماعيل صبري عبدالله(3)، ود. محمود الإمام(4).

وهناك محاولة لإدخال مرادفة ثالثة في هذا المعنى وهي لفظ " الكونية " أو "الكوننة " التي يبدو انها لا تنافس الصيغتين الأوليين.

وإذا كانت الغلبة لمصطلح " عولمة " في الأدبيات والمجامع والمؤثرات فهي إذن إحدى الاستعمالات الحادثة التي صيغت من الأسماء الجامدة شأنها شأن كثير من المصطلحات مثل "أسلمة" المشتق من "إسلام " ومثل " قولبة، وبلورة، وحوسبة".

ويحاول د. الجابري الربط بين صيغة عولمة وبين صيغة ذات دلالة مغايرة أو مضادة لها وهي ترجمة المصطلح الأوربي المعبر عنه باللغة الإنجليزية privatation الذي يعني نقل ملكية الدولة إلى الخواص جمع خاصة، فقد ترجم إلى خصخصة وتخصيص وتخاصية وخوصصة والاختلاف في تحديد مصطلح معين أمر طبيعي، غير أن الرجوع تجذير الكلمة يسعفنا كثيراً إلى الوصول إلى لفظ محدد، ويختار د. الجابري من بين تلك الصيغ صيغة ((خوصصة )) معللا ذلك بأن اشتقاق خوصصة إنما هو من خاص لا من خص وأما خصخص فليس له أصل في اللغة لا في الأسماء ولا في الأفعال، وأيضا فإن صيغة فوعلة استحدثت لتدل على تحويل الشي إلى صيغة أخرى فكما أن العولمة هي وضع الشيء على مستوى العالم فالخوصصة _كما يقول _ هي وضعه على مستوى الخاص أو الخواص ويخلص من هذا الحوار الصرفي إلى أن العلاقة اللفظية اللغوية تعززها علاقة في الدلالة والماهية، فالخوصصة خطوة نحو العولمة أو شرط من شروطها(5).

ومن هذا القبيل مصطلح المحلية ( location ) وهو محاولة الدولة الانكماش داخل حدودها القومية والتمسك بالذات الموجودة في المجتمع.

معنى العولمة :

لا يزال من الصعوبة بمكان تحديد صياغة تعريفية دقيقة للعولمة، فهي ظاهرة غير مكتملة الملامح والقسمات كما يقول د. السيد يسين وذلك عائد إلى تعدد الاتجاهات التي تتنازع الباحثين الذين تناولوا قضايا العولمة وحاولوا صياغة تعريف لها فمن جهة ليست العولمة نظاماً يعبر عن تطلعات البشر المختلفة، ولا هو موضع اتفاق على سيادته المستقبلية ومن جهة أخرى تختلف المنطلقات التي تتناول هذه الظاهرة بالتعريف فلكل باحث وجهة هو موليها..

ويشير السيد يسين إلى أن هناك أوصافا عامة للعولمة تعطي فكرة بدائية عنها، منها أن العولمة تصف مجموعة من العمليات التي تشيع على مستوى العالم، وهذا يمثل البعد المكاني للعولمة، ومنها أن العولمة تتضمن تعميقا في مستويات التفاعل المختلفة(1).

أما (روزناو) أحد أبرز علماء السياسة الإمريكيين فيعطي صورة أكثر وضوحاً من أجل وضع تعريف واضح للعولمة حيث يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة هي الاقتصاد والسياسة والثقافة والايديولوجيا وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول ونتائج الصراع بين المجموعات المقيمة.

ثم يعقب روزناو بمجموعة من الأسئلة من خلالها ومن خلال محاولة الحصول على إجابات بشأنها يمكن الوصول إلى فكرة نيرة عن العولمة فيقول : ما هي العوامل التي أدت إلى بروز ظاهرة العولمة في الوقت الراهن؟ وهل هذا يرجع إلى انهيار نظام الدولة ذات الحدود المستقلة ؟وهل العولمة تتضمن زيادة التجانس أم تعميق الفوارق والاختلافات ؟وهل الهدف هو توحيد العلم أم فصل النظم المجتمعية عن طريق الحدود المصطفة ؟ وهل العولمة تنطلق من عوامل اقتصادية وإبداع ثقافي أم من خلال الأزمة الايكولوجية ؟ وهل هي عبارة عن اتحاد لكل هذه العوامل أم أنه لا تزال هناك أبعاد أخرى ؟ وهل العولمة تتميز بوجود ثقافات عامة أم مجموعة من الثقافات المحلية المتنوعة؟ وهل العولمة غامضة أم أنها تحول بارز على المدى الطويل بين لعام والخاص وبين المحلى والخارجي وبين المغلق والمفتوح؟ وهل هي استمرار لنمو الفجوة بين الفقراء والأغنياء على جميع المستويات ؟ وهل العولمة تتطلب وجود حكومة عالمية؟.(2)

هذا ومن أجل تسليط الضوء على جوانب هذه الظاهرة يقرر روزناو تقسيم المواد والنشاطات التي تعد مفردات لحركة ظاهرة العولمة إلى ست فئات هي :-

-البضائع والخدمات

-الأفراد

-الأفكار والمعلومات

-النقود

-المؤسسات

-أشكال السلوك والتطبيقات

ويضيف روزناو سؤالاً رئيسياً هو كيف تحدث العولمة ؟ أو ما هي القنوات التي تمر تلك المواد من خلالها عبر الحدود؟

ويجيب بأن عملية الانتشار تتم من خلال أربع طرق متداخلة ومترابطة هي :-

1.


2.

التفاعل الحواري عن طريق تقانة الاتصال
3.


4.

الاتصال أحادي الاتجاه من خلال الطبقة المتوسطة
5.


6.

المنافسة والمحاكاة
7.


8.

تماثل المؤسسات(1)

هذا ولا بد من الإشارة هاهنا إلى أن ظاهرة العولمة حلت في بداية نشأتها مجال الاقصاد والمال والثروات وقامت على هذا الأساس وطرحت النظريات وفسرت مظاهرها ووضعت النظم لخدمة هذا الجانب فحسب وعليه فإن الاتجاه الغالب في تعريف العولمة اصطبغ بهذه الصبغة وهذه هي وجهة الباحثين والمفكرين الذين ينتمون إلى المجتمع والدول فهو نظام العولمة الذي تدور عليه الجوانب الآخرى سواء منها السياسية والاجتماعية والتقنية والثقافية وغير ذلك.

ونظراً إلى عدم وضوح ملامح هذه الظاهرة الجديدة في طرحها وصيغتها آثر عدد من الباحثين والمحللين العدول عن إعطاء تعريف محدد للعولمة واكتفوا بمحاولة إبراز بعض مظاهرها وآثارها والحديث عن خصائصها ومجالاتها أو رسم هيكل العولمة أو إعطاء تفسير للظاهرة نفسها، كالقول عن العولمة بأن العالم قرية واحدة تهاوت معها الحدود القومية ليسود مركز عالمي علمي وتقني واقتصادي.

بينما حددت بعض التحليلات وصفاً شاملاً لهذه الظاهرة من خلال تعريف جامع لأطرافها، ففي تقرير (( جوارنا الكوني )) المقدم حول ( حاكمية قيادية كوكبية )) في 1994 عرفت العولمة بأنها :-

" تحرك متسارع نحو عالمية متكاملة عززه إلغاء القيوم التنظيمية والتفاعل مع التغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحاسب(2)"

كما عرفها الأستاذ جلال العظم بأنها " حقبة النمو الرأسمالي العميق للإنسانية في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافيء "(3)

تفسير ظاهرة أو نظام العولمة

العولمة باعتبارها ظاهرة تعد في نظر البعض حركة تلقائية لسقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي قبل عشر سنوات فهي مميزات المرحلة الراهنة من تطور الرأسمالية بمعنى أن تاريخها يبدأ فقط من طغيان الطبقة المالية من الرأسمالية (4).

بينما تذهب كثير من الدراسات إلى أن العولمة توزع لمسلسل من التطور والتوسع الاقتصادي ويرجع إلى القرن الخامس عشر زمن النهضة الاوروبية الحديثة، فالظاهرة عمرها خمسة قرون بداية من ظهور البوصلة وحتى الأقمار الصناعية(5.

وقد اقترنت الفكرة ببزوغ ظاهرة الدولية القومية حيث تطلب التقدم الثقافي (التكنولوجي ) وزيادة الإنتاجية في ذلك الوقت توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدودا بحدود المقاطعة فحلت الدولة محل الإقطاعية والملك محل السيد الإقطاعي. كما تطلب التقدم الثقافي وزيادة الإنتاجية غزو أسواق خارجية الأمر الذي تطلب أ، يكون للدولة جيش قوي يمكنها من منافسة الدول الآخرى في الحصول على هذه الأسواق الخارجية الحديثة أي المستعمرات.

ولكن النمو في حجم السوق هو الذي حتم أخيراً بداية التضاؤل في قوة الدولة فقد أصبحت القوى الاقتصادية المركزية تفوق سلطاتها سلطات القوى المركزية للدول القومية وبالتالي حلت الشركة متعددة الجنسيات تدريجيا محل الدولة.

هكذا فسرت هذه الظاهرة التي صارت ميزة هذه المرحلة الراهنة وفي ظل هذا التفسير الأخير فإن عناصر الطفرة الواضحة للعولمة خلال الفترة المتأخرة أي خلال الثلاثين عاما المنصرمة تتعدد إلى ما يلي:

1.


2.

انهيار الحدود بين الدول وتكسر الحواجز المانعة من سهولة الأنشطة الاقتصادية وغيرها.
3.


4.

الزيارة الكبيرة في نسبة تنوع السلع والخدمات.
5.


6.

ارتفاع كبير في نسبة زيادة عدد السكان المتفاعلة مع العالم الخارجي.
7.


8.

استبدلت المعلومات والأفكار بالسلع ورؤوس الأموال التي كانت أساس التبادل والعلاقات.
9.


10.

أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات هي الوسيلة ذات الفعالية العظمى لتبادل السلع والمعلومات.
11.


12.

إلغاء الحدود القومية للدولة واضمحلال السيادة الجزئية لتحل محلها القوى متعدد الجنسيات

وعلى هذا الأساس أي ظهور الدولة القومية الموحدة بنى بعض المحللين النشأة الأولى لنظام العولمة، فقد تتبع زولاند روبرتسون البعد الزمني التاريخي لظاهرة العولمة بناء على المراحل التالية:-

الأولى: المرحلة الجنينية:

وهي الممتدة منذ بواكير القرن الخامس عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثامن عشر وفيها شهدت أوروبا نمو المجتمعات القومية.

الثانية: مرحلة النشوء:

وهي من منتصف القرن الثامن عشر حتى عام 1870م وفيها تطورت فكرة الدولة المتجانسة الموحدة التي ظهرت في صور مثل زيادة الاتفاقيات الدولية والمؤسسات الخاصة بتنظيم العلاقات بين الدول.

الثالثة: مرحلة الانطلاق:

التي ابتدأت منذ عام 1870م حتى عقد العشرين من القرن العشرين.

الرابعة: الصراع من أجل الهيمنة.

وقد استمرت من عقد العشرين حتى منتصف الستين من القرن الحالي وفيها بدأت الخلافات والحروب الفكرية وركز فيه على القضايا الإنسانية لا سيما بعد إلقاء القنبلة الذرية على اليابان.

الخامسة: مرحلة عدم اليقين.

وهي المرحلة التالية التي ابتدأت من عقد الستين إلى الوقت الراهن وقد تم فيها إدراج العالم الثالث في المجتمع العلمي وشهدت نهاية الحرب الباردة وازدادت المؤسسات العالمية(!).

هذا، وهناك من يفسر ظاهرة العولمة على أنها مبادرة تقدم بعض المنظرين في الولايات المتحدة عام 1965م طرحوا فيها ثلاث قضايا جعلوا فيها برنامج عمل يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة والسيادة على العالم وهي:

الأولى: تتعلق بالسوق العالمية، كأداة لإخلال التوازن بالدول القومية.

الثانية: تخص الإعلام.

الثالثة: تتعلق بالسوق كمجال للمنافسة، انطلاقا من نظرية " اصطفاء الأنواع " " أو " البقاء للأصلح"(1).

وهذا القضايا الثلاث فسرها د. الجابري بما يلي:

1.


2.

شل الدول الوطنية.
3.


4.

توظيف الإعلام.
5.


6.

التعامل مع أفراد العالم بمبدأ البقاء للأصلح(2)

مجالات العولمة :

للعولمة مجالات متعددة، اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية وغيرها
فالاقتصادية: تظهر في عمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية وفي وحدة الأسواق المالية وفي عمق المبادلات التجارية في إطار لا حماية فيه ولا رقابة وأبرز شئ في ذلك إنشاء منظمة التجارة الدولية وهنا تثار مشكلة " أزمة الدولة القومية " ودور الدولة في العولمة الاقتصادية.

السياسية: تتجلى في سقوط الشمولية والسلطة والنزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية والمشكلة حول الديمقراطية أهي نظرية غربية خالصة أم لثقافات المجتمعات العالمية تأثير عليها؟، وهل هناك إجماع على احترام مواثيق حقوق الإنسان؟.

والعولمة الثقافية تكمن في أن الثقافة العالمية قضاء على الهوية والخصوصية الثقافية.

والعولمة الإعلامية تدور حول البث التلفزيوني من خلال الأقمار الصناعية وحول شبكة الانترنت التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة.

عولمة الثقافة:

وقد تقدم أن مجال الثقافة أحد مظاهر العولمة وجوانبها، وهي ما أطلق عليه البعض بنظام التحكم الاجتماعي في سوق المجتمعات(3).

وتتفق كلمة عدد من الباحثين على أن الثقافة من اخطر الأوجه الحضارية المتأثرة بظاهرة العولمة، ويقول د. سيار الجميل " ولم ينحصر الأمر في الاقتصاديات المعولمة بل طالت وبسرعة شديدة ونسبية عالية هذه العولمة ثقافات الشعوب وقيمها وعاداتها وتقاليدها"(4).

ويعدها د. طلال عتريس أكثر صعوبة وتعقيداً، ذلك أن الثقافة -كما يقول – محصلة التفاعل بين ثلاث علاقات مع الله ( العقيدة والذات ) ومع الآخر ( المجتمع والطبقية ) ومع الذات ( الرغبات والغرائز والحاجات )(1).

ولتحديد معنى واضح لعولمة الثقافة نعرج أولاً على تعريف الثقافة.
يعرفها دافيد روتكوبف بأنها " نموذج كلي لسلوك الإنسان ونتاجاته المتجسدة في الكلمات والأفعال وما تصنعه يداه، وتعتمد على قدرة الإنسان على التعليم ونقل المعرفة للأجيال التالية "(2).

ويراها د. محمد عابد الجابري " ذلك المركب المتجانس الذكريات والتطورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحفظ لجماعة بشرية تشكل أمة أو ما في معناها، بهويتها الحضارية، في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء"(3).

ومن خلال هذه التعريفات يمكن تحديد المعالم الآتية للثقافة :-

أولاً : أن الثقافة لا تقتصر على مجرد المعلومات والتصورات الذهنية لدى كل فرد، بل تطال مجموع الشخصية الإنسانية ومدى تفاعلها مع البيئة والكون..

ثانياً: أنها لا تعكس تصوراً فردياً محضاً، بل هي صورة لمجتمع كامل وأمة بأسرها.

ثالثاً: أن الثقافة تعبر عن الخلفية الإنسانية التاريخية، وهي في الوقت ذاته إحدى طموحات النفس البشرية.

وإذا كانت العولمة في معناها البسيط تعميم الشئ وتوسيع دائرته فشأن الثقافة أوغل في هذا الميدان لأن التأثير الثقافي أسرع من أي تأثير آخر، وذلك بحكم تفاعل النفس البشرية مع الغير، ولذا يعد دافيد روتكويف أن طغيان ثقافة واحدة وعالمية وتهديد ثقافة المرء يصبح تهديداً لدينه وأسلافه، ومن بعد تهديداً لجوهر هويته(4).

وإذا كانت عالمية الشيء هي قابليته للتعميم والانتشار فإن العولمة قمة تلك العالمية لأنها نتاج الحركة التفاعلية التي تنعكس آثارها على الآخر وتتوغل في ذاته وكيانه ورصيده الفكري، ولذا يعبر د. الجابري عن عولمة الثقافة _ببساطة _ بأنها الاختراق الثقافي(5).

وقد طرح الدكتور الجابري عدة أطروحات في جانب العولمة الثقافية، منها فيما يختص ببيان مدى الأثر من جراء عملية الصراع الثقافي العالمي الآتي:

1.


2.

الهوية الثقافة ومستويات ثلاثة: فردية وجمهورية ووطنية قومية والعلاقة بين المستويات تتحدد أساسا بنوع الآخر الذي تواجهه. فالفرد داخل الجماعة الواحدة، الجماعات داخل الأمة والأمة إزاء الأمم فهناك ثلاثة مستويات ثقافية: فردية،وجماعية، ووطنية.
3.


4.

لا تكتمل الهوية الثقافية إلا إذا كانت مرجعيتها مجموع الوطن والأمة والدولة، الوطن بوصفه الأرض والأموات أو الجغرافيا والتاريخ وقد أصبحا كياناً روحياً واحداً يعمر قلب كل مواطن : الجغرافيا وقد أصبحت معطى تاريخياً والتاريخ وقد صار موقعاً جغرافياً والأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة وقوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الإرادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن، والدولة بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة، إذن فكل مساس بالوطن أو الأمة أو الدولة هو مساس بالهوية الثقافية والعكس صحيح.
5.


6.

ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالية بل هي أيضا وبالدرجة الأولى إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم.
7.


8.

العولمة شئ والعالمية شئ آخر، العالمية تفتّح على العالم والثقافات الأخرى واحتفاظ بالخلاف الايديولوجي، أما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الايديولوجي.
9.

فإن الصراع الايديولوجي صراع تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل، أما الاختراق الثقافي فيستهدف الأداة التي يتم بها التأويل إذ يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم (( الإدراك ))
10.

ثقافة الاختراق تقوم على جملة أوهام هدفها " التطبيع " مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري، وهذه الأوهام هي:-

1.


2.

وهم الفردية.
3.


4.

وهم الخيار الشخصي.
5.


6.

وهم الحياد.
7.


8.

الاعتقاد في الطبيعة البشرية التي لا تتغير.
9.


10.

الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي.

1.


2.

نظام الاختراق يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى ويدفع إلى التفتيت والتشتيت لربط الناس بعالم لا وطن ولا أمة ولا دولة أو يغرقهم في أتون الحرب الأهلية.
3.


4.

العولمة وتكريس الثنائية والانشطار في الهوية الثقافية العربية ثنائية التقليدي والعصري(1)

هذا وإذا انتقلنا إلى مجالات التأثير المباشرة للعولمة الثقافية نجد أنها تنال -من حيث كونها أداة لتحقيق السيادة – ضربت بعمق في أهم مكونين للسياسة الثقافية الفردية والجماعية وهي التربية والتكوين وقد كان التأثير مباشراً في الأسرة والمدرسة(2)، وقد ساعد على تمهيد الكنف للاختراق الثقافي المذهل في هاتين المؤسستين ضعف البنية التحتية لهما في مجتمعاتنا العربية فيما عبر عنه عبد الإله بلقزيز : إخفاق النظام التعليمي، وتفكك بينة الأسرة.

ولنعد قليلا إلى أحد مظاهر العولمة الاقتصادية وهي إلغاء الحدود القومية لنتساءل : ما مدى قوة الأثر لذلك الاختراق الثقافي؟.

يرى بعض المحللين أن العولمة لا تزيل فقط الحواجز الثقافية بل تزيل العديد من الأبعاد السلبية الثقافية فهي " خطوة حيوية نحو عالم أكثر استقراراً ونحو حياة أفضل للشعوب، لأنها تنشأ عن احترام منهجي حثيث لعادات وتقاليد منتقاة" كما يقول دافيد روتكويف(1).

وهذه النظرة المتفائلة للعولمة الثقافية ناشئة عن النظرة الحتمية إلى استسلام القوى العالمية لظاهرة العولمة وطغيانها على سائر الثقافات البشرية لذلك فإن دافيد روتكويف يرى أن للغة والمعتقدات والأنظمة السياسية والقانونية والأعراف الاجتماعية أرت المنتقدين وأبناء السوق على الأفكار عبر التاريخ الشعبي، ويمكن النظر إليها بحق باعتبارها نتاجات حتمية (2).

لكننا إذا فرقنا بين عالمية الثقافة وعولمة الثقافة عرفنا البون الشاسع بين مجرد الانفتاح الثقافي العالمي وبين فرض الهيمنة على العقلية الاجتماعية البشرية، فعالمية الثقافة تجسدها تكنولوجيا الاتصالات والحواسب والتشابك الاقتصادي، بينما تشكل العولمة الثقافية فرض نهج بذاته ومصالح وقيم ثقافية بذاتها، وكل ما تراه القوة ذات الهيمنة أمراً نافعاً وضرورياً لها وفاء لمصالحها(3).

مرتكزات العولمة الثقافية

تتلخص هذه المرتكزات كلها فيما عبر عنه د. عبد الإله بلقريز بالنظام الثقافي الجديد الذي قال عنه بأنه نظام إنتاج وعي الإنسان بالعالم.

لكننا يجب ألا نغفل عن النشأة الأساسية لهذه الظاهرة وهي النشأة الاقتصادية، لان العولمة أصبحت نظاماً متكاملاً وآثاره شاملة لا يختص بها جانب دون آخر، وأن كان ذلك إلى الآن بنسب متفاوتة، وربما كانت الشمولية في مرحلة قادمة عامة طاغية بحيث يقوم كل مجال على نفس الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي، ولا يخامر الشك أحداً أن الأثر الثقافي والفكري والايديولوجي المستقبلي هو الذي يقود ظاهرة العولمة، وإذا عرفنا ذلك فإن كثيراً مما ترتكز عليه العولمة الاقتصادية هو في الحقيقة مرتكز ثقافي عالمي:

1.


2.

الثورة العلمية المتمثلة في وفرة المعلومات وتراكمها وإتاحتها للاستعمال عبر أوعية المعلومات من أهمها الحاسب الآلي، ومن المهم الاعتراف بأن " المعرفة سلطة وأداة هيمنة، وأن من يملك المعرفة وأدوات توزيعها والقدرة على توضيفها يملك سلطة التحكم في العقول التابعة "(4،وعلى سبيل المثال نصيب أمريكا من السوق العالمية من برامج الكمبيوتر سابقة التجهيز سنة 1994م 60%، ونصيبها من سوق الكتب العالمية سنة 1995م 32%(5).
3.


4.

المركزية العالمية : وهي إحدى أقوى عوامل عولمة الثقافة، فقد أصبحت القوى العظمى العالمية هي مصدر كل أوجه الثقافة سواء على صعيد الإنتاج أو على صعيد الإبداع أيضا، ولا ريب أن هذا انعكاس للمركزية العالمية الشاملة أو أحد مظاهره، فالمركزية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية وامتلاك وسائل وطاقات التحكم في جميع هذه الأوجه لها المركزية الثقافية بشكل تلقائي، وإذا كان كل من الثقافة والفكر راجعين إلى العامل النفسي في مدى التفاعل مع القوى فإن أيدي القوى العالمية من التقانات واساليب التأثير ما لا ينكر مداه.
5.

وقد تعددت هذه المركزية العالمية فيما يرى أنه صراع على السيادة وتمثلها عدد من الكيانات السياسية كالاتحاد الامريكي والاتحاد السوفياتي والاتحاد الاوروبي، والاقتصادية كمنظمة التجارة الدولية.
6.

إلغاء حدود الدولة القومية : وتعني عدم الاكتراث بالحدود المحلية للدولة، مما يسهل حركة التنقل بين دولة وأخرى سواء في ذلك السلع والخدمات والقوى البشرية ولعل من أهم ما يميز ذلك إلغاء نظام الرقابة على مختلف الأوجه الثقافية الكتب والصحف والمجلات والأشرطة وغيرها مما له عظيم الصلة بهذا المسار.
7.


8.

وسائل الإعلام : وتتخذ هذه الركيزة ثلاث وجهات:-

الأولى : تكنولوجية الوسيلة ذاتها بحث تؤدى عملها على أوسع نطاق.

الثانية : المادة التي تنشرها وتبثها هذه الوسائل، وما يمكن أن نسميه بعولمة الإنتاج الفني وقد تجاوزت وسائل الإعلام الصحف والمجلات والأشرطة إلى القرص الفضائي وشبكة الانترنت العالمية.

الثالثة : عولمة الإعلام ذاته والمتمثلة في الوكالات العالمية للأنباء إذ نجد مثلا أن أربع وكالات أنباء عالمية غربية تحتكر وحدها الخبر وتصوغه بكل حرية وهي:-

1.


2.

الوكالة المشتركة للصحافة (( أسوسايتد برس )) الأمريكية وهي أعظم وكالة أنباء عالمية.
3.


4.

الوكالة المتحدة للصحافة (( يونايتد برس )) الأمريكية
5.


6.

رويتر الانجليزية
7.


8.

فرانس برس الفرنسية

يقول عبد الهادي بوطالب " وإذا عرفنا أن أكثر من خمس سكان العالم أميون أي لا يحسنون القراءة والكتابة وأن الأغلبية الساحقة من سكان العالم أميون حضاريون أي لا يعلمون شيئا عن تطورات الحضارة التكنولوجية والمعلوماتية، إما لأنهم لا يستعملونها بالمرة، وإما لأنهم يكتفون باستعمالها في الحدود الدنيا، علمنا أن عولمة العالم في مجال الإعلام لا يستفيد منها إلا القادرون على اكتسابها أي أقلية نادرة بين البشر وهو ما لا يزعج العولمة التي تقوم على حرية التنافس وتمكن الأفضل والأقوى من ربح رهانها، ومما دفع بعضهم إلى أن يطلق عليها اسم الداروينية الاجتماعية"(1)

1.


2.

اللغة : فإنها أداة التفأهم والتواصل وهي وعاء للفكر وقالبه الحي ولذلك فإن حفاظ القرآن الكريم على لغة العرب ساعد كثيرا في نقل جزء عظيم من حضارة العرب إلى الجناح الغربي خاصة من الكرة الأرضية ولا تزال آثاره حتى الآن، وما نراه اليوم من طغيان الثقافة الغربية تشكل اللغة نسبة عالية من المسأهمة في نقلها ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن 88% من معطيات الانترنت باللغة الانجليزية و 9% بالالمانية و2% بالفرنسية و1 % يوزع على بقية اللغات الغربية(2).
3.


4.

التفاعل البشري وهو الاحتكاك بين المجتمعات بمختلف صوره سواء ما يتم عن طريق الاستعمار وما يتم عن طريق السياحة والسفر وإرسال البعثات العلمية الدراسية ونحوها.
5.


6.

القوانين والأنظمة العالمية التي تتحكم في كيفيات التعامل مع الواقع والبيئة، وتقيد مدى التفاعل مع الصراع الخارجي والتدخل الأجنبي.

وهناك مرتكزات أخري للعولمة مثل مناهج التعليم ومرتكزات الأبحاث العلمية، ودعوات التنصير وغير ذلك مما يسهم في بناء هذه العملية التكاملية.

أهداف عولمة الثقافة:

يمكن تلخيصها فيما يلي :-

1.


2.

خدمة السيادة المركزية، والمهنية العالمية، وتوطيد معاني العولمة الاقتصادية والسياسية، ونقل الحضارة العالمية إلى الشعوب الدنيا.
3.


4.

توحيد الثقافة العالمية، وصهرها في ثقافة واحدة، وإلغاء التعددية الثقافية وحق التنوع الثقافي.
5.


6.

نزع الخصوصية الفردية ومحو الهوية الذاتية، ولذلك نرى أن أنصار العولمة لا يعترفون بالهوية الشخصية سواء هوية الفرد الواحد أو المجتمع الواحد أو الدولة الواحدة.
7.


8.

تحطيم كل الثوابت الدينية والفكرية والأخلاقية للوصول إلى بناء إنسان هامشي يذوب في بحر المادية.

ضمانات نجاح المواجهة الإسلامية لنظام العولمة:

يرى عدد من الباحثين أن العولمة صارت نظاماً حتمياً تنصهر فيه كل الاتجاهات وتذوب فيه كل الفوارق، وما على العالم إلا أن يتقبل الأمر الواقع بكل رحابة صدر، ويذوب فيه ذوبان الملح في الماء.

إن هذه الفكرة هي إحدى أهداف النظام العالمي الجديد، وإحدى معالم السياسة الجديدة وهو منطق العولمة ذات الطابع السيادي، وعالمنا الإسلامي هو أول المتضررين بهذا النظام وأول الواقعين في أشراكه لأنه يمثل رقعة واسعة من العالم من جهة، ولأنه ليس لديه من مقومات العيش ما يراه بنفسه كفيلاً بالذاتية والاستقلالية من جهة ثانية، ولكن ضمانات العيش الكريم وضمانات السعادة الحقيقة لا يمكن في حضارة يموت فيها الإنسان وتحيى فيها المادة، لان الهدف الحقيقي لكل حضارة إنسانية هو الارتقاء بمستوى الإنسان وتنمية قدراته الذاتية ومواهبه العقلية والفكرية ورفع مستواه النفسي وتحسين مشاعره التي تجعله بحق جديراً بأن يكون لبنة في جدار الحضارة.

ولتحقيق هذا الهدف النبيل لعالمنا الإسلامي فهناك طرح متكامل يتمثل فيما يلي:-

أولاً :- الوعي بظاهرة العولمة :ويتم هذا الضمان بعدة أمور :-

1.


2.

الوعي بحقيقة الرسالة الإسلامية وعالميتها وشموليتها وأنها تختلف شكلاً وجوهراً ومقصداً عن كل الحضارات الأخرى، فإن عالمية الإسلام تعني قابليته لاستيعاب كل الاتجاهات وكل المتغيرات والمستجدات ويتأتى هذا الفهم الصحيح بتصحيح المسيرة التي ينتهجها الغالب الأعم من أبناء الإسلام والمنتمين إليه في صور منها:-

1.


2.

رسم الخط الفارق بين الإسلام كما يفهمه ويمارسه مئات الملايين مكونين التيار العريض للإسلام وحضارته ونظامه وبين ما سماه الغربيون " الأصولية ".
3.


4.

تصحيح فهم عالمية الإسلام باعتباره دعوة إنسانية موجهة للكافة.
5.


6.

ممارسة الاجتهاد والإقبال على التجديد في الموائمة بين الواقع والنص الشرعي بشكل يضمن للنص حقه وللحياة نصيبها المقدر من التنزيل الشرعي

ـإعادة قيم الحرية والشورى إلى مكانهما الصحيح من التصور الإسلامي(!)، والربط بين هذا الضمان وبين فهم ظاهرة العولمة يفتح لنا الآفاق لانطلاقة كبرى، فإن العولمة تعكس لنا السنة الكونية في قدرة الإنسان على تحقيق آماله وطموحاته، فكيف والإسلام إنما جاء رحمة للعالمين، فإذا انضم إلى ذلك الرصيد التاريخي الطويل في سيادة الإسلام حقبة طويلة من الزمن كان ذلك أدعى إلى الإيمان بفكرة العالمية والسعي نحو تحقيقها.

1.


2.

إدراك خطورة العولمة المتمثلة في كونها طوفاناً لا يمنع منه إلا سد منيع مبني على أسس متينة لا يتأثر معها بعوامل الزمن والبيئة وهذا أيضا يستلهم من أمور أهمها مناداة الغربيين أنفسهم بإدراك خطوة العولمة وما ظهور التكتلات السياسية بين الحين والآخر والاتفاقيات الاقتصادية إلا نوع من الشعور العميق بخطر هذا النظام وسعي إلى الوقوف في وجهة والتصدي له.
3.

ولا أدل على خطورة العولمة من الأدبيات التي تكشف عن الوجه الحقيقي لهذه الظاهرة أو هذا النظام العالمي مثل كتاب " فخ العولمة - الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية" الذي ألفه هانس بيتر مارتين وهارالد شومان الذين ينتميان إلى إحدى كبريات دول العالم وهي ألمانيا التي استعادت قوتها المعنوية والمادية بتوحيد الألمانيتين وقد أطال المؤلفان النفس في بيان حقيقة العولمة وتكهناتها المستقبلية فكان من أهم الطروحات التي شملها الكتاب " ان العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها إنما ترسم لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسمالية، فبعد قرن طغت فيه الأفكار الاشتراكية والديموقراطية، ومبادئ العدالة الاجتماعية، تلوح الآن في الأفق حركة حضارة نقتلع كل ما حققته الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من مكتسبات، وليست زيادة البطالة وانخفاض الأجور وتدهور مستويات المعيشة وتقلص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة وإطلاق آليات السوق وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي، وحصر دورها في "حراسة النظام " وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين وهي الأمور التي ترسم الآن ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في غالبية دول العالم كل هذه الأمور ليست في الحقيقة إلا عودة لنفس الأوضاع التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي إبان مرحلة الثورة الصناعية ( 1750-1850) وهي أمور سوف تزداد سوءاً مع السرعة التي تتحرك بها عجلات العولمة المستندة إلى الليبرالية الحديثة.(2)
4.

الاستفادة من الإيجابيات التي يحملها نظام العولمة استفادة موجهة بقدر ما يتيح لنا كسب المهارات الحضارية والاطلاع على عوامل القوة وأسبابها، يقول د. محمد الرميحي بعد عرضه كتاب (فخ العولمة ): " وبرغم أنني استعرت زاوية نظر الكتاب لإكمال عرضه فهذا لا يعني أنني أتبنى موقفاً سلبياً من العولمة كما أنني لا أتبنى موقفاً إيجابياً صرفاً تجاهها بل هو موقف أقرب إلى البحث عن الحقيقة الممكنة في هذه اللحظة المبكرة من عمر عالم يفترض كونه جديداً، لهذا أود أن أفتح ثغرة مناقضة في جدار الرفض لصيغة العالم الجديد، ثغرة يتسلل منها بعض الضوء على الإيجابيات المحتملة في مسار العولمة فبموازاة اقتصاد السوق الذي لا يعرف الحدود والعابر للقارات وللأقطار يمكن أن تنشأ شبكة تنظيمية من الفعاليات عابرة الحكومات ومتواصلة مع المؤسسات الشعبية، ومن ثم توافر مزيد من الرعاية والمتابعة الفاعلة لحقوق الإنسان وقضايا البيئة التي لا تعرف الحدود، وكما تسير عولمة الاقتصاد تنتشر عولمة الديموقراطية وتصبح هناك نقاط التقاء مهنية منها -كمثال- تفاعل القضاة الوطنيين مع القضاء الدولي لإنشاء عدالة ( عالمية ) جديدة وبالتالي محاصرة أفضل لسلبيات عالمية كالإرهاب وتهريب المخدرات وغسيل الأموال وانتهاك حقوق الإنسان ……..الخ " (1).
5.


6.

عدم الإقرار بالقبول العالمي للعولمة أو بقدرتها على الهيمنة فإن من مخاوف خبراء الاقتصاد العالمي مثلا تأكيدهم على أن إزالة الحدود أمام السوق يعيد الطرق أمام العالم الثالث للخروج من مأزق الفقر والتخلف ليلحق بركب البلدان الصناعية(2).

وفي مجال الثقافة كتب " دمويس الفرنسي " مقالاً بعنوان " أساطير قرية المعلومات الكونية " بين فيه وجهاً مماثلاً من واقع الثقافة الموزعة كالقول بأن الانترنت أصبحت ملاذاً لعدد وافر من الأقليات المنعزلة عن بقية العالم، كما ضرب أمثلة عدة للوصول إلى ظاهرة العولمة في بعض المجالات قصيرة المدى ضئيلة التأثير، ومن ذلك أن شبكة سي أن أن العالمية تحتفظ فقط بـ 35 مراسلاً خارجياً لها يعملون في 23 مكتباً خارجياً في حين تحتفظ كل من وكالات الأنباء السلكية الرئيسية الأخرى بحوالى 500 مراسل في 100 مكتب يقول: "وينبغي ألا نصدق أيضا الزعم بأن كل الجنس البشري على وشك أن يقتسم المعرفة من خلال شبكة كونية للاتصالات، فهذه الإمكانية ليس لها وجود مثل القرية الكونية ولن يكون لها وجود أبداً، فإرسال شبكة سي أن أن العالمية لا يصل إلا إلى 3 % فقط من سكان العالم الذين لا يملك أربعة أخماسهم أصلاً أجهزة تلفزيون،أما عدد الناس الذين باستطاعتهم الاشتراك في الانترنت من خلال أجهزة الكمبيوتر الخاصة التي يمتلكونها فقد يزداد في آسيا لكن الأمر المؤكد أن عددهم سيظل ضئيلاً جداً من الستة بلايين إنسان الذين سيقطنون الأرض مع حلول نهاية هذا القرن "(3)، ويقول صمويل هنتجنون " تواجه الثقافة الغربية تحديات من قبل جماعة داخل المجتمعات الغربية، ويأتي أحد هذه التحديات من المهاجرين من حضارات أخرى والذين يرفضون الاندماج في النسق القيمي الجديد ويواصلون التمسك بقيم وعادات وثقافات مجتمعاتهم الأصلية، ويعملون على نشرها ……. ولقد هاجموا باسم التعددية الثقافية توحد الولايات المتحدة مع الحضارة الغربية وأنكروا وجود ثقافة امريكية مشتركة ورفعوا لواء هويات ثقافية عنصرية وعرقية وهويات ثقافية وتجمعات فئوية أخرى"(4).

ثانياً: تعزيز الهوية الذاتية الإسلامية وذلك عن طريق :-

1.


2.

تنمية الشعور الذاتي بامتلاك أدوات الحضارة بكل أوجهها.
3.


4.

السعي إلى امتلاك المهارات الحضارية بما فيها من التكنولوجيا والثقافات.
5.


6.

ربط الهوية بالتاريخ والأرض والوطن.
7.


8.

تقوية الصلة بالله سبحانه وتعالى واليقين بتمكينه عندما يتخذ المسلمون أسباب ذلك، والثقة بأن كل حضارة لا وجود للإيمان بالله فيها ولا احترام للعقيدة والدين فيها إنما هي حضارة زائفة لا تلبث أن تنهار كما انهارت كل القوى العظمى السابقة، ولنا في كتاب الله ما يوقظ القلب من غفلة الاغترار بالقوى المادية الخاوية من معاني الإيمان والإنسان أليس يقول الله عز وجل " ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد"، وهكذا شأن كل حضارة ليس أساسها قائماً على الصلة بالله والقصد إليه والخضوع له سبحانه يقول عز وجل " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً "
9.

ثالثا :وضع القيود والضوابط على السلع الثقافية :-

وإذا كانت كثير من الدول الاوروبية والآسيوية قد حدّت من دخول كثير من النتاجات الثقافية الأمريكية حفاظاً من التقلب من نمط معيشة إلى نمط معيشة أخرى فحسب، فإن الحفاظ على الدين والأخلاق والقيم أول واجباتنا، ومن الأمثلة على ذلك:-
10.

أصدرت فرنسا وكندا قوانين تحظر نشر كثير من المواد الأمريكية ونقلها وأصدرت ذلك كل من إيران والصين وسنغافورة (1).
11.


12.

رفضت فرنسا التوقيع على الجزء المتعلق بالسلع والمواد الثقافية في اتفاقية الجات
( gatt ) وندد وزير الثقافة الفرنسي ووزير الثقافة اليوناني بموقف الولايات المتحدة لنشر المواقف الأمريكية(2).
13.

رابعا : إيجاد طرح عالمي إسلامي بديل:-

وقد حذت بعض الدول الكبرى هذا الحذو في سبيل الصراع الإعلامى أو ما يسمى بصراع الحضارات، وهو أمر بديهي يعكس طبيعة البشر في رفض التبعية المطلقة ورفض القيود على الحرية.

وختاماً فإني أقدم للقاريء بعض الرؤى حول العولمة ولمن ستكون السيادة من وجهة نظر صاحب كل رؤية
14.

من الوجهة الأمريكية هناك أربع أطروحات لميشيل كلوغ:-

الأولى : أن العولمة لا توحد العالم.

الثانية : أن العولمة الأمريكية تختلف عن عولمة غيرها من البلدان.

الثالثة : الامريكيون لا يعرفون جيداً ما إذا كانت العولمة شيئا إيجابياً أم سلبياً.

الرابعة : أمريكا لن تكون القوة العظمى (3)

من وجهة النظر الصينية:

يقول لاوسي:

"بالنسبة لنا نحن الصينيين، فالظاهرة التي يسميها الغربيون بالعولمة أو الكونية لا تعني شيئاً غير الأهمية المتنامية لآسيا في التجارة العالمية، وبالمحصلة تؤكد وضعها المركزي في قلب العلاقات الدولية، فنحن نشهد اليوم عودة لآسيا وللصين بصفة خاصة"(1)

من وجهة النظر اليابانية

"من جانبنا نحن اليابانيين لا تهمنا كثيراً مشكلة العولمة، فلدينا اقتصاد كوني هو في القلب من الاقتصاد العالمي، وهذا التوجه يتنامى بمرور الأعوام"(2)

وهناك شعور متنامٍ بصعود كل من تايلند والقارة الافريقية لتلحق بالركب وتشترك في معركة صدام الحضارات.







اليوم الثالث :

الجلسة الأولى :

البعد الثقافي لمفهوم العولمة وأثره على الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية

للشيخ ناصر بن سليمان السابعي من معهد العلوم الشرعية

التعقيب ( 1) : للدكتور علي جمعه .

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبة ومن والاه ، الباحث قدم لنا جهداً طوف بنا تقريباً على كل ما كتب في شأن العولمة ، والذي أريد ان أضيفه إلى ما قاله هو أنه ومن المعرفة الخلفية لذلك كله ، العولمة كلمة حديثة لم تدخل بعد ، وإلى أواخر العام الماضي إلى حقل الدراسات الأكاديمية ومعنى عدم دخولها إلى حقل الدراسات الأكاديمية ، أنها لم يؤلف فيها كتاب جامعي إلى اليوم ولم تدخل في المناهج الجامعية وفي أي عالم في أي جامعة من الجامعات ولم تدخل أيضاً كبند من بنود أي منهج في أي جامعة كانت ، إنما هو مصطلح نشأ في الصحافة والإعلام ، ثم تناقله كثير من المفكرين ثم صار قومياً ، وما دام المصطلح صحفي نشأ في إطار الأكاديميات بل اكتفي حتى الان في كثير من الجامعات بالسيمينارات والندوات والمؤتمرات بالإضافة إلى بعض الكتب التي كتبها بعض المفكرين المتأملين في هذا المصطلح ، فقد أصبح مصطلحاً هلامي المعنى ، ما العولمة ؟ والعولمة فيما قيل حولنا في العالم كله ، ترتد إلى ثلاثة أقسام ، قسم منها وصفي ، فالعولمة معناها وصف لحالة تعيشها الأرض ، وحينئذ فهو مصطلح وصفي وليس هو مصطلحاً معيارياً ولا يدعو إلى شيء ، إنما يصف الحالة الكونية التي تعيشها الأرض ، هذه الحالة تتمثل في أن الأرض بمجموعة الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة أصبحت قضية عاهثة ، وأصبح الناس فيها يعيش بعضهم مع بعض في عالم الأشخاص وعالم الأشياء وعالم الأحداث وعالم الأفكار ،هذه يومه ،هذا المدخل الأول .

المدخل الثاني : الذي دخله بعضهم لدراسة العولمة يتكلم عن الآثار التي تترتب على هذه الحالة ، وعن أسباب هذه الحالة ، وعن ما إذا كانت هذه الآثار سلبية أو إيجابية ، وعن كيفية التعامل معها سلباً وإيجاباً لتحقيق مصلحة كل فريق من المتحدثين ، فنعاها بعضهم وحاربها آخرون وحبذها فريق ثالث وهكذا .

المدخل الثالث : وهو مدخل معياري هو ما يوازي ويوافق النظام العالمي الجديد ، الباحث ونحن نسمعه كأنه لم يدخل هذه المداخل الثلاثة ، ولذلك جمع بينها كلها ، كلامه كله صحيح ، ولكن يمكن أن يقسم بحثه على هذه المناحي الثلاثة المعلومة ، بعملية فك وتركيب ، فيجعل جزءاً منه إنما هو وصف للواقع ، ويجعل جزءاً آخر إنما هو بيان لكيفية التعامل مع هذا الواقع ، ويجعل جزءاً ثالثاً إنما هو النظام العالمي الجديد الذي تريد فيه أمريكا أن تسيطر على العالم كله بما فيه أوربا ، ولكن يقاوم العالم الآن السيطرة الأمريكية ، والمركزية العالمية والثقافة الواحدة إلى آخر ما عندها ، إذا ما دخلنا في هذا التفصيل الثلاثي فإن كثيراً جداً مما قد لا نفهمه إذا لم ندخل في هذا التفصيل الثلاثي ، لأن هناك كما سمعنا في الرؤى الأخيرة عند الباحث هذه رؤى من يتعامل بالمعنى الأول وليس بالمعنى الثاني أو الثالث ، في حين أن كل سرده تقريبا إلا القليل كان على المعنى الثالث وهو النظام العالمي الجديد ، في حين أن بعض الاقتراحات إنما كانت تتعلق بالمعنى الثاني ، وهكذا سنفهم بصورة أعمق لو أننا دخلنا إلى هذا التفصيل المثلث .

العولمة تعني وصف الحال ، تعني بيان الأثر وكفية التعامل معه ، تعني دعوة إلى نظام عالمي جديد ، وهذه هي المصيبة الكبرى ، ولذلك نجد كثيراً من أهل الأرض من أهل العولمة يدعون إلى الخصوصيات الثقافية في حين أن النظام العالمي الجديد يدعو إلى عدم الخصوصية الثقافية ، كيف هذا ، إذن من يدعو إلى الخصوصية هذا معنىً أبداً هو معهم ، لأن المراد بدعوته إلى الخصوصية في العولمة أن تنعزل فتموت ، هذا هو الهدف النهائي ، هو يقول بالخصوصية في محاضراته وفي كتبه ويدعو إليها ويبنى عليها قراره السياسي ، وبالرغم من ذلك إن مؤدى هذه الخصوصية ، أن ننعزل في خصوصياتنا الثقافية حتى نموت ، وعن طريق حالة العولمة الشائعة في الدنيا وعن طريق الإعلام يتم الغزو شيئاً فشيئاً لأولادنا ، نموت نحن ، إذن المسألة مسألة وقت فقط ، أما أولادنا فهم أولاد الإنترنت وأولاد الدش وأولاد التلفزيون ، وهكذا فهذا هو التعقيب الذي أريد أن أوضحه ، البحث جيد جداً مدلوله في تجميع قواقع ، لا يسعنا أن نقول للباحث إلا كما قال رسول الله لا بن مسعود : "أحسنت" فهذا مزيد من الإيضاح لو أننا وعينا هذه المداخل الثلاثة . وشكراً

الرد على التعقيب ( 1) .

حديثي عن العولمة في الوقت الراهن ، هل هي محصلة لمجموع المعطيات الحضارية الحاضرة، أو بمعنى هل هي ظاهرة طبيعية تلقائية ، أو هل هي نظام عالمي كما أوضح ذلك الدكتور علي جمعه جزاه الله خيراً ، أما ما سبق من الحضارات فشأنها كشأن غيرها ، بالإضافة إلى ذي القرنين سليمان عليه السلام ملك ملكاً لا يملكه أحد بعده ، ولا شك أنه يمتلك أزمة القيادة العالمية في وقته ، ولكن العولمة التي نحن بصدد الحديث عنها وهي ظاهرة العصر تختلف اختلافاً جذرياً ، هناك فرق بين العالمية والعولمة ، العالمية هي قابلية التعامل واستيعاب العالم بأجمعه ، أما العولمة فهي الواقع الذي يصله كل نظام ، أو مجموع الأنظمة البشرية بعد أن تظهر أثارها على مستوى العالم هذا كما أتصور يعطي جزءاً من الجواب على السؤال .

السؤال ( 1)

ألا توجد محاولات لخلق لغة موحدة للعالم بأجمعه ؟

الجواب :

أنا لا أدري حقيقة ، لكن اللغة الإنجليزية الآن في سبيلها كما يراد لها إلى أن تكون لغة العالم، وهي كذلك الآن .

سؤال ( 2) .

أين مركز قيادة فكرة العولمة ؟

الجواب :

الأمر واضح ، كل القوى المركزية العالمية تتصارع على قيادة العالم الآن ولكن لا شك أن البقاء للأقوى ، والأصلح هو الذي يمتلك أزمة الأمور .

سؤال ( 3) .

هل هناك تلاق بين العولمة ونظرية المدينة الفاضلة ؟

الجواب :

المدينة الفاضلة هي تصوير لعالمية الإسلام الحقيقية ، وأما العولمة الراهنة فمن وجهة نظر الداعين إليها فإنها تحقق ذلك أو تحقق نسبة كبيرة من أسس المدينة الفاضلة ، وأما حقيقتها فخلاف ذلك .

سؤال ( 4) .

ما أثر أو أبعاد العولمة على الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية ؟

الجواب :

أنا لم أتحدث عن هذا الموضع بعنوان البحث ، لأن الحديث عن الثابت والمتغير من جهة لا يوجد في الشريعة كما قال الدكتور علي ثابت أو متغير من حيث كونه حكما شرعياً ، ولكن الشريعة هي التي تتحكم في إعطاء الحكم في الثابت والمتغير من الأفكار ، ومن المبادئ ومن القيم ، الأمر الثاني أن متغيرات الحياة تسلط العولمة عليها كل أضوائها وتتجاوز ذلك إلى كل الثوابت والقيم إن لم يوقف أمامها ويتصدى لها ، والجواب عن هذا في الحقيقة يحتاج نوعاً من التحرير ويحتاج عمقاً لا أظن أنني أستطيعه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 9:57 pm

الظهور المفاجئ والمثير لمفهوم العولمة في اروقة الاعلام العالمي وبهذا التواتر المكثف ينبيء عن غموض يشوب عفوية هذا المفهوم وابتساماته المزيفة. ونلاحظ هذا الغموض المفهومي في الولادة التاريخية فبعد ان كانت كلمة العولمة مخبوءة وضائعة بين الاف الكلمات فــي القواميس اللغوية ظهرت فـــجأة في وسط عالم يسوده الفراغ والفوضى بعد سقوط المعسكر الشرقي وسيطرة القطبية الواحدة. لذلك يرى البعض ان العولمة مفهوم استعماري جديد في اسمه قديم في مسماه يهدف الى جعل العالم قرية صغيرة تحت قيادة الولايات المتحدة وسيطرة القطيع الالكتروني واساطيل الشركات المتعددة الجنسيات. فبعد أن خبأت الرأسمالية انيابها في مواجهة دكتاتورية البروليتاريا طوال عقود كشرت عن هذه الانياب بابتسامة بعد انهيار اسس الشيوعية لتبشر بولادة جديدة اسمها الاصلي دكتاتورية السوق العالمية وكنيتها العولمة.

والعولمةليست ظاهرة جديدة في فكرتها بل هي حلم داعب الكثير من الفلاسفة والمفكرين في توحيد الإنسانية ضمن إطار وعالم واحد تسوده العدالة والسلام ، وكذلك دعى الاسلام الى الاخوة الانسانية والدينية كقوله تعالى : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ، وقول امير المؤمنين (ع): الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق. وفي ظل العالمية التي طرحتها المباديء والرسالات السامية تسقط الحواجز النفسية والفكرية والجغرافية والطبقية لتنشأ عالما مثاليا لا حرب فيه ولا ظلم ولا فقر ولا استغلال ، وهو العالم الذي سوف يقوده المهدي (ع) والذي حلمت به البشرية وبشرت به الاديان .

ولكن ما حدث ان هذه الاحلام ترتطم بالواقع المر الذي صنعه قطيع من السماسرة يدعونهم القطيع الالكتروني يمتلكون المال الكثير والشركات العملاقة والنفوذ الاقتصادي والسياسي الذي باستطاعته ان يزلزل أي حكومة سياسية في لحظات ويستخدمون في تحقيق اغراضهم تقنيات مذهلة في ادارة الاعلام والمعلومات لذلك فأنهم يمتلكون كل المعلومات التي يريدونها في تحقيق السيطرة والنفوذ والانتشار . ان هؤلاء الذين امتلكوا مفاتيح القوة السلطة المال الاعلام المدموج المعلومات والخبراء ويسيطر عليهم الحس المصلحي المطلق بلا شعور سام بالانسانية قد بدأوا يبشرون بعالم مفتوح بلا حدود بلا جغرافيا او افكار او حكومات او ثقافات بحيث يتحول العالم الى قرية صغيرة تحت سيطرة اقطاعي متجبر يمتلك كل شيء حتى الرقاب ويتصدق بالفتات على اهالي تلك القرية.

انها أي العولمة تبشير سيء يهدف المبشرون بها الى ارجاع العالم إلى العصور القديمة المظلمة في تاريخ البشرية حيث كان العالم مقسما الى طبقتين طبقة الاقطاع وهي الاقلية الضئيلة وطبقة الاكثرية الساحقة وهي طبقة الفقراء والعبيد . وطبقة الاقطاع في عصر العولمة هم مجتمع الخمس الذي بنى لنفسه قلاعا متحصنة ومنعزلة تكبرا وخوفاً من مجتمع الأربعة أخماس ، وهذه الأرقام يمكن أن تعطينا بعض الوضوح عن حقيقة العولمة وكيف ان العولمة هي عبارة اخرى لعالمية الفقر حيث النظام العالمي الجديد ينطوي عل تناقض لعالم هو اليوم اغنى اربع مرات عما كان عليه عام 1990 ووجود فظيع حيث يعيش خمس سكان العالم بدولار واحد للفرد، وتشير الاحصائيات ان الخمس الاكثر فقرا من البشرية كان يملك 2,3 % من الموارد المالية في عام 1969 و1,5 % في عام 1989 و 1,1% في عام 1994 ، وفي التواريخ نفسها فأن الخمس الاكثر ثراءا كان يملك 69% من الموارد المالية العالمية في عام 1969 و 82% في عام 1989 و 86% في عام 1994، وهذا يعبر عن عمق التناقض الطبقي الذي افرزته العولمة حيث التحول الديمقراطي آخذ في الاتجاه نحو رفاهية الاقطاع وعبودية اكثر سكان الأرض، لذلك يعتقد البعض أن العولمة هو أسلوب جديد في فرض القهر والحرمان على الأمم الضعيفة تحت شعار الاعتبار المتبادل والتخصيص الأمثل للموارد.

مصالح ضد الإنسانية

ولاشك أن طبيعة التفكير الاستغلالي الذي يعيش في مكونات الرأسمالية حيث الربح والاقتصاد في الموارد يجعل من المصالح الخاصة فوق كل اعتبار انساني او اخلاقي سوف تحول هذه الطبيعة العالم الى اكداس بشرية من العاطلين ، وكما يقول الخبراء فأن عشرين بالمائة من السكان العاملين ستكفي في القرن القادم للحفاظ على الاقتصاد الدولي وبعبارة اخـــرى الاقتصاد الدولي للسماسرة، وان الثمانين بالمائة من البشر هم من العاطلين الفقراء الذين يعيشون على هامش العولمة وفتاتها كما يعيش المسحوقون على هوامش المدن الكبيرة في صفائح الحديد المتأكسد .

ويظهر هذا التفاوت الكبير في تزايد عدد المليارات ونموها في ظل العولمة ففي العالم هناك اكثر من 358 مليارديرا يمتلكون معا ثروة تضاهي ما يملكه 2,5مليار نسمة من سكان المعمورة ، والاحصاءات تفضح العولمة بقولها انه في عام 1998 كان في الولايات المتحدة وحدها 170 مليارديرا بينما لم يكن عددهم في عام 1982 يزيد على 13 مليارديرا . ويكفي ان مليارديرا واحداً هو بيل جيتس رئيس شركة ميكروسوفت يملك ثروة ما يعادل صافي ثروات 106 مليون مواطن امريكي أي ثلث السكان تقريبا وبقياس اخر فان هذه الثروة يمكن ان تعادل او تزيد على صافي ثروات مليار مواطن هندي. والطريف في الأمر أن المنافسة حامية جدا بين هؤلاء الميليارديرات من اجل اضافة المزيد من الارقام في حساباتهم بدون النظر لأي اعتبار انساني او اخلاقي.

ارهاصات العولمة

اذا كان الهدف الاساسي للعولمة هو اقتصادي بحت فأن التموجات التي خلقتها هذه الظاهرة قد جعلت الامر يكون ابعد من ان يقتصر على البعد الاقتصادي ، بل ان رعاة العولمة قد جندوا كافة الوسائل السياسية والثقافية والاعلامية من اجل جعل العالم ذو ملكية خاصة لذلك اتخذ الامر ابعادا جديدة ونمت ظواهر غريبة بدأت تشكل نفسها من خلال النمو المتزايد لعالم المعلومات الالكتروني. ولاشك ان اهم مخطط تطرحه الولايات المتحدة هو العولمة السياسية وجعل العالم وحدة سياسية تحت القيادة الامريكية مع وضع هامشي وروتيني للامم المتحدة، ويشكل ضباع الاقتصاد العالمي الدعم اللوجيستيكي للماكينة العسكرية من اجل سيطرة اكبر على عالم بلا حدود مفتوحة أسواقه أمام بضائعهم، وشعار مبشرو العولمة حينئذ هو تحول العالم الى قرية كونية يشعر الانسان اينما حل خارج حدوده الوطنية بانه معترف به ومقبول وهذه هي المواطنة العالمية كما يدعون. ولكن هذا الامر يصبح مجرد شعار عندما ينكشف الامر الواقع حيث اصبح العالم يتحرك اقتصاديا كما لو كان وحدة واحدة شاملة اما سياسيا فانه ظل مقسما ومجزأ، ولقد تسببت التوترات الناجمة عن هذا التطور غير المتكافيء في تناقضات قاتلة وعدد لايحصى من الهزات والانهيارات والمزيد من التضعضع في تعايش المجتمع الانساني ونمو الاتجاهات العرقية والعنصرية والتطرف. بل ان الدول التي ترعى العولمة سارت في عكس هذا الاتجاه عندما اغلقت ابوابها وحدودها امام الهجرات القادمة من بلاد يسيطر عليها الفقر والحرب، وسعت هذه الحكومات الى تطبيق سياسة الانتقاء في سرقة العقول والكفاءات.

الثقافة هي السلاح الآخر الذي اخذ تجار العولمة يستخدمونه لامتصاص ثروات الشعوب لان تكريس القيم الثقافية الوافدة على شعوب العالم يسهم إلى حد كبير في تسويق منتجاتهم وعلى العكس من ذلك فأن تسويق المنتجات الاقتصادية لشركاتهم ساهم بشكل كبير في نشر قيم وأخلاقيات العولمة. إن نشر ثقافة الاستهلاك والوجبات السريعة يحول البشر إلى قطيع لا يفكر ويلهث وراء بطنه ولهوه أخر موضات الأزياء والروك، وكما قال أحدهم فأننا في ظل العولمة يراد لنا أن نأكل ونلبس ونفكر كما يفكرون هم، لذلك اصبح وجود محلات الماكدونالد هي رمز لأنفتاح أي بلد وتقدمه.إن الانفتاح الثقافي اصبح مرادفا لعولمة الجنس ونشر الإباحية بلا قيود في أرجاء العالم عبر شبكات الفضاء والإنترنت، كما إن البغاء اصبح معولما له انتشاره الجغرافي بلا حدود بعد أن كان محدوداً ومنعزلاً.

الإعلام المدموج الذي اخذ يتحد بقوة لفرض قيمه ونفوذه هو أهم إرهاصات العولمة ،فقد تحول الأعلام إلى أداة محتكرة بيد مجموعة من الأشخاص يرسمون الحدث قبل أن يقع ويخلقون القيم والأخلاقيات التي تتناسب مع مصالحهم فاليوم أشخاص مثل تيد تيرنر أو روبرت مردوخ هم من يحكم العالم من كاميرات التلفزيون وشركة مثل ديزني هي التي تصنع طفولة الأطفال بقيم مثل الجنس والعنف والانتهازية. هذا الأعلام العابر للقارات يصعب مواجهته لأنه يملك إمكانات هائلة تجعله مسيطرا فعلى سبيل المثال فأن إعلان تلفزيوني واحد عابر للقارات يكلف ما يكلفه في المتوسط فيلم سينمائي أوربي.

إن العالم الغربي هو الذي يقود بالنتيجة مسيرة العولمة نحو اتجاه يمثل مصالحه وأهدافه الخاصة لأنه يمتلك المنبع المعلوماتي الذي يغذي ويرفد العالم بالمعلومات وهذا يجعله المسيطر ويجعل الآخرين تابعين، فالمعرفة العلمية تمثل 80% من اقتصاديات العالم المتقدم وال 20% الأخرى تذهب إلى رأس المال والعمالة والموارد الطبيعية والعكس صحيح بالنسبة للدول النامية وهذا ما يجعلها تحت تأثير التبعية.

في مواجهة تحديات العولمة

ليست الآفاق قاتمة دائماً إذ لا يوجد هناك حتمية اجتماعية مطلقة تفرض على الإنسان إن يذوب في قدره و يستسلم إلى مسلخ العولمة.بل إن هذه التحديات تثير فينا روح المقاومة والتفاعل الإيجابي من أجل استثمار هذه الظاهرة الجديدة في اتجاهاتها المفيدة.

اولا: القدرة على نشر المعلومات وحرية تداولها بعيدا عن عوامل الرقابة والتقييد وتعقيدات الجغرافيا وسيطرة السياسة والكلفة المالية الكبيرة، وهذا يعطي مساحة واسعة من حرية الفكر والبيان، فإذا كانت المجلة أو الكتاب في عالم الأمس لايصل الاّ لمجموعة صغيرة من الناس وبشق الأنفس فأنه في عالم اليوم يصبح في متناول الجميع ، بل إن تداعيات العولمة وانفتاح عالم النشر المعلوماتي يفرض علينا استثمار هذه الحرية بشكل اعمق واوسع.

ثانيا: استطاعت العولمة أن تخترق معظم الحصون الثقافية والفكرية والعقائدية التي وضعتها المجتمعات لحماية داخلها من الغزو الثقافي ، حيث جعلت العولمة كل شيء مفتوحا أمام الفرد يصل إلـــيه بدون وجود أي موانع تذكر حتى مع وجود الردع والقهر والرقابة بل إن الردع القاهر قد يتحول في بعض الأحيان إلى كبت سلبي يتجه للانصهار والذوبان في الثقافة الغازية بعد ارتفاع المانع القاهر أو غيابه المؤقت، وإذا كان منهج الآباء قد قام على سياسة الكبت والمنع في مواجهة الانحراف فأن المنهج هذا اليوم قد اصبح بلا أثر.إن المنهج الثقافي الأكثر فاعلية في مواجهة تداعيات العولمة المفتوحة هو إيجاد أسس التحصن الذاتي المبني على التوعية الثقافية المركزة حيث الاتجاه للاستفادة الواعية من تقنيات وتكنولوجيا العولمة بصورة سليمة مع تغذية مستمرة وتلقيح معلوماتي قوي للوقاية من الانحراف مع إيجاد بدائل متكاملة وقوية في مواجهة أدوات العولمة وقيمها.

ثالثا: يشكل الفضاء الإعلامي والنسيج المعلوماتي أحد أهم أدوات العولمة في انتشارها وسيطرتها الاقتصادية والثقافية ، بحيث تحولت هذه الأدوات إلى حتميات لا تفارقنا أبدا ولايمكن مقاومتها بصورة ارتجالية أو خطابية. إن خير وسيلة للدفاع هو الهجوم لذلك اصبح من الضروري أن تستخدم مجتمعاتنا هذه الأدوات لنشر المعلومات السليمة والإيجابية التي تحافظ على قيمنا الإسلامية ونشر الأخلاقيات الرفيعة والسامية، عبر تأسيس فضائيات هادفة ومتكاملة وإنترنت شامل وواسع يحتوي على كافة البدائل التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية.

رابعا: كما إن العولمة فرضت على الشركات الكبيرة إن تندمج وتتكتل في وحدة مركزية واحدة من اجل أن لا تؤكل من الشركات الأخرى أو من اجل احتكار السوق وفرض آلياتها ومنتجاتها وصعود أسهمها في البورصات العالمية ، كذلك لابد للاقتصاديين في بلادنا من إيجاد التكتل والانصهار في وحدات مركزية متماسكة قادرة على المواجهة، لأنك إذا لم تأكل سوف تؤكل كما يقول ذلك منظرو العولمة، ونظرة في تحرك الاقتصاديات المدموجة نلاحظ مدى تحكمهم في الأسواق العالمية حيث يعمل القطيع الإلكتروني من خلال ما يسمى بالسوبر ماركت أي سوق المال ويقدر إن 25 سوقا مالية تتحكم في نصف رأس المال العالمي أي تتحكم في 20,9تريليون دولار وهي الثروة التي يتغذى عليها القطيع ويتكاثر.فهل يستطيع المحل الصغير إن يواجه السوبر ماركت..!؟

عولمة المؤسسات الدينية

خامسا: المرجعية الدينية أحد أهم واقوى المؤسسات في مجتمعنا الإسلامي بما تمتلكه من قوة تأثير جماهيرية وإمكانات هائلة معنوية ومادية واجتماعية ، ولاشك إن العولمة أصبحت أهم التحديات المرجعية الدينية باعتبار إن هذه المرجعية هي الحصن الذي يدافع عن الأمة ويحميها من الأخطار والانحرافات. إن أهم الرؤى التي تنبثق من آفاق العولمة بحيث تكون خطوات أساسية في رسم المستقبل الإسلامي تحت ظلال المرجعية الدينية هي :

شورى الفقهاء والمراجع: حيث التكتل المركزي القوي يعم المؤسسات المرجعية من اجل رسم سياسة موحدة وصب التيارات المتفرقة والمتضادة في بعض الأحيان في تيار قوي ومتماسك مع الحفاظ على التنوع والتعدد،وهذه المؤسسة الاستشارية سوف تكون قادرة على إيجاد التكامل بين مختلف القوى ورسم الأولويات وبالتالي الاقتصاد في صرف الجهود الإنسانية والمالية، والاهم من كل ذلك إيجاد وعي متكامل وشامل ومنظم في صفوف المقلدين حول الأخطار التي تواجههم.

وإذا استطاعت شورى المراجع أن تنجح فأن الخطوة المهمة الأخرى هي تكتل الوكلاء في كافة أنحاء العالم باعتبارهم القاعدة الوسطى القادرة على إيجاد الاتصال بين القمم المرجعية والقاعدة الجماهيرية، واهم أدوات التكتل في ذلك هو عقد المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية.

سادسا: كونفدرالية المؤسسات هي مرحلة مهمة في مواجهة أخطار العولمة ، حيث تكون هذه المؤسسات عبر ترابطها وتنسيقها المشترك قادرة على استيعاب الجماهير وتوعيتهم بشكل مستمر ، إذ إن هذه المؤسسات عن طريق الاندماج اللامركزي سوف تكون قادرة على المسير في الاتجاه الفكري السليم والاستفادة من كفاءات وإمكانات المؤسسات الأخرى وبعبارة أخرى فان ترابط المؤسسات سوف يوجد تكاملية ترفع العيوب وتنسيق يقتصد في الجهود ويزيل التناقضات ويبعدها عن التشتت والفوضى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 10:04 pm

العولمة: الظاهرة
و المفهوم

على الرغم من الاستخدام الواسع لمفهوم العولمة إلا أنه مع ذلك مازالت ظاهرة
غامضة ومفهوما متضارب المعاني، ليس فقط من حيث المكونات، الأبعاد والفواعل ولكن
أيضا على مستوى القيم التي تحركها.

فمن أجل تبسيط هذا المفهوم يمكن حصر النقاش حول ثلاثة مداخل أساسية:

(1)- فأما الأول فيتعلق
بالعولمة كمجموعة مسارات متشابكة اقتصاديا، ماليا، تكنولوجيا، ثقافيا، سياسيا،
اجتماعيا وقيميا تشمل كل العالم وتحركه فواعل فوق وطنية (الأمم المتحدة ووكالاتها،
البورصات العالمية ،الشركات المتعددة الجنسيات، والمجتمع المدني العالمي) وحاصرة
بذلك لدور الدولة.

(2) – فأما المدخل الثاني فيحصر
العولمة في محاولات مترابطة تهدف لتنميط القيم المحددة للسلوكيات الفردية بصفة
تعكس توجهات عالمية نحو التجانس والتماثل من حيث القواعد، القيم، السلوكات و الأذواق
وتجعل العالم مجالا مفتوحا للاستهلاك المادي والقيمي.

(3)- أما المدخل الثالث فهو ذلك الذي ينظر للعولمة كحراك إنساني، يتماشى وطبيعة
الوضع الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ماديا والغرب حضاريا، ويهدف في
النهاية لغربنة العالم على المستوى القيمي –السلوكي وللتأسيس لحركية تسلط أمريكي
على المستوى الكوني.

وانطلاقا من هذه النقاشات يمكن الاستخلاص، كما هو متفق عليه في التعريفات
الإجرائية في العلاقات الدولية حول العولمة، بأنه بإمكاننا وضع العناصر التالية في
تحديد ماهية العولمة:

-1- العولمة حركية شاملة، شمولية
تجعل من العالم كله مجالا لها.

-2- العولمة حركية تخلق في
ذاتها و بذاتها آليات جديدة تعمد على تكييف الدول والمناطق و القيم مع منطقها
التجانسي.

-3- العولمة حراك يهدف، بمنطقه الإرغامي، على خلق حركيات تنميط قيمي –سلوكي
ومجموعة منمذجة على مستوى أسس وأشكال التنظيم الإنساني (ديمقراطية اقتصاد السوق
الحر، الحكم الراشد …الخ ).

فمن هنا فالعولمة ليست فقط ظاهرة ولكنها حركية و حراك إنساني يعكس طبيعة
النظام الدولي، درجة الترابط الإنساني و طموح الهيمنة المادية و الحضارية للغرب.

(2) العولمة السياسية

تشكل العولمة السياسية أكثر الأبعاد حيوية ، حركية و خطورة للعولمة، إذ أنها
لا تقوم فقط بإعادة النظر في المنطلقات الأساسية للدولة بجعلها أكثر ارتباطا
بمحورية الإنسان وحقوقه ولكن أيضا بتنميط مجموعة قواعد التفاعل السياسي الداخلي
والوطني مع فرض تصورات منمذجة لأساليب الحكم.

فالعولمة السياسية، و إن كانت مرتبطة إلى حد بعيد بالمنطق الجدلي للفلسفة
النيوليبرالية، ولكنها أيضا تعكس التصورات و الطروحات التي أفرزها عالم ما بعد
الحرب الباردة والتي تهدف لخلق نموذج حكم صالح لكل الأوطان والشعوب والثقافات
تماشيا مع منطق العالم الرافض للنسبية و الفارض للقيم المنمطة و الأنمطة المنمذجة.
فالعولمة السياسية تقوم على مجموعة من المحددات التأسيسية لهذا المنطق:

-1- ضرورة بناء تصور موحد و
إلزامي لحقوق الإنسان لا تعترف لا بالثقافة ولا بالدين ولا تعترف بالحدود، و لا
بالسيادة و لا بالاختصاص الداخلي للدولة. فهنا نجد أولوية الإنسان على الدولة و
أولوية منطق حاجات الإنسان على منطق أمن الدولة.

-2- جعل الديمقراطية نظام
الحكم الوحيد القادر على التكيف مع منطلقات العولمة.

-3- جعل الديمقراطية حقا
يستخدم لتغيير الأنظمة السياسية باسمه، وترفض الأنظمة الإنقلابية باسم، و يتدخل في
الشؤون الداخلية باسمه كما كان في حال تدخل الأمم المتحدة، عن طريق تدخل الولايات
المتحدة الأمريكية في هايتي سنة 1994 لإرجاع نظام حكم منتخب بعد أن كان ضحية
انقلاب عسكري.

-4- تفعيل منطق دولة الحق و القانون.

-5- بناء منطق المجتمع
التعددي بخلق حراك اجتماعي وسياسي مؤثر يتمحور حول المجتمع المدني.

-6- أما المحدد الأخير فيهدف
إلى خلق آليات الرشادة والعقلانية السياسية عن طريق فرض فلسفة الحكم الراشد.

فمن هنا يظهر أن العولمة السياسية هي حركية تهدف لجعل العالم يحكم بنفس المنطق
السياسي، بنفس المنطلقات القيمية المرتبطة بالتصور الغربي لحقوق الإنسان، ويهدف
لجعل كل الدول تحكم بمنطق الديمقراطية المشاركاتية والحكم الراشد في حال عدم
تعارضها مع مصالح القوى المهيمنة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 10:06 pm

العولمة وتأثيرها على التعليم
(اللغة، القراءة، الكتابة، التكنولوجيا)

ديل روزيرو*
ترجمة: فضل جبران، مراجعة وتدقيق: كفاح الفني

تعتبر هذه الورقة مراجعة للجدل القائم وللأدبيات التي ما فتئت تتسع حول تأثير العولمة على صيرورة التعليم. وتسعى عبر إطلالتها على التنافر (النشاز) القائم بين الحجج والبيانات المطروحة على حلبة العولمة إلى أن تصل إلى حد من التوافق الظاهر للعيان في وجهات النظر حول ماهية تأثير العولمة على القطاع التعليمي، وبهذا تحاول هذه الورقة أن تلقي الضوء على تجليات العولمة في السياق التعليمي.

ما يميز هذه المراجعة يكمن أساساً في كونها تعتبر الجودة صلب اهتمام عملية التعليم، فبغض النظر إذا ما اعتبر تأثير العولمة على التعليم سيئاً أو جيداً، أَو إذا ما كان سيؤدي إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، وبمعزل عن شمولية تدخل العولمةِ في مجالات القدرة والعلم والحضور وتأثير الممثلين واللاعبين المشاركين في عملياتها المختلفة، يبقى المعيار كيف نحافظ على جودة التعليم، فإذا ما تسلح ذوو النفوذ -أفراداً ومؤسسات- بمعرفة الطرائق التي تؤثر فيها العولمة على التعليم، فسيكون بمقدورهم اتخاذ الخطوات الضرورية لدرء العواقب غير المحببة وغير المأمونة الجانب التي قد تمس بجودة (سلامة) التعليم وتماسكه المقدم للطلاب، باعتبارهم الغاية النهائية للعملية التعليمية.

ولمقاربة هذا الموضوع، تقوم هذه المراجعة بتحليل المعارف والآراء المختصة الواردة في المقالات التالية: "التغيير التربوي ضمن سياق العولمة" لـ"كارين مونكمان ومارك بيرد"؛ "ماذا تعني العولمة للتغيير التربويِ؟ نظرة مقارنة" لـ"مارتن كاروني ودايانا روهتن"؛ "التأثيرات المختلفة للمنظمات الإقليمية كموضع تأثر بعولمة التعليم" لـ"روجر دايل وسوزان إل. روبرتسون".

الخطاب السياسي والمشاركة والشراكة

في مقالة تراجع ثلاثة كتب عن العولمة والتعليم هي: العولمة، والتحول التربوي والمجتمعات الانتقالية،1 إعادة هيكلة التربية ضمن سياق العولمة والسياسة القومية،2 العولمة وعلم أصول التدريس: الفضاء، والمكان والهوية،3 يشبه كل من مونكمان وبيرد أهمية العولمة أو موقعها بأهمية الجمال في الحس العادي، أي أنه في عين المشاهد. وباستعمال الاستعارة نفسها، يفترضان أن تفسير مجموعة الظواهر العالمية الجديدة ذات التأثيرات الاقتصادية الثقافية والسياسية يعتمد على نهج المُحلّل ومشربه النظري والسياسي، ويستشهدان كبرهان على هذه الحجّة، بنقد اليسار السياسي ضدّ العولمة باعتبارها هيمنة وإمبريالية غربية، بينما ينطلق اليمين بمديحها باعتبارها نصر الحضارة الغربية والديمقراطية التحرّرية. وجوهرياً، يُؤكّدان أنّ الرأي حول العولمة يستند إلى منظور الرائي للأشياء. وبهذا يُؤكدان أيضاً أنّ مفهوم العولمة واسع وشمولي ومتعدّد المنحى ومتنازع عليه (غير منجز).

وكبرهان على هذا التنازع، يشيرون إلى ضعف في ثلاثة مناحٍ في الأدبيات المعاصرة حول العولمة والتعليم:
الأول: إنّ سوء استعمال مفهوم العولمة كحشو منطقي مُقَدَّم في كثير من الأحيان دون تفسير واضح للصلات، وتدفق عملياتها -أي العولمة- ويمثلون على ذلك: "تُسبّب العولمة إعادة هيكلة التربية؛ لأن إعادة هيكلة التربية ميزة العولمة" (ص498).
الثاني: تقديم العولمة كقوة مستقلة توثر على القوى المحلية والقومية، ولذا فإن ردود الفعل على ضغوطاتها ستتركز على المستوى ذاته (المحلي والقومي).
الثالث: خطر الخَلْط بين العولمة والتوجهات الدولية المُعاصرة على الرغم من كونها لا تدخل في نطاق العالمية، ولا تشتركَ في عمليات العولمة.

مدركو هذا الضعف، اختاروا أن يتبنوا رؤيا مارغينسون (1999) كما هو مقتبس من قبل مونكمان وبيرد (2002) للعولمة، من خلال توصيف متعدّد الأبعاد مستند إلى اعتبارات كالمالية والتجارة، وتقنيات المعلومات والاتصال؛ وحركات الناس عبر الدول؛ وتشكيل المجتمعات العالمية؛ التقارب الأيديولوجي والثقافي واللغوي؛ والأنظمة الدولية للإشارات والصور.

باستعمالهما نموذج مارغينسون المتعدّد التنويعات للعولمة، يفترضان في المراجعة أنّ الكتب الثلاثة تسقط أحياناً في الضعف ذاته. على الرغم من هذا، يَدّعيان أنها تساهم في الفَهْم الأعمق للعولمة، كما يحاولان تحليل عملياتها خلال النماذج الأمثولية (التوأمية) للخطاب السياسي، والمشاركة والشراكة، ويمثلان على ذلك بالآتي:

"الخطاب، في كل من السياسة والثقافة، يُشكّل الممكنات والمحدوديات في ما نعتبره النموذج الأعلى؛ وعلى الرغم من كونه يُؤطّر القضايا، ويخلق أرضية مشتركة للنقاش، فإنه في الوقت ذاته يستثني المنظورات الأخرى ... المشاركة تقع في صميم عملية التعليم والتنمية، لكن أموراً كطبيعة الناس والمجموعات والكيانات المشاركة، وكيف يتم تدخلهم، يَجِبُ أَنْ تتم مناقشتها بموازاة مع الديناميكيات الكبرى مثل سياسات البنك الدولي أَو التدفقِ العالميِ للرأسمالِ الدوليِ، هذا التأطير الأكثر شموليةً للمشاركة يُمْكِنُ أَنْ يكشفَ عن منظور أكثر توازناً عن الكيفية التي تتفاعل فيها العولمة مع التعليم" (ص499).

إن الكتابين الأولين؛ (العولمة، والتحول التربوي والمجتمعات الانتقالية، وإعادة هيكلة التربية ضمن سياق العولمة والسياسةِ القومية) يوضحان دراسة حالة آنية وحديثة للتغير في التعليم، والتحول الاجتماعي في كثير من الدول، وكذلك مجموعة من الأطر النظرية حول العولمة، وصورة شاملة عن المواضع المعاصرة في الخطاب. وبالتحديد، فإن نظرية "داون" لإعادة بناء التعليم في مجال العولمة والسياسة الدولية ونطاقها، تناقش العولمة وأبعادها الاقتصادية، والتغيرات والتأثيرات المصاحبة للعولمة على الدولة والأمة، وكذلك التقارب والتشعب الثقافي، ومجموعة متعارضة من المطالب في التعليم. وتقول هذه الدراسة إن "درجة الدمج بين المجتمع/الدولة والتعليم قد تختلف من دولة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر" (ص 500).

أما الكتاب الثالث لادواردز واوشر العولمة وعلم أصول التدريس: الفضاء، المكان، والهوية، فإنه لا يعول على تغير معين بحد ذاته: التعليم المفتوح، والتعليم عن بعد يعتبران من القوى المحركة للعولمة، ويضعان مؤسسة أنظمة التعليم الحديثة: المدرسة/الجامعة، والأنظمة الأكاديمية على المحك. وهما (أي التعليم المفتوح والتعليم عن بعد) يؤسسان نواة المجتمع الافتراضي أو ما يسميه الكاتبان (حيز الشتات)، إذ تنخرط البنى الاجتماعية القائمة على العقلانية الغربية في شبكات جديدة تتواصل من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وبالعودة إلى واشر وادواردز، فإنهما يوضحان أنه من خلال نظام التعليم عن بعد تكون علاقات القوة والتحكم في التعلم ومصادر المعرفة أخف وقعاً، إذ يساهم هذا الشكل من التعليم في تجاوز الحدود القائمة بين التعليم الرسمي وغير الرسمي، بين المعلم والطالب، الصف والبيت، النص المطبوع والنص الإلكتروني، التعليم والترفيه، وجدلاً يتوصلان إلى أن التعليم عن بعد يعزز مكانة الطالب، ويقلل من سطوة البنى الهرمية والأنظمة الصارمة، عن طريق شرعنة طرائق سرد وأنظمة معنى متعددة ومتشعبة. ويستطردان بالقول إنه بما أن التعليم المفتوح والتعليم عن بعد يعطيان الطلاب مصادر مختلفة لنيل المعرفة ويمكناهم من تكوين رؤيا ذاتية للواقع، فإنهما يضعان سلطة المعلم أمام تحدٍّ حقيقي.

وبالتركيز على موضوعة الخطاب السياسي، فإن مونكمان وبيرد يقولان إن خطاباً كهذا لا ينبع من أمة أو دولة واحدة، وإنما ينبع مما وراء حدود أغلب الدول، وأنه يحل محل الخطاب السياسي الأسبق الذي كان يستند إلى عوامل داخلية وقومية كانت تقود الأجندة التعليمية سابقاً. ويضيفان أن الأجندة العالمية تؤثر في توجهات الإصلاح التربوي عبر تأطير الخطاب، ما يكسبها صبغة تسلطية (إمبريالية) في محيط الفاعليات والمنظمات المنخرطة في التعليم والتنمية.

وفي الوقت نفسه، فإن هذا الخطاب يؤثر في كيفية توزيع الأدوار على اللاعبين في هذا المجال. وبالرجوع إلى كيت واطسون في (مبراهتو)4 فإن مونكمان وبيرد يشيران إلى إن المنظمات المتعددة الأطراف والوكالات المانحة ذات دور مركزي في إحداث التقارب في مجال الإصلاح السياسي والمبادرات، كاللامركزية، والخصخصة، وإصلاح المنهاج. ويلاحظان أن مثل هذه الإصلاحات غالباً ما تترجم إلى اشتراط تعديلات هيكلية للسياسات أو لظروف الترتيبات المالية الأخرى، وهذا جميعه ينبثق من احتكار الوكالات الداعمة والممولين للأجندة.

وعلى المنوال ذاته، يستمران في أن الأدوار المختلفة للمؤثرين في التعليم عالمياً ومحلياً وقومياً تترجم إلى فكرة الشراكة والمشاركة. فمفهوم الشراكة أصبح يعني المقاربة العامة، أو كما تعبر عنه مقاربات القطاع الواسع في التنمية SWAPs) sector wide-approach)، التي وجدت لتضمن السيطرة المحلية على الأجندة التعليمية ولتحقيق مستوى أعلى من التعاون بين المانحين والمؤسسات الأهلية والمجتمع المحلي. وبكل الأحوال، فإنهما يشيران إلى أن تحليلات البنك الدولي للشراكة والمشاركة تنبع من محاذيره "إذ إن الأطراف المعنية كافة أصبحت شريكة ولم يبقَ من تلق علية اللائمة، الفشل مؤسف، ... فحماسة الشراكة لها نقد خفي، جدل وبدائل، إذ لم تبقِ أحداً خارج اللعبة، أي أنه لم يتبق من يعارض السياسات والإستراتيجيات ليتحداها" (ص 506).

وبالنظر إلى الكتب الثلاثة، فإن مونكمان وبيرد يختتمان بالدعوة إلى تحليل أكثر حساسية ونقداً للخطاب في العولمة والتعليم، ويشددان على ضرورة أن تكون تعبيرات مفهوم العولمة أكثر دقة من جوانب عدة، وليس من جانب تأثير العولمة على التعليم فحسب، وإنما أيضاً من جانب الكيفية التي ينظر بها الفاعلون الأساسيون في التعليم للعولمة. وليكن هذا من خلال المشاركات الفعالة وتعددية الأصوات كتلك الموجودة في الحقول الأخرى؛ كالحقل الرقمي، أو بإعادة هيكلة الخطاب الذي بدوره يوجه أفكارنا وأعمالنا (ص 508).

العولمة والتغير التربوي والمنظمات الإقليمية

ينظر كل من كارنوي وروتكن في مقالتهما الافتتاحية، "ماذا تعني العولمة بالنسبة للتغير التربوي دراسة مقارنة"، إلى العولمة من معايير المعرفة، والمعلومات، والبناء الاقتصادي، ونظرية النظم العالمية والمفاهيم الإيديولوجية في التعليم. ويشدد الكاتبان على أنه لتقييم علاقة العولمة الحقيقية بالتغير التربوي ينبغي "أن نعرف كيف تؤثر العولمة ومسوغاتها الأيديولوجية على وضع التدريس بشكل عام، من النماذج الانتقالية إلى السياسات القومية والتطبيقات المحلية" (ص2). التمويل، وسوق العمل، وجودة أنظمة التعليم الوطني، وتقنية المعلومات، وشبكات المعلومات المعولمة هي من بين المجالات التي تتجلى فيها هذه العلاقة.

ويشرح كارنوي بأنه لاعتبارات مالية تكون معظم الحكومات مضطرة إلى تقليص حجم الإنفاق العام على التعليم، وإيجاد موارد بديلة لتمويل الأنظمة التعليمية، ولاعتبارات العمل، فإن الحكومات تحت ضغط أشد من أجل جلب رأس المال الخارجي، وتقديم العمال المهرة، ما يعني مزيداً من الضغط لرفع مستوى المعدل التعليمي في سوق العمل، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة معدل الإنتاج في سوق العمل. ولاعتبارات تعليمية، فإن جودة التعليم الوطني تخضع لمقارنة حثيثة مع جودة التعليم العالمي. ونتيجة لذلك، فإننا نلاحظ أن التركيز يكون في مناهج الرياضيات والعلوم، وفي المعايير والفحص، وفي مطابقة المعايير من خلال تغيير في أنظمة التطبيق.

ويشير إلى أن تقنية المعلومات تنضوي تدريجياً في أنظمة التعليم لسببين: الأول، لتخفيض نفقة التعليم، والثاني، للوصول إلى مستوى جودة تعليم أعلى بمساعدة الحاسوب والإنترنت.

ويوضح أن شبكات المعلومات العالمية تعني تبادل ثقافات العالم مع محاذير أن كثيراً من الفئات تشعر أنها مهمشة بسب قيم سوق الثقافة الجديدة، وأن مثل هذه الفئات ستناضل ضد اقتصاد العولمة بالتشديد على قيم ثقافية عالمية بطبيعتها، فعلي سبيل المثال، نجد أن كلاً من الأصولية الدينية وأنصار البيئة المابعد حداثيين، وأنصار حقوق المرأة على اختلافهم يقفون ضد السوق.

ويخلص كل من كارنوي وروتن إلى أنه وعلى الرغم من أن التغيرات التعليمية على ضوء العولمة ذات محددات تعريفية مشتركة، فإنها تحوي اختلافات مهولة من منطقة إلى أخرى.

ومما يستحضر في هذا المجال ما قاله ديل وروبرتسن (2002) في مقالتهما "التأثيرات المختلفة للمنظمات الإقليمية في ظل عولمة التعليم"، إذ يناقش الكاتبان أن المنظمات الإقليمية تحديداً: معاهدة دول شمال أمريكا للتجارة الحرة (NAFTA)، والاتحاد الأوروبي (EU)، والتعاون الاقتصادي الآسيوي (ABEC)، بالقدر الذي تمثله كدفة توجيه لرأس المال العالمي وقوى العولمة، فإنها تخدم في مجال البنى التحتية الاجتماعية، وتشكل الرأسمال الإنساني، وإن كان بشكل مباشر أو غير مباشر، فإنها توثر في تشكيل السياسات التعليمية.

فمن خلال دراستهما لمعاهدة دول شمال أمريكا للتجارة الحرة، وتأثيرها على التعليم، يلاحظان أن إستراتيجيتها تستخدم التجارة الحرة لتوسيع نطاقها لتشمل احتياطي الموارد التي كانت تحت سيطرة القطاع العام عبر تكتيكات بناء معاهدات تجارية ملزمة مرتبطة بإجراءات مثل "إجراءات حل النزاع" (ص 23)، ويلاحظان بشكل أساسي أن مستوى هذا التأثير على السياسات التعليمية القومية على الدول الأعضاء يتجاوز الاستقلالية ليمس السيادة، فمعاهدة دول شمال أمريكا للتجارة الحرة تحدد للدول الأعضاء المجالات التي يمكنها أن تقرر السياسات فيها دون أن تأتي على ذكر الكيفية التي سيتم فيها استخدام ما تبقى من السيادة.

ويشرحان أنه على الرغم من أن معاهدة دول شمال أمريكا لا تتطرق بشكل مباشر للتعليم، فإن للدول استقلالية محدودة في إدارة المدارس، وهي معرضة لفقدان السيطرة في حالة عدم تطبيق قواعد هذه المعاهدة. ويقدمان برهاناً على ذلك بالأزمات التي تواجهها دول شمال أمريكا في مجال التعليم العالي "تعتبر الجامعات مواقع قوة في مجالات البحث والتطوير في المنطقة، وهي بدورها قادرة على الإسهام في التطور الاقتصادي على الصعيد العالمي. لذا، فهي مواقع استثمار في مجالي البحث والتطوير، وجميع أعضاء معاهدة دول شمال أمريكا، وبخاصة المكسيك، بسبب اختلاف مستويات مصادرها وتنوعها، فإنها معرضة لاحتمال مواجهة أزمة إدارة جامعتها في الوقت الذي تم فيه فتحها أمام الاستثمارات الخاصة، في الوقت نفسه تصبح هذه الجامعات عاجزة عن إدارة نشاطاتها الخاصة" (ص23).

ويستطردان بأن مثل هذا الخلط في الصلاحيات ضمن القطاع الجامعي، وبخاصة عندما يرتبط ذلك بموضوعة الملكية الفكرية، فإنها سوف تقلل من استقلالية الجامعات، وتجعلها مجالاً للمنافسات التجارية بدلاً من منارات استنارة.

أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيقول ديل وروبرتسون (2002) إن إستراتيجية الاتحاد الأوروبي تقوم على تشجيع تمويل البرامج الصغيرة والتعاون العابر للقوميات بين الجامعات لكي تبلغ هدفها، "وهو البعد الأوروبي ... بناء فهم مشترك وعابر للقوميات لأن تكون أوروبياً" (ص28).

ويلاحظ الكاتبان أن هذه الإستراتيجية متبعة من قبل الاتحاد الأوروبي لتحويل المنطقة إلى مجتمع واقتصاد قائمين على المعرفة، عبر تبني سياسات أفضل في حقول متعددة، من بينها تكنولوجيا المعلومات، والبحث والتطوير. ويقترح ديل وروبرتسون بأنه على الرغم من أن تأثير الاتحاد الأوروبي على السلطة القومية في القطاع التعليمي محدود جداً، فإنه قد يمس استقلالية الأعضاء في مجال سياسة التعليم.

أما في حالة التعاون الاقتصادي الآسيوي، فيشير الكاتبان إلى أن دول هذا التعاون ترى أن التعليم يساهم وبشكل كبير في النجاح الاقتصادي في المنطقة، وبشكل خاص في ما يعرف "بالنمور الأسيوية" (هونغ كونغ، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان). فتدعي هذه الدول أن هذه الرؤيا مركزية لتحويل أنظمة تعليمها لتساهم في تشكل "المجتمعات التعليمية" عن طريق التشارك في الأفكار والخبرات والتطبيقات الأمثل في مجال استخدام تكنولوجيا المعلومات، وتعزيز جودة تطوير المعلم، ورعاية الممارسات الإدارية العقلانية بين صانعي السياسة، وتشجيع ثقافة التفاعل النشط بين المعلم والطالب لخلق تفاهم في المجتمع الآسيوي.

ويلاحظ الكاتبان أن الإستراتيجية المتبعة من قبل دول الاتحاد الآسيوي تعتمد على فلسفة "إعدادات أحادية الجانب"، وعلى "خطط العمل الفردية"، فمثلاً يضع أغلبية الأعضاء ثقلاً مهماً لدور التعليم ولتشكل رأس المال الإنساني في التطور الاقتصادي، ويتبنونه كمحور لسياستهم الكلية إلا أن كلاً منهم يصل إلى هدفه بطريقته الخاصة.

ويخلص ديل وروبرتسون إلى القول إنه يجب أن ينظر للتعليم في محتواه وسياسته الإدارية من اعتبارات إقليمية المنشأ، ومن الكيفية التي تعدل هذه المناطق سياساتها التعليمية تماشياً مع عملية العولمة. ويضيفان أن أجندة التعليم ذات المنشأ العالمي تتسع بشكل مطِّرد، في حين أن الالتقاء والتوافق بين الممارسات أو السياسات القومية لم يحظَ بالاتساع ذاته.

الخاتمة

جدائل من الخيوط تتداخل في نسيج واحد، هذه المقالات الثلاثة تعطي وجهات نظر متمايزة، ولكنها مترابطة، عن تعقيدات العولمة، وبخاصة في سياق التعليم. وكذلك تتداخل أفكار مونكمان وبيرد وكاروني وروبرتسون حول محددات كالتمويل، والتجارة، والاتصال، وتكنولوجيا المعلومات، وسوق العمل، وجودة النظم التعليمية الوطنية، وشبكات المعلومات المعولمة. فكلتا المقالتين كذلك تدركان أثر تكنولوجيا المعلومات كآلية ذات أثر ليس على الكيفية التي يتم فيها الآن إيصال التعليم عبر شبكات عالمية فحسب، بل، وبشكل أكثر أهمية، على قدرتها في زعزعة نماذج السلطة القديمة وهرمياتها بين المعلمين والطلاب. ويشير كل من ديل وروبرتسون (2002) في تحليلهما لتأثيرات العولمة على الاتحاد الأوروبي إلى أن تكنولوجيا المعلومات هي الإستراتيجية الوحيدة التي يأمل الاتحاد الأوروبي من خلالها في تحويل الإقليم إلى مجتمع واقتصاد مبنيين على المعرفة.

كذلك، إن المقالات الثلاثة تشترك في الاعتقاد الذي عبر عنه كارنوي وروتن بوضوح "التغيرات التعليمية في ضوء العولمة ذات محددات جوهرية مشتركة، إلا أنها تحوي اختلافات مهولة من منطقة إلى أخرى". وهذا مفصل في تحليل ديل وروبرتسون لمعاهدة دول شمال أمريكا، والاتحاد الأوروبي، والتعاون الآسيوي، كمؤثرات على العولمة من ناحية، وكموضع تأثر بالعولمة من ناحية أخرى. أما مونكمان وبيرد فيقتبسان دوان (2002) "درجة الدمج بين مجتمع/الدولة والنظام التعليمي تختلف من دولة إلى أخرى من حين لآخر".

وجميعهم أجمعوا على أن المقالات تتابع عن كثب التعقيدات بين العولمة والتعليم إلى درجة أنه أصبح من الواضح أن أكثر طرق العولمة تجلياً في التعليم هي عبر تكنولوجيا المعلومات، وأيضاً الطريقة الفاضحة التي تتم فيها السيطرة على أجندة السياسة التعليمية بين الأمم والدول. ولعل أهم انشعابات هذه السيطرة هي المشاركة التي يريد مونكمان وبيرد منا أن ننظر إليها بحذر، فإذا ما كان هنالك مجال من مجالات البحث في التعليم المقارن يستحق السبر، فيجب أن تكون سياسة المشاركة بشكل يجيب عن: من هم اللاعبون؟ وما هي الأدوار التي يؤدونها؟ وبالتالي إذا ما أصبح اللاعبون كافة شركاء، فمن سيكون القيّم النهائي على حد تعبير البنك الدولي.

فضل جبران
معلم من إذنا

الهوامش

* كاتبة أمريكية، جامعة كولومبيا.
1 تحرير تيم مبراهو، ومايكل جروسلي، وديفد جونسون- اوكسفورد- سلسلة كتب حلقة الدارسات، 2000.
2 تحرير هولجر دون، نيويورك ولندن، روتلج فالمر، 2002.
3 لـ رتشارد ادوارد، وروبن اوشر، لندن ونيويورك: روتلج 2000.
4 (in Mebrahtu, et al).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 10:07 pm


: تعريف العولمة :
العولمة في اللغة مأخوذة من التعولُم ، والعالمية ، والعالم .وفي الاصطلاح تعني اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع أقوامها وكل من يعيش فيها وتوحيد أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراق . ليس هناك تعريف جامع مانع لها ، فهو مصطلح غامض في أذهان كثير من الناس ،ويرجع سبب ذلك إلى أن العولمة ليست مصطلحاً لغوياً قاموسياً جامداً يسهل تفسيرها بشرح المدلولات اللغوية المتصلة بها ، بل هي مفهوم شمولي يذهب عميقاً في جميع الاتجاهات لتوصيف حركة التغيير المتواصلة . ولكن مما يلاحظ من التعريفات التي أوردها الباحثون والمفكرون التركيز الواضح على البعد الاقتصادي لها ، لأن مفهوم العولمة بداية له علاقة وطيدة بالاقتصاد والرأسمالية وهذا ما جعل عدداً من الكتاب يذهبون إلى أن العولمة تعني : تعميم نموذج الحضارة الغربية – خاصة الأمريكية – وأنماطها الفكرية و السياسية والاقتصادية والثقافية على العالم كله .

نشأة العولمة :

شاع هذا المصطلح في التسعينات بعد إنهيار المعسكر الشيوعي ، واستفراد أمريكا بالعالم ، ولا سيما عندما طالبت أمريكا دول العالم بتوقيع اتفاقية التجارة العالمية بقصد سيطرة الشركات العابرة للقارات على الأسواق العالمية . مما يؤكد أن العولمة بثوبها الجديد أمريكية المولد والنشأة .

ويرى الباحثون الذين تحدثوا عن نشأة العولمة أن العولمة عملية تراكمية ، أي أن هناك عولمات صغيره سبقت ومهدت للعولمة التي نشهدها اليوم ، والجديد فيها هو تزايد وتيرة تسارعها في الفترة الأخيرة بفضل تقدم وسائل الإعلام والاتصال ، ووسائل النقل والمواصلات والتقدم العلمي بشكل عام ، ومع ذلك فهي لم تكتمل بعد .

الإسلام والعولمة :

هناك فرق بين عالمية الإسلام ، وعولمة الغرب ، فعولمة الغرب اقتصادية الأساس تسعى إلى الهيمنة على العالم برفع القيود عن الأسواق والبضائع ورؤوس الأموال ،وهذا يفضي إلى تعميق النزاعات والصراعات . أما عالمية الإسلام فتقوم على أساس التعارف والانفتاح على الثقافات الأخرى بلا نفي أو إقصاء أو إكراه " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " .

مظاهر وأسباب العولمة :

العولمة هي اقتصادية في مظهرها العام ، وعلى رغم التطورات والتغيرات المتسارعة التي حدثت في النصف الأخير من القرن العشرين والتي كان لها الأثر الكبير على مجريات اقتصاديات العالم فإن معظم الكتاب يجمعون على أن هناك أربعة عناصر أساسية يعتقدون أنها أدت إلى بروز تيار العولمة وهي :

- تحرير التجارة الدولية .

- تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة .

- الثورة المعرفية .

- تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات .

ويمكن إجمال الحديث عن هذه العناصر على النحو التالي :

1- تحرير التجارة الدولية : ويقصدون به تكامل الاقتصاديات المتقدمة والنامية في سوق عالمية واحدة مفتوحة لكافة القوى الاقتصادية في العالم وخاضعة لمبدأ التنافس الحر ، وبعد الحرب العالمية الثانية رأت الدول المنتصرة ضرورة قيام نظام اقتصادي عالمي يخدم بالأساس مصالحها ، ومصالح البلدان الصناعية بصفة عامة ، وقد مهد مؤتمر ( بريتون ودز ) عام 1944م الطريق لتأسيس النظام الاقتصادي العالمي الحديث حيث تم بموجبه إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ،والاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة ( الجات ) .

ومع الانتقال من ( الجات ) إلى منظمة التجارة العالمية التي تسعى إلى إلغاء كل الحدود التجارية في العالم انتقل الاقتصاد العالمي إلى مرحلة اشتراكية السوق ، أو دكتاتورية السوق ، وأن الفوائد المرتقبة للعولمة ستكون موزعة توزيعاً غير عادل وغير متكامل في داخل الدول النامية . وفيما بينها وبين المتقدمة ، بل وبين المتقدمة نفسها .

2- تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة : حدثت تطورات هامة خلال السنوات الأخيرة تمثلت في ظهور أدوات ومنتجات مالية مستحدثة ومتعددة ، إضافة إلى أنظمة الحاسب الآلي ووسائل الاتصال والتي كفلت سرعة انتشار هذه المنتجات ، وتحولت أنشطة البنوك التقليدية إلى بنوك شاملة تعتمد إلى حد كبير على إيراداتها من العمولات المكتسبة من الصفقات الاستثمارية من خارج موازنتها العمومية ، ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين هما :

أ/ تحرير أسواق النقد العالمية من القيود .

ب/ الثورة العالمية في الاتصالات الناجمة عن الأشكال التكنولوجية الجديدة .

3- التقدم العلمي والتكنولوجي : وهو ميزة بارزة للعصر الراهن ، وهذا التقدم العلمي جعل العالم أكثر اندماجاً ، كما سهل حركة الأموال والسلع والخدمات ، ( وإلى حد ما حركة الأفراد ) ، ومن ثم برزت ظاهرة العولمة ، والجدير بالذكر أن صناعة تقنية المعلومات تتركز في عدد محدود ، ومن الدول المتقدمة أو الصناعية دون غيرها .

4- الشركات متعددة الجنسيات: إذا صح وصف هذا العصر بأنه عصر العولمة ، فمن الأصح وصفه بأنه عصر الشركات متعددة الجنسيات باعتبارها العامل الأهم لهذه العولمة .

ويرجع تأثير هذه الشركات كقوة كبرى مؤثرة وراء التحولات في النشاط الاقتصادي العالمي إلى الأسباب التالية :

أ/ تحكم هذه الشركات في نشاط اقتصادي في أكثر من قطر ، وإشاعتها ثقافة استهلاكية موحدة .

ب/قدرتها على استغلال الفوارق بين الدول في هبات الموارد .

ج/ مرونتها الجغرافية .

ويأخذ بعضهم على هذه الشركات ما يلي :

1- تناقضها بين وجهها التوحيدي للعالم ، ووجهها الأخر وهو كونها رمزاً للسيطرة الاقتصادية ومن ثم السياسة .

2- عدم وجود قواعد وضوابط قانونية أو اتفاقات دولية ملزمة لها مما شجعها على انتهاك قوانين العمل وحقوق الإنسان .

3- إن قادة هذه الشركات من كبار الراشين على مستوى العالم .

وأما المدافعون عن هذه الشركات فيشيرون إلى مساهمتها في العملية التنموية حيث توفر فرص التدريب والعمل وتدفع الضرائب التي يمكن استخدامها في البرامج الاجتماعية ،كما أنها تنقل التكنولوجيا المتطورة ، وتعود بالقطع الأجنبي ، وتساعد في بناء قاعدة صناعية في البلدان الفقيرة .. الخ .

أن هذه المزاعم مبالغ فيها ، وأن أهدافها الأساسية هو تعظيم وتراكم أرباحها ، وهذه لا يتحقق عادة إلا على حساب شعوب الدول الفقيرة .

((( نستخلص هيه مزيج اقتصادي سياسي للهيمنه على العالم ))
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 10:16 pm

شك أن المتتبع لمشروع الدكتور المسيري منذ اوائل السبعينات يدرك مدى جدية مشروع هذا الرجل الانسان قبل كل شيء والمفكر الاسلامي العالمي الذي يسعى بعيداً عن التحيز والاحتكار إلى تأسيس حداثة اسلامية انسانية جديدة تتسم مع طبيعة الناس بشتى مشاربهم واصقاعهم وجنسياتهم لا تحط من شأن أي جنس ولا تزدري من قدره لا لشيء إلا لانه لا ينتمي الى هذه الديانة اوذلك الجنس وما الى ذلك كما هو شأن الحداثة الغربية اوالنظام العالمي الجديد بل تفتح المجال للحوار والحوار البناء الهادف المنطلق من مسلمات ومعايير انسانية لا حوار اقصاء او صدامي او صراع ثقافات اوايديويولوجيات أو حضارات كما نرى ونشهد بأم اعيننا المهازل والمسرحيات التي تقام هنا وهناك تحت شعار حوار الحضارات والكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل مع الشعوب وازدرائها والنظراليها بالدونية والاحتقار بل والأدهى والأمرما يطلقه بعضهم على هذا الحواربصراع الحضارات ليجسد لك عمق الحقد والكراهية والضرب تحت الحزام وحبك المؤامرات خلف الكواليس لكل ما يمت بصلة الى غير هذه الحضارة المهيمنة حضارة العالم الجديد لاسيما الحضارة العربية والاسلامية لما تمتلكه من قيم ومنظومات فكرية ومرجعية تحفظ لها تماسكها وترابطها..ويعد الدكتور المسيري من أبرز المفكرين الذين قدموا مشروعاً معرفياً شبه متكامل يربط بين الفكر والواقع يسعى في خضمه إلى تأسيس حداثة انسانية تستلهم المبادئ الاسلامية والعربية وليست الغربية وتأتي اهمية المسيري انه على عكس الكثيرين قدم مشروعه المعرفي بدءاً من البدايات ورغبته في تأصيل ظاهرة الصهيونية ما قاده الى دراسة المجتمع الغربي والحداثة الغربية والعلمانية الأمر الذي ادى به الى انتقاد واظهار الكثير من الجوانب الخافية للمشروع المعرفي الغربي الذي يتم التغاضي عنها من قبل الغربيين انفسهم الأمر الذي دعاه إلى تأسيس مشروع معرفي متكامل ينتقل من النقد الى النقض ومن التفكيك الى البناء ومن موقف الناقد الى موقف المنظر فوضع أسس التفسيرية والنماذج التحليلية كوسيلة للتحليل والنموذج كأداة معرفية.
أولاً: مفهوما العلمانية والعولمة:
قبل أن نناقش مفهوم العولمة لابد ان نشير إلى رأي يتفرد به المسيري في تعريفه للعلمانية الاطار الممهد لفلسفة الحداثة وما بعدها، فلسفة العولمة النظام الاستعماري العالمي الجديد ذي النظرة والتوجه الأحادي المقصي لتوجهات الآخر يتجلى ذلك في تسييسه سياسات الدول والتحكم والهيمنة بمواردها وخيراتها عبر ما يفرضه عليها من سيطرة عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومحاربة الارهاب وفرض الوصاية على دول العالم بحجة افشاء السلام ونشر الديمقراطية والتلاعب بالأوراق والازدواجية في التعامل والكيل بمكيالين ازاء ما يخدم مصالحها ويبسط لها الهيمنة على مقدرات الشعوب وانظمتها السياسية والاقتصادية عبر سياسات تجويع الشعوب وبسط القروض وما الى ذلك ليتسنى لها من خلاله التحكم في التعليم بوضع المناهج الموافقة لمصالحهم والذي بدوره ينشئ اجيالاً جاهلة تجهل تاريخ حضارتها وسيرة عظمائها واعلامها الافذاذ اجيالاً لا تفقه الا ثقافة المسلسلات والقعود أمام شاشات الفضائيات الساعات الطوال وعلى مقاهي الانترنت للدردشات والمعاكسات ومتابعة المباريات واخبار اللاعبين فماذا نتوقع من جيل هذا شانه؟!وكيف نعول عليه ونشيد به آمال المستقبل وهو لايملك من ذلك الآخر سوى تقمصه لملابسه وحلاقته وتتبعه لخطاه وانحلاله الاخلاقي؟! كيف له ذلك وهو لايتقن حرفة ولايملك أية شخصية ابداعية في اي مجال من مجالات العلوم؟! كيف له ذلك وهو مازال مستهلكاً لكل ما يأتي من هنا وهناك؟!!
ويشير د. المسيري إلى ان العلمانية يمكن النظر اليها من زاويتين:الاولى يسميهاعلمانية جزئية أما الأخرى، فيطلق عليهاعلمانية شاملة فالاولى يعرفها بالتعريف المشهور المتمثل في فصل الدين عن الدولة اما الثانية وهو المفهوم الأوسع والأخطر الذي يختزل ويمهد لفلسفة الحداثة الغربية وما بعدها بشكل عام وما تتضمنه الخلفية المعرفية للمفهوم الاستعماري الجديد العولمة حيث يعرفها بأنها تسعى الى القداسة اوالغاء الدين والقدسية عن العالم اما العلمانية الجزئية بوصفها فصلاً للدين عن الدولة اوعن القوانين فيراها المسيري قدراً لامناص منه لكي تستقيم الحياة فثمة ما تقتضيه الحياة الدنيا لا يتعارض مع الدين ولكنه لا يتصل بالضرورة به او يستمد منه لكن ذلك لا يعني ان المسيري يؤيد اوينتهج منهج العلمانية على العكس من ذلك فهو من الأشد المناوئين لها يتجلى ذلك في موقفه من مشروع النهضة وحركات الاصلاح في الوطن العربي ليس في جانبها الايجابي الداعي الى استلهام التراث ومواكبة الغرب ولكن في جانبها السلمي ممثلة في ذلك التيار الذي ما تزال توجد منه جيوب تدافع عن الحداثة الغربية الليبرالية- العلمانية وهؤلاء كما يرى المسيري تابعون للحكومات ويرون انه لامخرج لنا إلا أن نلحق بالغرب ولعل ما يؤكد رأيه في تعريفه للعلمانية الشاملة ودراسته اياها الدراسة المتعمقة رؤيته في أن ظهور الاصوليات والصحوة الدينية في الغرب ما هو إلارد فعل على الحداثة والعلمانية لأن العلمانية لم تجب عن الاسئلة الكبرى: لماذا نحن هنا؟.. مسألة الحب والزواج والاولاد كذلك هناك أحاسيس لا يشعر بها الغرب ويضيف المسيري إلى انه بسبب نزع القداسة عن العالم بأسره اصبح من الصعب على الغرب أن يدركوا أن الحداثة لن تزودهم بأية اجابة عن الاسئلة الكبرى الحقيقية وهو ما دفعهم الى ما يعرفونه وهو المسيحية لكن ما حدث انهم عادوا الى مسيحيتهم التي تم علمنتها الى حد ما فالاصولية تطالب بالعودة إلى الأخلاق وهذا جيد لكن يتم توظيف العودة بشكل سياسي ويستشهد بتوظيف الاطار الصهيوني وعودة اليهود والخلاص وهي مسألة يتوقع المسيري عدم استمرارها طويلاً ولعل ما يؤكد وجهة نظرته الاسلامية اكثر كتابه المبكر الصادر في مطلع السبعينات وبالتحديد في عام 1972م عن نهاية التاريخ قبل اطروحة فوكوياما المشهورة حول نهاية التاريخ التي يتعارض فيها مع رؤية فوكوياما المتمثلة في ان التاريخ وصل الى نهايته مع الليبرالية والتي يرفضها (د. المسيري) رفضاً قاطعاً لانها رؤية تتناقض مع عقيدته الاسلامية وشريعة ربه السماوية وهو ما دفع الفيلسوف الفرنسي (روجيه جارودي) في كتابه العولمة المزعومة في الرد على فوكوياما وهنتنجتون بطريقة علمية مدعومة بالاستشهادات والاحصائيات التي استقاها الكاتب من مصادر متنوعة وموثوقة لدى الغربيين رغم انها تصب في خانة كشف وادانة الحضارة الغربية ونمط التنمية الراسمالية وقوانين السوق والنظام العالمي الجديد الذي استقرعلى تسميته ب العولمة بما فيها من هيمنة الاقوياء على العالم ضمن علاقات تبادل لامتكافئة مدعومة بمنطق القوة والبطش وأمركة الثقافة والحياة عامة.
ولقد أشار الناقد الامريكي (جيمسون) الى الرأسمالية بوصفها اول ثقافة عالمية حقيقية لم تتخل يوماً عن مسعاها الى امتصاص كل غريب عنها وما يزال هذا المفهوم متسيداً لدلالات العولمة وان نافس الاقتصاد في مجال آخر هو الاتصالات التي اسهمت بقدر وافر في العولمة سواءً بكونها وسيلة حيوية لعولمة الانظمة الاقتصادية او من خلال ربط العالم في شبكة وثيقة من الاتصالات جعلت العالم يتعولم مرة أخرى ولكن هذه المرة من خلال المعلومات والأخبار هذان الجانبان تركا اثراً بالغاً على الثقافات الانسانية في عصرنا الحالي فأمكن الحديث عن (عولمة ثقافية) ايضاً.

ثانياً: مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة:
لعل المتتبع لنشأة الحداثة وفلسفتها لدى الغرب يدرك ارتباطها الوثيق بالعولمة ولذلك فإن ما تتبعه(تيمونز ايمي هايت)في كتابه من الحداثة الى العولمة» المكون من جزئين والمترجم بترجمة (سمر الشيشكلي) الصادر مؤخراً عام 2000م يثبت عميق الصلة بينهما وقد رأى محررا الكتاب أن منظري الحداثة وما بعدها يرون أنها سلسة متتابعة من التغيرات الاجتماعية والنفسية الاقتصادية والثقافية والسياسية والبيولوجية ويتضمن التحديث تبييناً لطرق جديدة للحياة المادية وهو أيضاً يغير نظامنا التعليمي ومعظم قيمنا واتجاهاتنا الأساسية ولذلك أصبح موضوع صدام الحضارات وصراع الثقافات أو حوارها موضوعات راهنة منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية صدام الحضارات أيديولوجية لها ورسمت بموجبها الصراعات القادمة في القرن الواحد والعشرين. فصدام الحضارات هو التعبير الأيديولوجي الجديد للعولمة التي تسعى لإعادة تكوين جغرافية العالم وتقسيمه على أسس أخرى لم تعلن عن تفاصيلها بعد.. هذه الرؤية التي نستطيع أن نستشفها لدى (المسيري) والتي حاول أن يؤطر لها في معظم كتابته حيث يرى الميسري علاقة الحداثة الغربية الوطيدة بظهور الإبادة الجماعية كحل نهائي لمشكلاتها المتفاقمة وكأداة ممكنة لبناء الفردوس الأرضي الذي يتمثل في الوصول إلى أقصى درجات التقدم المادي العلماني المنفصل عن القيمة الإنسانية والمرجعية الأخلاقية.. ويرى المسيري أن مشروع الحداثة الغربية يضرب بجذوره في القرن السابع عشر وما تحقق من إنجازات ثقافية واقتصادية واجتماعية في القرن التاسع عشر في الطرف الشمالي الغربي من أوربا وهو يرى أن الحداثة الغربية بدأت كمشروع ثقافي في عصر الاستنارة ذلك المشروع الذي كان يهدف إلى إلغاء الإله أو تهميشه والتمركز حول الإنسان باعتباره سيد الكون القادر على تأسيس جنة الخلد على الأرض دون الاستعانة بأية قوى غيبية مفارقة واصبح العقل والعلم والتكنولوجيا أهم الآليات الحاكمة في إحداث عمليات التحديث والتطوير الصناعي في ظل النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي فيما بعد وهو ما دفعه إلى تطوير منظومة جديدة من المفاهيم حتى يستطيع تتبع تطور النموذج المادي في المنظومة الغربية لكنه لم يلجأ إلى السرد التاريخي المعلوماتي للأحداث إنما تعامل مع الحداثة الغربية باعتبارها متتابعة تبدأ بما يطلق عليه العقلانية المادية الصلبة القديمة وتنتهي بما يسمية اللا عقلانية المادية السائلة الجديدة.
ويعرف المسيري الحداثة في أبسط تعريف لها بأنها استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة. إلا أنها رغم ماديتها الصارمة قد نجحت في تأسيس نظم معرفية وأخلاقية (تستند إلى نقطة الثبات مثل العقل والطبيعة البشرية والقوانين العلمية).
لكن هذا لا يروق للميسري الأمر الذي دعاه إلى أن يستجمع طاقاته النقدية من أجل تفكيك هذه الرؤية للمادة الصلبة التي تمزق الحبل الأنطولوج الذي يربط الإنسان بالإله.
ومن تلك الانتقادات والمآخذ التي يوردها المسيري على هذه الرؤية المادية العقلانية تحول الإنسان الرباني كما يسميه المسيري إلى الإنسان الآلي أو من منظوره (الإنسان الاقتصادي) و (الإنسان الجسماني)أي أن المادية العقلانية الصلبة التي كانت تحتفي بالإنسان والطبيعة كانت تحوي بداخلها إمكانية المادية اللا عقلانية السائلة التي لا تعترف بأي مركز وتؤمن بأن الإنسان ليس أمامة إلا أن يقبل وضعه باعتباره كائناً زمنياً مكانياً محدوداً بحدود الزمان والمكان خاضعاً لحتميات الطبيعة وأن يكف عن الثرثرة عن التجاوز والقيم والقانون والسببية وهذا الخضوع لا يعني أي شيء سوى وجود حالة دائمة من السيولة التي تقضي على كافة أشكال الصلابة والسببية والتي تلغي كافة الحدود والثوابت والكليات.
ويخلص (د. المسيري) إلى أن انفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة الإنسانية والمرجعية الأخلاقية حول العالم إلى حلبة صراع للجميع ضد الجيمع وأن السبب الرئيس في تحول الحداثة الغربية إلى منظومة امبريالية دارونيةهو الذي دفع جيوش أوربا للخروج إلى جميع انحاء العالم وهي تحمل أسلحة الفتك والبطش والأبادة حتى تحول العالم بأسره إلى مادة استعمالية يتم توظيفها لصالح الإنسان الغربي السوبر مان المطلق وبناء الفردوس الأرضي الأوروبي ومن ثم لم يتعامل الانسان الغربي مع شعوب آسيا وأفريقيا باعتبارها شعوباً لها تاريخ إنساني وحضاري وثقافي ولكن باعتبارها مخلوقات دون البشر تعيش في فراغ جغرافي أوفي مكان بلا زمان أو جغرافيا بلا تاريخ لكن ذلك لا يعني ان المسيري يرفض الحداثة الغربية جملة وتفصيلاً على العكس من ذلك فهو ينحاز للحداثة ويرفض مابعد الحداثة وما يرتبط بها من النتائج ويناقش أصولها ومصادرها ونتائجها مع إدانة لهذه المصادر والنتائج خاصة لدى نيتشه وفرويد ودريدا ويقترب من موقف مدرسة فرانكفورت خاصة لدى هابر ماس في تحليله للعقل الأدائي وتأكيده على العقل النقدي وتبنيه له وذلك تحليل للحضارة الغربية وإدانة ممارستها.
فهو لم يعد ينظر إلى تلك المصطلحات الأوربية الحديثة كالحداثة والتطور والتقدم باعتبارها نماذج مثالية مطلقة ينبغي على كافة الحضارات والمجتمعات احتذاءها وتكرارها بل إن مثل هذه المفاهيم تتضمن في جزء منه ما يعرف بالمشترك الإنساني العالمي كما تتضمن إيضاً جزءاً يعبرعن الخصوصية الحضارية لكل مجتمع. وبالتالي فهناك حداثات عديدة ممكنة لاحداثة واحدة أو لنقل أنماط عديدة للحداثة وطرق متباينة للتطور والتقدم.
إن ما يتبناه اتجاه المسيري الفكري وبحكم كونه إنجاراً معرفياً لم يكن مجرد موقف سياسي إيديولوجي معادٍ ومناهض للغرب برمته ولفكره على وجه التعميم بل كان نقداً - أكثر منه نقضاً - للأسس المعرفية التي قامت عليها منظومة القيم الأساسية لحضارة الغرب كما كان نقداً مسؤولاً ومستوعباً لكل ما هو إيجابي إنساني في مسار هذه التجربة القريبة من والمؤثرة فينا مع توجه صارم لهضم هذه القيم الإيجابية وإعادة صياغتها وتمثلها بحيث يصبح دمجها في منظومة قيمنا ورؤيتنا الكلية للوجود أمراً طبيعياً لامقحماً ولاهادماً للأسس التي تميز حضارتنا العربية والإسلامية.
ولذلك يؤكد المسيري أن الحداثة الغربية لم تحقق سيادة الإنسان التي ظلت تتشدق بها على مدار ثلاثة قرون إنما اختزلت المسافة بين الإنسان والطبيعة المادية وجعلته جزءاً منها حتى فقد مكانته ومركزيته فكانت الحداثة الغربية تأكيداً على مركزية أوربا وريادتها دون باقي الأمم أكثر من كونها تأكيداً على الإنسانية المشتركة ودورها في البناء الحضاري.
وهو ما قادها إلى التحول من هذه الصلابة إلى السيولة التي بدأت في منتصف الستينات عندما أصبح العالم الغربي يحتفي بالنسبية المعرفية والأخلاقية بصورة واضحة.
حيث يرى أن هذه السيولة لاتقوض خصوصية العالم العربي والإسلامي وحسب وإنما تقوض الإنسانية بشكل عام لأنها لا تتقيد بأي أسس معرفية أو أخلاقية تحدد طبيعة وأسس التعاون بين البشر ودورهم في الاهتمام بالقضايا الإنسانية بل تجعل كل إنسان حبيساً (لعمله ترفيهه تسوقه).
دون الاهتمام بالقصص الكبرى إقامة العدل في الأرض مقاومة الظلم مناهضة العولمة والاحتلال..وهو ما يجسد بوضوح هذه السيولة الشاملة في مقولات النظام العالمي الجديد والشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد حيث أن العامل المشترك بين هذه المقولات هو الذوبان الكامل للهوية العربية الإسلامية في النموذج المادي الغربي ففي إطار هذا النموذج يستطيع العالم العربي أن يحظى بقدر كبير من المعونات والاستثمارات والقروض والمزايا في مقابل التخلي عن المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة والانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان.

إشارة:
استفدت كثيراً من الملف الذي أعدته صحيفة الجزيرة السعودية عن د.عبد الوهاب المسيري عدد 194 -9 أبريل 2007م. كذلك من المقابلة والحوار معه مع د. محمد شومان في نفس الملف.
كذلك من المراجع النقدية والفلسفية التي تتناول هذه المصطلحات في سبيل إضاءة هذه المفاهيم ومقارنتها مع توجه د. المسيري إضافة للكتاب الذي يتحاور فيه مع د. فتحي التريكي حول مصطلحي:الحداثة وما بعد الحداثة.


جميل احمد الحبري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس سبتمبر 22, 2011 10:20 pm

العولمة كلمة غير قديمة، لهذا لا نجد لها تعريفاً في قواميس اللغة أو السياسة أو الاقتصاد، "ولذلك عندما تطرح فكرة العولمة لا يقصد بها مفهوم مجرد فقط، بل يُلتفت إلى عملياتها الأساسية، وهي: المنافسة بين القوى العظمى، والابتكار التكنولوجي، وانتشار عولمة الإنتاج والتبادل الاقتصادي والتحديث.

وفي الحقيقة إن مفهوم العولمة يعيدنا إلى العالَم، أي الكون، وليس إلى العلم، لذلك أطلق بعضهم عبارات تدل عليها: كالنظام العالمي الجديد، والإمبراطورية الجديدة، والقرية الكونية، وكل ذلك يعني شمول هذا التعبير للأمور الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والاجتماعية، بل وحتى التقاليد والأعراف...

وعلى كل فالعولمة نظام جديد، أو ظاهرة جديدة، فرضها الواقع في أواخر القرن العشرين، لذلك فليست المشكلة في تعريف العولمة، إنما المشكلة في دراسة أهدافها وبدائلها وتحدياتها وكيفية نشوئها، وهل تلغي الهوية الوطنية؟ وهل تؤثر على الأمور القومية؟." (محمد عمر الحاجي، العولمة أم عالمية الشريعة الإسلامية، دمشق، دار المكتبي، ط1، 1420هـ/1999م، ص16 و 19).

والعولمة ترادفها أيضاً كلمة الكوكبة، وهي تعني أيضاً جعل نطاق الشيء وتطبيقه عالمياً. "ولكن هذا المفهوم الموحي بالبراءة لا يلبث أن يكشف عن مخاطر كبيرة تقف وراءها قوى شرسة، ترفع مصالحها فوق كل اعتبار، وتنظر إلى العالم كله على أنه مساحة مفتوحة، أو ينبغي أن تكون مفتوحة أمامها، وتستخدم القوة لفرض تلك المصالح، وما يرافقها ويتمخض عنها من تهديد على الآخرين، ولحماية ما تسفر عنه مما يحقق أهدافها، وهي بذلك تضفي هيمنتها الشاملة على عصرنا الحاضر." (علي عقلة عرسان، العولمة والثقافة، مجلة الفكر السياسي، دمشق، العددان (4-5)، شتاء 1998/1999م، ص216).

ومن أبرز أنواع العولمة نوعان هما:

1_ عولمة الإعلام والثقافة والاتصالات: "وهي تهدف إلى التعظيم المتسارع والمستمر في قدرات وسائل الإعلام على تجاوز الحدود بين الدول، والتأثير في المتلقين الذين ينتمون إلى ثقافات متباينة، وذلك لدعم عملية توحيد ودمج أسواق العالم من ناحية، وتحقيق مكاسب للأطراف المهيمنة على صناعة الإعلام والاتصال من ناحية ثانية." (محمد عمر الحاجي، العولمة أم عالمية الشريعة الإسلامية، (مرجع سابق)، ص20).

2_ عولمة الاقتصاد: لها فوائدها ومضارها، فمن فوائدها أنها تخلق مكاسب جديدة في الرفاهية والتقدم، وتخلق أيضاً المنافسة والسعي نحو تحقيق الجودة في العمل والإنتاج، إلا أن من أضرارها الكبيرة أيضاً أنها تهمِّش الدول النامية، وتزيدها فقراً على فقر، وفساداً فوق فسادها الداخلي، والاتجاهات الراهنة لعملية العولمة تشير بشكل واضح أن هذه الظاهرة ليست في صالح الدول النامية، التي ستصير سوقاً استهلاكية للدول المتقدمة. (انظر: محمد عمر الحاجي، العولمة أم عالمية الشريعة الإسلامية، (مرجع سابق)، ص25- 26).

ويرى كثير من الباحثين أن العولمة الاقتصادية شر كلها، وتجب مواجهتها، لأن "النظام العالمي الجديد بصفة عامة، والنظام الاقتصادي العالمي الجديد بصفة خاصة، نظم تقوم على رعاية الدول المتقدمة لتزداد غنى وسيطرة على حساب الدول النامية أو الفقيرة لتزداد فقراً، فهي نظم الأغنياء، فيها منتديات اقتصادية للسيطرة على الفقراء وإذلالهم تحت وطأة الحاجات الأصلية لعيش الإنسان.

وهذه النظم ظاهرها فيه التعاون، وباطنها الاستغلال والاحتكار وأكل أموال الشعوب بالباطل.

ويجب أن نقر أن نظام العولمة الاقتصادية شر يجب الجهاد والتضحية للتقليل من خسائره، فإثمه أكبر من نفعه، ولا يظن أولئك أن هناك علاقة أخوة وحب ومودة وتكامل وتضامن بين الدول التي تسيطر على النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وبين الدول الفقيرة مثل اليمن وفلسطين وبنجلاديش والعراق وليبيا والسودان ومصر ولبنان.. بل الحقد والكراهية والتربص والاستغلال ومحاولة الإذلال" (نعمات أحمد، كيف يواجه العالم الإسلامي أخطار العولمة الاقتصادية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، دبي، 1998م، العدد (209)، ص25)، هي الحقيقة، التي أضحت ظاهرة لكل مطلع ومشاهد.

ويشير واقع وكالات الإعلان الأمريكية إلى الهدف الاستعماري للعولمة، "فالأسواق العالمية هي حكر لعدد من وكالات الإعلان الأمريكية التي يبلغ عددها (22) وكالة إعلان من مجموع (25) وكالة دولية.

وهناك (71) دولة من (91) دولة نامية تعتمد إذاعاتها على الإعلانات، كما أن الوكالات الأمريكية تسيطر على ثلثي الشركات الإعلامية في (46) دولة نامية .

ويمكن القول أن هذه الوكالات في اختراقها للدول ومؤسساتها الإعلامية لا تقوم بخلق نموذج ثقافي استهلاكي عالمـي فقط، وإنما تتحدد مخاطرها في تهديدها للثقافات القومية، وقتل التنمية في هذه البلدان النامية." (ياس البياتي، احتلال العقول، د.م، دار الحكمة، 1991م، ص144).

والعولمة ليست لمصلحة الشعوب المتقدمة أيضاً، بل هي لمصلحة فئة مسيطرة فيه، فنحن رأينا المظاهرات في لندن وكوريا وروسيا وغيرهم من دول العالم المتقدمة ضد هذا النظام العالمي الجديد، في عيد العمال العالمي، في: 1/أيار/2001م، وكذلك في عام 2002م، فقد خرج ملايين العمال يطالبون بنظام جديد ينظر إلى مصلحة العامل والفقير.

وهكذا نرى "أن العولمة ليست من أجل مصلحة شعوب العالم بقدر ما هي وسيلة لتحقيق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية... وأن هذه القوى لا تنظر إلى الآخرين إلا من خلال استمرارية مصالحها وهيمنتها عليهم.

ويرون أيضاً أن مسألة العولمة لا تنحصر فقط على تعميم النموذج الغربي على العالم، بل هدفها الرئيس تشكيك أمم الحضارات العريقة في حضاراتها ونفسها وعقائدها، وتغريب إنسانها في أفكاره ومناهج تعليمه، بل في طراز عمارته وأسلوب حياته.. بل في طعامه وشرابه عن طريق انتشار مطاعمها وألوان الطعام الخاصة بها.

وتتساءل المفكرة والكاتبة (نعمات أحمد): كيف يقنعنا الغرب برغبته في التعاون والتكامل معنا من خلال ما يطرحه علينا من أفكار وفلسفات ونظم، وهو يترصد للإسلام ويتهجم عليه، ويلصق به تهم الإرهاب والتطرف؟ كيف نتعامل مع هؤلاء ونقتنع بما يعرضونه علينا، وهم يمولون ويدفعون لكل من يثير القلق، وينفذ عمليات الإرهاب داخل أقطارنا العربية والإسلامية؟ كيف نقتنع بحسن نواياهـم، وهم يشجعون إسرائيل على العدوان واغتصاب الحقوق والاستهانة بالعرب وحقوقهم في استرداد أراضيهم المغتصبة؟." (نعمات أحمد، كيف يواجه العالم الإسلامي أخطار العولمة الاقتصادية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، (مرجع سابق)، العدد (209)، ص23).

ويحدد بعض الخبراء معنى العولمة بشكل أدق، ويرى أنها تعني الأمركة، "فالأمريكي (توم فريدمان) يقول: (نحن أمام معارك سياسية وحضارية فظيعة، العولمة هي الأمركة، والولايات المتحدة الأمريكية قوة مجنونة، نحن قوة ثورية خطيرة، وأولئك الذين يخشوننا على حق، إن صندوق النقد الدولي قطة أليفة بالمقارنة مع العولمة، في الماضي كان الكبير يأكل الصغير، أما الآن فالسريع يأكل البطيء).

وهذا القول لا يقدّم إلا بعض الحقيقة، فوراء هذه القوة الخطرة برامج أكثر خطورة، قد يؤدي تحقيق أهدافها في النهاية إلى المس بجوهر الإنسان، ومقومات المناخ من حوله.

والوطن العربي حيال هذه التكتلات الكبيرة والأوضاع الخطيرة الضاغطة، ممزق وضعيف وفقير، يسهل اصطياد أقطاره وإخضاعها، والتحكم بمساحات اقتصاده تحكماً مباشراً، ولاسيما ثرواته الرئيسة كالنفط، ويزيده بعض أهله إفقاراً وضعفاً بضخ الأموال منه، وإيداعها في الغرب خاصة، واستثمارها بما يقوي عدوهم أحياناً." (علي عقلة عرسان، العولمة والثقافة، مجلة الفكر السياسي، دمشق، العددان (4و5)، شتاء 1998/1999م، ص221).

ويظهر أن الدعوة للعولمة دعوة أمريكية بشكل خالص، تسعى لها وتريد فرضها على العالم، ففي لقاء بين (محاذير محمد) رئيس وزراء ماليزيا، ووزيرة الخارجية الأمريكية، "قال محاذير: على الدول الصغيرة أن تحذر الدخول في العولمة بلا تحوطات. فردت وزيرة الخارجية الأمريكية بضجر واضح: يا سيد محمد إن الدخول في العولمة أمر واقع لا خيار لأحد فيه." (زكريا بشير إمام، في مواجهة العولمة، عَمّان، مكتبة روائع مجدلاوي، ط1، 1420هـ/2000م، ص180).

والرئيس الأمريكي "(جورج بوش الأب) قال بعد حرب الخليج الثانية، في مناخ الاحتفال بالنصر: (إن القرن القادم سوف يشهد انتشار القيم الأمريكية، وأنماط العيش، والسلوك الأمريكي)." (علي عقلة عرسان، العولمة والثقافة، مجلة الفكر السياسي، (مرجع سابق)، العددان (4و5)، ص223).

وهذا نزوع استعماري واضح، يستهدف ثقافة الآخرين وتاريخهم، وجعلهم تبعاً لهذا الزعيم الوحيد، وهو أمريكا تحت السيطرة اليهودية.

والواقع اليوم يؤكد لنا هذا الكلام، فحرب أمريكا لأفغانستان، من غير جرم مؤكَّد، وحربها على العراق مع اختلاق الأكاذيب والحجج الواهية، وتخطيطها الاستعماري لكثير من الدول الضعيفة مالكة الكنوز الأرضية من نفط وغاز.. وحربها على عدو اختلقته واصطنعته من أوهامها سمتَّه الإرهاب، وقصدت به الإسلام والمسلمين، ليست إلا شواهد على هذا الاستعمار الجديد، تحت اسم جديد هو العولمة.

"لقد لاحظ كثيرون أن النظام العالمي الجديد، والدعوة إلى العولمة التي يبشر بها كأيديولوجية، وهي في الواقع من صنع اليهود بغية السيطرة على العالم التي تحققت لهم في نهاية القرن العشرين بلا جدال.. ولا أدل على ذلك من سيطرتهم الكاملة على الكونغرس الأمريكي وعلى الإدارة الأمريكية، خاصة في عهد الرئيس كلينتون، حيث أكثر من ستة من وزرائه من اليهود الصهاينة الموالين تماماً لإسرائيل، ومنهم وزراء الخارجية والدفاع والأمن القومي، وعدد كبير من السفراء.

[واليوم يقرر رئيس وزراء إسرائيل شارون أن أكبر من خدم اليهود من رؤساء أمريكا هو الرئيس الحالي جورج بوش الابن]

ولقد كشف مدى الهيمنة الكاملة لليهود على الإدارة الأمريكية وعلى مقدرات المجتمع الأمريكي الكاتب (بول فندلي) في كتابه: (Who Dares to Speak) الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان: (من يجرؤ على الكلام)، فبيّن بول فندلي كيف أن اليهود يسيطرون على دور النشر بأمريكا سيطرة كاملة.. وكذلك يسيطرون على أسواق العملات والأسهم والبنوك وكبريات الشركات والإعلام والجامعات، وكل شيء تقريباً في صناعة الأفلام في هوليود، ولا تقتصر سيطرتهم على الولايات المتحدة وحدها، بل تعدت ذلك إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا..

إن سيطرة اليهود اليوم على العالم كله كبيرة جداً، وحتى العالم الإسلامي والعربي لم يسلما من تلك السيطرة والهيمنة." (زكريا بشير إمام، في مواجهة العولمة، (مرجع سابق)، ص178).

ويكشف لنا بعض المسؤولين الأمريكيين الأحرار أن في أمريكا اليوم حكومة خفية تدعى حكومة الظل، هي التي تخطط وتنفِّذ، لا يعلم كنهها أكثر السياسيين الأمريكيين.

ولو أردنا أن نفهم هذه اللعبة أكثر، علينا أن نراجع ما ورد في البروتوكولات الصهيونية، وقراءة تخطيطهم للسيطرة على العالم وقيادته.

ورد في "البروتوكول الرابع عشر: عندما نصبح أسياد الأرض لن نسمح بقيام دين غير ديننا.. من أجل ذلك يجب علينا إزالة العقائد، وإذا كانت النتيجة التي وصلنا إليها مؤقتاً قد أسفرت عن خلق الملحدين، فإن هدفنا لن يتأثر بذلك.. بل يكون ذلك مثلاً للأجيال القادمة التي ستستمع إلى دين موسى، هذا الدين الذي فرض علينا مبدؤه الثابت النابه وضع جميع الأمم تحت أقدامنا." (عبد العزيز شرف، الإعلام الإسلامي وتكنولوجيا الاتصال، القاهرة، دار قباء، 1998م، ص128).

فالخطر كبير وعظيم لا محالة، ولكن علينا أن لا نصاب باليأس، فاليأس صفة من صفات الكافرين، وعلينا أن نتسلح بالإيمان واليقين أولاً، وبالعلم والحقائق ثانياً، وأن نبذل جهدنا وجهادنا، فهذه القوة ليست في أكبر حدودها إلا قوة بشرية ضعيفة، يمكن للناس الآخرين الانتصار عليها، وإلحاق الهزيمة بها.

وتضخيم هذا الأمر بحيث يشعر القراء ومتابعو وسائل الإعلام أن القوة الأمريكية بالإدارة اليهودية قوة عظيمة، لا يمكن تخيّلها أو معاداتها أو حتى التفكير في ذلك، وأنها شبح عظيم، أو تنين خارق تستحيل مواجهته بالوسائل البشرية، هذه الفكرة بحدّ ذاتها فكرة صهيونية وحرب نفسية، يهدفون من خلالها إلى بثِّ الخوف والذعر في نفوس الناس، ليسلِّموا لهم، ويستسلموا من غير مقاومة تُذكر.

هذا ما يفكرون به ويخططون له، والله سبحانه يقول: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (سورة الأنفال، الآية: 30)، والذي يبدو لي أن سلاح العولمة الذي يحاربون به اليوم هو نفسه سينقلب عليهم، وسيستخدم ضدّ أمانيهم وأهوائهم، ويحقق عليهم النصر المبين.

فها نحن اليوم أصبحنا نشهد إسلام كثير من الأجانب عن طريق وسائل الإعلام- هذه الوسائل التي هي أدوات أساسية في العولمة- وخصوصاً عبر وسيلة الإنترنت.

والواقع والتاريخ والحقيقة تظهر أن الإسلام دين إلهي لا يمكن أن يقهر، وأنه ما شارك في معركة إلا كان المنتصر، حتى لو انهزم المسلمون.

وهذا ما حدث يوم هجوم التتار على المسلمين، فقتلوا وأفسدوا فساداً عظيماً، لكن هذا الجيش الغالب لم يمض على انتصاره إلا أشهر معدودة حتى دخل في دين المغلوب، وصار جيشاً يدافع عن حمى الإسلام، ويقاتل في سبيله.

بغت أمم التتـار فأعقبتهـا مـن الإيمان عاقبة الأماني

وأصبح عابدو الأصنام قدماً حماة البيت والركن اليماني

فلا خوف على الإسلام، فالله سبحانه حافظ دينه، "ولكن الخوف على المسلمين، وعلى كل من هم في حكم الضعفاء والمستضعفين من بني البشر أن يعوا ما يستهدفهم، وأن يعملوا ليكون لهم ما يدفع عن عقيدتهم [وثقافتهم] غائلة الشر.

ليس المطلوب الهرب من العولمة أو العالم، فالعولمة ليست الشر المطلق الذي لا بد من أن نتجنبه، أو نتلمس نجاة منه، بل إنها مما يمكن أن نواجه تحدياته بإمكانيتنا ووعينا، وهي في بعض جوانبها تحتوي على إيجابيات قد تعود علينا بالنفع، إذا ما أحسنا تفهمها والانتفاع ببعض معطياتها والاستجابة لتحدياتها...

والعولمة تحتاج منا أولاً وقبل كل شيء إلى الفهم العميق لقوانين العالم المعاصر وقواه ومعارفه وأدواته وسبل الأداء الناجح في ميادينه والاستجابة لتحدياته، وليست نجاة العرب والمسلمين والإسلام، بل والعالم كله بالابتعاد عن معطيات العصر وتجنب تحدياته، لأن العصر بكل بساطة وموضوعية يقتحم الباب علينا بقوة، ولن نكون فيه ما لم نشارك في بناء حضارته، ونتحمل مسؤولياتنا فيه بإيجابية تامة، وما لم نتعامل مع معطياته باقتدار ونجاح." (علي عقلة عرسان، العولمة والثقافة، مجلة الفكر السياسي، (مرجع سابق)، العددان (4و5)، ص228).

ويؤيد هذه الفكرة كثير من الباحثين العرب، فنحن لا ينبغي أن نحارب العولمة جملة وتفصيلاً، بل نأخذ خيرها، ونترك شرها، ونطبق معها سياسة الانتقاء.

ولكن واقع العولمة اليوم لا يعني العالمية، بل يعني الأمركة وبسط النفوذ الصهيوني، ومحاربة العرب والمسلمين.. يظهر ذلك في الأخبار اليومية، حيث نرى حربهم على المؤسسات الإسلامية الأهلية، والجمعيات الخيرية، وحجرهم على أموال المسلمين داخل بلادهم، والإساءة السافرة إلى الشخصيات الإسلامية البارزة، وما معاملتهم لحليفتهم تركيا إلا شاهد على هذه العدوانية، والأنانية المفرطة.

فعندما يتحدثون عن فتح الحدود وإزالة الحواجز لا يريدون الخير لهم وللآخرين، بل يقصدون أن يجعلوا بلاد المسلمين سوقاً استهلاكية لمنتجاتهم المادية والفكرية..

ولو كانت العولمة تعني في حقيقتها العالمية، وفتح الحدود وكسر الحواجز بين البشر، لكانت مطلباً هاماً للإسلام، فالإسلام ما خاف يوماً من الانفتاح على الآخرين، بل هذا ما يسعى إليه، فالجهاد الإسلامي يهدف من جملة أهدافه إلى فتح طريق الدعوة، وإزالة العقبات بين الإسلام والعباد، ليُتركوا بعد ذلك أحراراً يختارون الدين الذي يشاؤون.

"فقد انتشر الإسلام من جزيرة العرب إلى كافة أرجاء المعمورة، وأقام حضارة راسخة البنيان... لأنه امتزج بالمدنيّات التي سادها، وتكيف معها تكيفاً لم يلغ أسسه المقدسة،" (إعداد دار طويق للنشر، المسلمون في مواجهة البث المباشر، الرياض، دار طويق للنشر، ط1، 1417هـ/1996م، ص66) ولم يحارب حياة الشعوب وعاداتهم وثقافاتهم، بل أبقى على كل ذلك، وأعطاهم من خيره وهداه ونوره، فصاروا جميعاً إخوة مؤمنين متحابين، يستخدمون اسم بلدهم الذي ولدوا فيه للتعارف ليس إلا، واستطاع الإسلام أن يحقق العالمية، وتكون في صالح البشر جميعاً.

ولو أن المسلمين استطاعوا أن يحولوا العولمة لصالح دعوتهم لقدموا بذلك خدمة عظيمة وجليلة للإسلام، فهذه العالمية تكفي المسلمين عناء الجهاد والقتال، وتحقق لهم إلغاء الحدود الإعلامية، وحينها يمكننا القول أننا أصبحنا في العصر الذهبي للدعوة الإسلامية، وأصبحنا في أجمل الظروف لنشر الإسلام.

فمعركة الإسلام اليوم كبيرة وخطيرة، وصار الإسلام بحاجة إلى من يعيش في سبيل الله أكثر من حاجته إلى من يموت في سبيل الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
فريق الادارة
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات: 3116
نقاط: 8105
تاريخ التسجيل: 04/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الخميس فبراير 23, 2012 9:38 pm

Very Happy
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://socio.montadarabi.com
ismael.abdo.7
عضو جديد
عضو جديد


التخصص: اجتماع
عدد المساهمات: 9
نقاط: 9
تاريخ التسجيل: 02/06/2012
العمر: 32

مُساهمةموضوع: رد: تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة   الثلاثاء يونيو 05, 2012 11:58 am

شكررررررررررررررراااااااااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

تكنولوجيا الاتصال وظاهرة العولمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» المحاضرة الاولى والثانية والثالثه والرابعه فى تكنولوجيا التعليم د / محمد فوزى

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والانسانية ::  :: -
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع